صدمة المليار برميل: العالم يستنزف احتياطياته والطلب على وشك الانهيار – شاشوف
تستمر أزمة النفط جراء إغلاق مضيق هرمز، مما يهدد بإعادة تشكيل توازن العرض والطلب ويقود الاقتصاد العالمي نحو ركود محتمل. بينما تمكنت الدول الكبرى من امتصاص الصدمة عبر احتياطياتها، فإن هذه الاستجابة ليست حلاً دائماً. المخزونات تتناقص بسرعة، والطلب يتراجع نتيجة ارتفاع الأسعار. التأثيرات تمتد إلى الصناعات العالمية، كالطيران والبتروكيماويات، مما يضغط على المستهلكين. أسعار الديزل تتجاوز المستويات القياسية، مما ينذر بأزمة أكبر. التوقعات تشير إلى تدهور النمو العالمي، بينما تبحث معظم الدول عن استجابة عاجلة للأزمة من خلال سحب احتياطياتها الاستراتيجية.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
مع استمرار إغلاق مضيق هرمز للأسبوع التاسع، أصبحت أزمة النفط تُعتبر ‘صدمة بمليار برميل’ تهدد بإعادة تشكيل التوازن بين العرض والطلب على النفط، وقد تدفع الاقتصاد العالمي نحو تباطؤ حاد أو حتى ركود. وحسب معلومات ‘شاشوف’ حول أحدث تقارير ‘بلومبيرغ’، فإن الدول الصناعية الكبرى تمكنت حتى الآن من امتصاص الصدمة بشكل مؤقت من خلال سحب كميات كبيرة من احتياطياتها الاستراتيجية وزيادة الأسعار لضمان الإمدادات.
لكن هذه الاستجابة تُشبه أكثر شراء الوقت بدلاً من كونها حلاً مستداماً، حيث تشير التقديرات إلى أن العالم قد يفقد ‘مليار برميل’ من الإمدادات، وهو رقم يتجاوز بأكثر من ضعف حجم المخزونات الطارئة التي أُفرج عنها منذ اندلاع الأزمة أواخر فبراير، مما يعني أن قدرة هذه الاحتياطيات على حماية السوق تتناقص بسرعة.
حين يصبح خفض الطلب ضرورة
مع استمرار الإغلاق، يتوجه السوق نحو معادلة قسرية؛ فإذا انخفض العرض بنسبة 10% أو أكثر، سيحتاج الطلب للانخفاض بنفس النسبة. وهذا التراجع سيكون نتيجة حتمية لارتفاع الأسعار إلى مستويات غير قادرة على تحملها المستهلكون، أو عبر تدخل حكومي مباشر لترشيد الاستهلاك.
ويحذر تجار ومحللون من أن ‘التعديل الحاد’ لم يبدأ بعد بشكل كامل رغم ظهور إشارات مبكرة له. سعد رحيم، كبير الاقتصاديين في مجموعة ترافيجورا، أشار خلال قمة السلع العالمية في لوزان إلى أن الطلب بدأ بالفعل في التراجع ‘في مناطق غير مرئية تسعيرياً’، مثل قطاع البتروكيماويات، لكنه مرشح للتفاقم ما دام الأزمة مستمرة، واصفاً الوضع بأنه ‘نقطة تحول حاسمة’.
وقد ابتدأت الصدمة أولاً في آسيا، وفقاً لمتابعات شاشوف، حيث تلقت الصناعات الأكثر اعتمادية على الطاقة –مثل البتروكيماويات وشحنات غاز البترول المسال– ضربة مباشرة بعد بدء الحرب في 28 فبراير. ومع مرور الزمن، بدأ التأثير ينتقل تدريجياً إلى أوروبا والولايات المتحدة، ليطال قطاعات تمس المستهلكين بشكل مباشر.
في قطاع الطيران، تم إلغاء الآلاف من الرحلات، حيث ألغت شركة لوفتهانزا حوالي 20 ألف رحلة قصيرة، كما قامت شركات أخرى مثل KLM و’يونايتد إيرلاينز’ بتقليص خططهم التشغيلية. وعلى مستوى المستهلك، بدأت أسعار البنزين المرتفعة –التي تجاوزت 4 دولارات للجالون في الولايات المتحدة– في تقليص الطلب الفعلي، وفقاً لتقديرات مصرف باركليز التي تُظهر انخفاض استهلاك الوقود بنحو 5% مقارنة بالعام الماضي.
الديزل.. نقطة الانفجار القادمة
يُجمع المحللون على أن المؤشر الأخطر لم يصل بعد، وهو سوق الديزل، الذي يُعتبر العمود الفقري للنشاط الاقتصادي العالمي، من نقل البضائع إلى تشغيل المعدات الثقيلة. وقد تجاوزت أسعار المشتقات المتوسطة في أوروبا 200 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى منذ عام 2022، مع استعداد الهند لفرض تقنين محتمل على الوقود.
ويحذر خبراء، مثل فيكاس دويفيدي من مجموعة ماكواري، من أن أزمة الديزل ستكون اللحظة التي ‘يشعر فيها الجميع بالأزمة بشكل مباشر’ نظراً لارتباطه الوثيق بسلاسل الإمداد العالمية.
تشير بيانات تتبعها شاشوف من وكالة الطاقة الدولية إلى أن الطلب العالمي قد يسجل هذا الشهر أكبر انخفاض له خلال خمس سنوات، بينما تتوقع شركات تجارة كبرى مثل غونفور أن يصل التراجع إلى 5 ملايين برميل يومياً، أي ما يعادل 5% من الإمدادات العالمية. وقد بدأت تداعيات اقتصادية تظهر بالفعل؛ حيث خفضت ألمانيا توقعاتها للنمو إلى النصف، كما قلص صندوق النقد الدولي تقديراته للنمو العالمي.
في أحد السيناريوهات التي وضعها البنك المركزي الأوروبي، قد يصل سعر خام برنت إلى 145 دولاراً للبرميل، مما قد يؤدي إلى تقليص النمو في منطقة اليورو بشكل حاد. أما السيناريوهات الأكثر تشاؤماً فتذهب أبعد من ذلك، حيث تشير تقديرات شركة FGE إلى إمكانية وصول الأسعار إلى 154 دولاراً إذا استمر التعطيل لمدة 12 أسبوعاً، وحتى إلى 250 دولاراً إذا اضطرت السوق للاعتماد على الأسعار وحدها لإعادة التوازن.
في هذا السياق، حذر فريدريك لاسير من شركة غونفور من أن استمرار الأزمة لأكثر من ثلاثة أشهر قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى حافة الركود.
في محاولة لتخفيف الصدمة، أفرجت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية عن حوالي 400 مليون برميل من احتياطياتها، في خطوة غير مسبوقة، كما لجأت الصين إلى مخزونها الاستراتيجي، لكن هذا السحب قد يشير إلى مشكلة خطيرة في المستقبل، إذ يقلل من قدرة العالم على مواجهة صدمات لاحقة.
ومع تآكل الاحتياطيات وارتفاع الأسعار، واتساع نطاق تراجع الطلب من الصناعات إلى المستهلكين، يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة يُفرض فيها إعادة التوازن بالقوة، عبر الارتفاعات الكبيرة في الأسعار والانكماش الاقتصادي، بينما كل يوم إضافي من إغلاق هرمز يقرب الأسواق خطوة جديدة نحو سيناريو أكثر قتامة.