صحار تستعيد خسائر موانئ الخليج… كيف تستفيد سلطنة عمان من توترات هرمز لتطوير مركز صناعي عالمي؟ – شاشوف


تسعى سلطنة عُمان إلى استثمار التحديات الجيوسياسية والتجارية في مضيق هرمز لبناء اقتصاد متنوع واستراتيجي. بدلاً من الاكتفاء بأثر الأزمات، تعمل مسقط على تحويل مدينة صحار إلى مركز صناعي ولوجستي يجذب الاستثمارات، مُركّزَةً على المجالات ذات الاستقرار مثل الطاقة النظيفة. تعكس هذه الجهود التحول الأكبر في الاقتصاد العالمي نحو الابتكار والتنوع، مما يجعل عمان مفضلة في سلاسل الإمداد. القيادة العمانية تدرك أهمية التخلي عن الاعتماد الكلي على النفط، وتسعى إلى بناء نموذج اقتصادي جديد قائم على تقنيات حديثة وخدمات متنوعة لجذب الاستثمارات العالمية.

الاقتصاد العربي | شاشوف

بينما تراقب العالم عن كثب مضيق هرمز كأحد أكثر الممرات البحرية خطورة، تكون سلطنة عُمان قد اتخذت موقفاً متميزاً. فبينما ينصب اهتمام المستثمرين وشركات الشحن على مخاطر الإغلاق والاضطرابات العسكرية وارتفاع تكاليف التأمين والنقل، تسعى مسقط بهدوء لوضع أساس اقتصادي جديد تستفيد من هذه المتغيرات بدلاً من تحمل آثارها فقط.

لقد دفعت الحرب في المنطقة خلال الأشهر الماضية، وما تبعها من تعطل حركة الملاحة وارتفاع تكاليف التجارة العالمية، عُمان ليس لتعزيز دورها كممر عبور فحسب، بل أيضاً لتسريع مشروع أكبر يهدف إلى تحويل البلاد إلى مركز صناعي ولوجستي يجذب الاستثمارات التي تبحث عن مواقع أكثر استقراراً وأقل عرضة للمخاطر الجيوسياسية. وفي صميم هذه الاستراتيجية، تظهر مدينة صحار التي تتحول تدريجياً من ميناء صناعي مهم إلى منصة إنتاجية تستهدف أسواقاً عالمية.

تأتي هذه التحولات في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي إعادة تشكيل كبيرة لسلاسل التوريد، حيث لم تعد الشركات تبحث فقط عن خفض التكاليف، بل أصبحت تعطي أولوية متزايدة لعوامل الاستقرار الجغرافي وسهولة الوصول إلى الأسواق وأمن الإمدادات.

هذه المعايير تمنح عُمان ميزة متزايدة مقارنةً بعدة مراكز تقليدية تواجه تحديات مثل الازدحام، أو المخاطر الأمنية، أو الاعتماد الكلي على الممرات البحرية الضيقة.

الجغرافيا تتحول من ميزة إلى صناعة

لطالما استفادت عُمان من موقعها الجغرافي المطل على بحر العرب والمحيط الهندي، لكن هذا الموقع اكتسب مؤخراً قيمة اقتصادية مضاعفة. وبينما تعتمد معظم الصادرات الخليجية على المرور عبر مضيق هرمز، تمتلك السلطنة منفذاً مباشراً نحو البحار المفتوحة، مما يمنحها قدرة أكبر على الحفاظ على تدفقات التجارة حتى في أوقات الأزمات.

لم يعد هذا الواقع مجرد عامل جغرافي نظري؛ بل أصبح عنصرًا حاسمًا في قرارات الاستثمار الدولية. مع تزايد التوترات في المنطقة، أصبحت الشركات العالمية أكثر ميلاً لاختيار مواقع إنتاج وتصدير تقل فيها احتمالات الاضطرابات المفاجئة لسلاسل الإمداد. وهنا، تبرز الموانئ العمانية كواحدة من أبرز المستفيدين من التغيرات الحالية في خارطة التجارة الدولية.

ولا يقتصر الأمر على النقل البحري فحسب، بل يمتد إلى الصناعات التي تعتمد على تدفق مستمر للمواد الخام والمنتجات النهائية. فكلما زادت كلفة المخاطر في المراكز التقليدية، زادت جاذبية المواقع التي تستطيع توفير بدائل مستقرة، وهذا ما تسعى عُمان لتحقيقه عبر استقطاب استثمارات طويلة الأجل بدلاً من الاعتماد على عائدات الخدمات اللوجستية العابرة.

صحار… بوابة جديدة لصناعات المستقبل

خارج الصورة التقليدية المرتبطة بالنفط والغاز، تحاول صحار ترسيخ مكانتها كقاعدة للصناعات المرتبطة بالتحول العالمي نحو الطاقة النظيفة وفق متابعة شاشوف. ويندرج مشروع إنتاج مواد الأنود المستخدمة في بطاريات الليثيوم أيون ضمن هذا السياق، حيث يمثل مؤشراً على قدرة السلطنة على جذب استثمارات صناعية متقدمة بعيداً عن الاقتصار على الأنشطة التجارية والخدمية.

تكتسب هذه الاستثمارات أهميتها من ارتباطها بأحد أسرع القطاعات نمواً في العالم. مع توسع صناعة السيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة ومشاريع الشبكات الذكية، يتسارع الطلب العالمي على البطاريات، مما يجعل المنافسة على سلاسل توريد هذه الصناعة من أبرز ملامح الاقتصاد العالمي في العقد المقبل.

بالنسبة لعُمان، فإن دخول هذا القطاع لا يعني فقط استضافة مصنع أو مشروع محدد، بل يمثل خطوة نحو بناء منظومة صناعية متكاملة تشمل الصناعات المغذية والخدمات اللوجستية والتقنيات المرتبطة بالطاقة النظيفة. ومن المحتمل أن يضع نجاح هذه المنظومة السلطنة على خريطة الصناعات المتقدمة التي تسعى دول كثيرة لجذبها في إطار سباق التحول الاقتصادي العالمي.

ما بعد النفط… وما بعد هرمز والمنافسة الخليجية

تدرك القيادة الاقتصادية في عُمان أن المستقبل لن يعتمد بنفس القدر على صادرات النفط التقليدية كما كان الحال في العقود الماضية. فالتغيرات السريعة في قطاع الطاقة وتزايد الاستثمارات العالمية في التقنيات منخفضة الانبعاثات تستدعي من الدول المنتجة للنفط البحث عن مصادر جديدة للنمو والقيمة المضافة.

بناءً على ذلك، تتجه السلطنة نحو بناء اقتصاد أكثر تنوعاً يعتمد على التصنيع والخدمات اللوجستية والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر وفق قراءة شاشوف. تأتي هذه القطاعات في إطار رؤية طويلة الأمد تهدف إلى خلق مصادر دخل مستقرة وأقل عرضه لتقلبات أسعار النفط والأسواق العالمية.

في نفس الوقت، توفر هذه الاستراتيجية لعمان فرصة نادرة للاستفادة من التحولات الجيوسياسية بدلاً من التضرر منها. بينما ينظر الكثيرون إلى أزمات المنطقة باعتبارها تهديداً مباشراً للتنمية، تسعى مسقط إلى تحويل هذه المتغيرات إلى عوامل جذب للاستثمارات الدولية التي تبحث عن الاستقرار والكفاءة والقدرة على الوصول السريع إلى الأسواق العالمية.

لا يمكن فصل ما يحدث في صحار عن سباق اقتصادي أكبر تشهده منطقة الخليج. فالدول الخليجية لا تتنافس فقط على جذب الشركات النفطية أو المشاريع العقارية، بل أصبحت تتنافس على استقطاب الصناعات المتقدمة والتقنيات الحديثة وسلاسل التوريد العالمية.

في هذا السياق، تشير متابعات شاشوف إلى أن السعودية تعتمد على المدن الصناعية العملاقة ومشاريع التحول الاقتصادي الكبرى، بينما تستثمر الإمارات في الموانئ والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا المتقدمة، وتسعى قطر إلى تعزيز دورها في الصناعات المرتبطة بالطاقة. أما عمان، فتراهن على مزيج مختلف يجمع بين الموقع الجغرافي والاستقرار السياسي وتكاليف التشغيل التنافسية والانفتاح على الأسواق الآسيوية.

هذا التنوع في النماذج الاقتصادية الخليجية يمنح عُمان فرصة للتموضع في مجالات لم تُستغل بعد، خصوصاً في القطاعات التي تتطلب ممرات بحرية مستقرة ومواقع إنتاج قريبة من الأسواق الآسيوية والأفريقية والأوروبية في ذات الوقت.

وتكمن أهمية صحار في قدرتها على أن تصبح حلقة أساسية في سلاسل الإنتاج العالمية. فالمعركة الاقتصادية الجديدة لم تعد تدور حول السيطرة على الموارد فقط، بل حول السيطرة على مواقع التصنيع والتكنولوجيا والقيمة المضافة.

في عالم يعيد فيه الصراعات والأزمات رسم خرائط التجارة والاستثمار، تبدو عُمان وكأنها تراهن على استثمار جغرافي بطريقة مختلفة. إذ تحاول تحويل اضطرابات هرمز من مصدر قلق دائم إلى فرصة تاريخية لبناء اقتصادٍ أكثر تنوعاً وقدرة على المنافسة، حيث لا يعتمد على عبور النفط فقط، بل على إنتاج صناعات المستقبل نفسها.