شركات الطاقة العالمية تحقق 180 ألف دولار كل دقيقة في ظل استمرار النزاع – شاشوف
تستعد كبرى شركات الوقود الأحفوري لتحقيق أرباح هائلة تصل إلى 2967 دولارًا في الثانية خلال العام الجاري، وفقًا لتحليل من منظمة ‘أوكسفام’. يأتي هذا في ظل معاناة الأسر العالمية من التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة. تستفيد هذه الشركات من الاضطرابات الجيوسياسية، مثل الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، التي أدت إلى ارتفاع أسعار النفط. في المقابل، تتحمل المستهلكون العبء المالي المتزايد، مما يضطر الحكومات إلى اتخاذ تدابير تقشفية. رغم الأرباح الضخمة، تخفض الشركات استثماراتها في الطاقة المتجددة، مما يهدد التزاماتها المناخية.
تقارير | شاشوف
في تناقض صارخ يعكس الخلل العميق في النظام الاقتصادي العالمي، تتهيأ أكبر شركات الوقود الأحفوري لتحقيق أرباح ضخمة تصل إلى حوالي 3 آلاف دولار في الثانية خلال هذا العام.
يحدث هذا التدفق الهائل للثروات في وقت تعاني فيه الأسر عالمياً تحت وطأة التضخم المتزايد، وتسعى لتلبية احتياجاتها الأساسية في ظل أزمة غير مسبوقة في تكاليف المعيشة وزيادة فواتير الطاقة وانخفاض القدرة الشرائية.
ووفقاً لتحليل حديث اطلع عليه ‘شاشوف’ أصدرته منظمة ‘أوكسفام’ الدولية، من المتوقع أن تحقق ست من عملاق النفط والغاز -وهم ‘شيفرون’، و’شل’، و’بي بي’، و’كونوكو فيليبس’، و’إكسون’، و’توتال إنرجيز’- أرباحاً مجمعة تبلغ 2967 دولاراً في الثانية بحلول عام 2026. هذه الأرقام تعني زيادة يومية مذهلة تقارب 37 مليون دولار مقارنة بأرباح العام الماضي، مما يجعل الأرباح الإجمالية المتوقعة لهذه الشركات الست تصل إلى 94 مليار دولار بنهاية العام. ولتوضيح الصورة العبثية لهذا الثراء، فإن الوقت الذي قضاه القارئ في قراءة عنوان هذا التقرير كان كافياً لتجني هذه الشركات نحو 12 ألف دولار إضافية.
تشير ماريانا باولي، مسؤولة سياسات المناخ في منظمة أوكسفام، إلى أن شركات الوقود الأحفوري تتغذى على حالة عدم الاستقرار الجيوسياسي وتفاوت الدخل العالمي. بينما تضغط فواتير الطاقة المرتفعة على المواطنين، وتتسبب في فقر الملايين، تستغل هذه الشركات الاضطرابات الدولية كمحفز رئيسي لرفع الأسعار وتعزيز هوامش أرباحها، متجاهلة المعاناة الإنسانية المتزايدة في جميع أنحاء العالم.
الحرب والممرات المائية: تكلفة باهظة يدفعها المستهلك
تشكل الحرب بين الولايات المتحدة وإيران محركًا رئيسيًا وراء هذه الطفرة الاستثنائية في أرباح شركات الطاقة. إذ أدت القيود الإيرانية على حركة الملاحة في ‘مضيق هرمز’، الشريان الحيوي لصناعة النفط والغاز عالمياً، إلى حالة من الذعر والاضطراب في الأسواق. ونتيجة لذلك، ارتفعت أسعار النفط الخام بشكل غير معقول، متجاوزة حاجز المئة دولار للبرميل في مارس الماضي، مما ساهم في تعزيز إيرادات الشركات الكبرى.
على الجهة الأخرى، يتحمل المستهلك العادي عبء هذه الحرب. ففي الولايات المتحدة، ارتفع متوسط سعر البنزين إلى 4 دولارات للجالون وفقاً لمتابعات ‘شاشوف’، مما زاد الأعباء المالية بشكل كبير على المواطن الأمريكي الذي يعاني بالفعل من ضغوط غير مسبوقة بسبب غلاء السلع الغذائية وارتفاع تكاليف السكن. ولا يقتصر الضرر على الدول الغربية، بل يمتد بقوة إلى الدول الآسيوية والإفريقية التي تعتمد بشكل شبه كامل على إمدادات الطاقة العابرة لمضيق هرمز، مما يجعلها من أشد المناطق تأثراً بهذه الأزمة.
في ظل هذا الشح في الإمدادات وارتفاع التكاليف الجنونية، اضطرت العديد من الحكومات إلى اتخاذ تدابير استثنائية وصارمة. فقد قامت بعض الدول بفرض نظام العمل من المنزل على موظفيها، أو تجربة تقليل أسبوع العمل إلى أربعة أيام لتخفيف استهلاك الوقود.
وفي مشاهد تذكر بأزمات القرن الماضي، بدأت محطات الوقود في تطبيق نظام التقنين، بينما دقت بعض المستشفيات ناقوس الخطر بعد نقص حاد في الإمدادات التشغيلية، وتمت إجراءات التقشف هذه لتشمل دولاً في إفريقيا جنوب الصحراء لضمان استمرار الحياة بالحد الأدنى.
مكاسب الحروب وتراجع الالتزامات المناخية
لا تُعتبر هذه الأرباح القياسية ظاهرة جديدة، بل تمثل استمراراً لنمط ‘التربح من الحرب’ الذي ترسخ في السنوات القليلة الماضية. فعلى سبيل المثال، أثبتت الحرب الروسية الأوكرانية أنها منجم ذهب لشركات النفط والغاز.
تشير بيانات موثقة تتبعها ‘شاشوف’ من منظمة ‘غلوبال ويتنس’ إلى أن كبريات شركات الوقود الأحفوري حققت أرباحاً صافية تجاوزت 467 مليار دولار في الأربعة سنوات التي تلت اندلاع تلك الحرب في عام 2022، مستغلة الارتباك في الأسواق لتعظيم مكاسبها بمستويات لم تُشهد من قبل في تاريخ القطاع.
وفي السياق ذاته، كشف تحليل مشترك لشركة ‘ريستاد إنرجي’ وصحيفة ‘الغارديان’ عن أن أكبر 100 شركة طاقة في العالم قد حققت أرباحاً تجاوزت 30 مليون دولار في الساعة الواحدة (حوالي 8333 دولاراً في الثانية) خلال الشهر الأول فقط من الحرب الإيرانية.
بدلاً من استثمار هذه المكاسب الاستثنائية لدعم الاقتصاد العالمي المتضرر أو الاستثمار الفعلي في المستقبل، أظهرت استطلاعات الرأي أن النصيب الأكبر من هذه المليارات وُجه نحو عمليات إعادة شراء الأسهم وتوزيع الأرباح السخية على المساهمين، متجاهلة أي اعتبارات استراتيجية لتعزيز أمن الطاقة العالمي.
من المثير للقلق بشكل خاص أن هذه الطفرة المالية لم تُسرع من التحول نحو الطاقة النظيفة، بل شهدنا تراجعاً مخيفاً عن الالتزامات البيئية من قبل الشركات الكبرى. فقد خفضت عملاقة الطاقة البريطانية ‘بي بي’ استثماراتها المجدولة في الطاقة المتجددة لصالح التوسع في مشاريع النفط والغاز، بينما تراجعت شركة ‘شل’ عن أهدافها المناخية الطموحة لعام 2030 لخفض الانبعاثات الكربونية. كما انضمت ‘إكسون موبيل’ إلى القافلة بتقليص ميزانيتها المخصصة لتطوير حلول الطاقة منخفضة الكربون، مما يوضح أن جشع تحقيق الأرباح السريعة يطغى تماماً على الالتزامات لحماية الكوكب من الكارثة المناخية.