سحب كل مخزون الذهب من نيويورك: تحرك فرنسي يعكس تراجع الثقة الدولية في الولايات المتحدة – شاشوف


تشهد الساحة المالية الدولية تغييرات كبيرة، حيث تسارع دول مثل الولايات المتحدة وفرنسا لاستعادة احتياطياتها الذهبية من الخارج. بنك فرنسا قرر نقل 129 طناً من الذهب من نيويورك إلى باريس، ليصبح إجمالي احتياطياته، البالغة 2,437 طناً، محفوظاً محلياً. التحركات تتعلق بتغير نظرة الدول إلى الأمان المالي بعد تجميد الاحتياطيات الروسية عام 2022. وتوجه دول عديدة مثل الصين والهند وبولندا لتعزيز احتياطياتها من الذهب، في حين شهدت دول أخرى مثل روسيا وتركيا ضغوطاً تسببت في بيع احتياطياتها. هذه الاتجاهات تعكس تراجع الثقة في النظام المالي الأمريكي وتعزز أهمية الأصول المحلية.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

تشهد الساحة المالية الدولية تغييرات جسيمة، حيث تتسارع خطوات عدة دول لاستعادة احتياطياتها من الذهب من الخارج، ومن أبرزها الولايات المتحدة. ومن الملاحظ في هذا السياق هو قرار ‘فرنسا’ بنقل كامل ذهبها السيادي من نيويورك إلى باريس.

قام بنك فرنسا بنقل حوالي 129 طناً من الذهب من خزائن الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك خلال الفترة بين يوليو 2025 ويناير 2026، وفقاً لمصادر ‘شاشوف’ التي اطلعت على أحدث البيانات. وبالتالي، أصبح إجمالي احتياطياته البالغ 2,437 طناً محفوظاً بالكامل داخل الأراضي الفرنسية. وفي الوقت نفسه، باع البنك سبائك قديمة غير مطابقة للمعايير واشترى ذهباً حديثاً داخل أوروبا، محققاً أرباحاً رأسمالية وصلت إلى 12.8 مليار يورو، دون أن يؤثر ذلك على الحجم الكلي للاحتياطيات.

رغم أن هذه الخطوة وُصفت رسمياً بأنها إجراء تقني، إلا أن دلالاتها السياسية والاقتصادية عميقة جداً. فانسحاب دولة غربية كبرى وعضو في حلف الناتو من الولايات المتحدة يعكس تغيراً في تقييم المخاطر المرتبطة بالاحتفاظ بالأصول في الخارج، خاصة داخل النظام المالي الأمريكي.

يأتي هذا التطور ضمن اتجاه أوسع بدأ في التبلور منذ سنوات. فقد سبقت ألمانيا خطوات مماثلة بين 2013 و2017، وتستمر عمليات إعادة الذهب بهدوء من قبل عدد من البنوك المركزية الغربية. ورغم أن هذه التحركات تتم دون ضجيج إعلامي، فإن حجمها يدل على تغيير استراتيجي في نظرة الدول لمفهوم الأمان المالي.

العقوبات على روسيا كلمة السر

يعود جزء كبير من هذا التحول إلى تداعيات قرار تجميد نحو 300 مليار دولار من الاحتياطيات الروسية في عام 2022، وهو الأمر الذي كان نقطة تحول في الفكر العالمي. فقد أظهر هذا الإجراء أن الأصول المالية، حتى السيادية منها، يمكن أن تتحول إلى أدوات ضغط سياسي في أوقات الأزمات، مما دفع العديد من الدول لإعادة تقييم اعتمادها على النظام المالي الأمريكي.

في هذا السياق، لم يعد الاحتفاظ بالذهب في نيويورك يُعتبر الخيار الأكثر أماناً كما كان يراه البعض سابقًا، بل أصبحت السيطرة المباشرة على الأصول داخل الحدود الوطنية تُعتبر ضمانة رئيسية للسيادة المالية. ومن هنا، تشير قراءة ‘شاشوف’ إلى أن الخطوة الفرنسية تعبر عن تراجع الثقة في الضمانات التقليدية التي قدمها النظام المالي الأمريكي.

بالتوازي، تتجه دول اقتصادية كبرى إلى إعادة هيكلة احتياطياتها بعيداً عن الأصول المرتبطة بالولايات المتحدة. فقد واصلت الصين شراء الذهب لمدة 16 شهراً متتالياً، لترفع احتياطياتها إلى 2,308 أطنان بقيمة تقارب 387.6 مليار دولار، في حين خفضت حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية بنحو 638 مليار دولار. ويعكس ذلك استراتيجية طويلة الأمد للتقليل من التعرض للأصول القابلة للتجميد وتعزيز الاعتماد على الذهب كملاذ سيادي.

كما انضمت دول أخرى إلى هذا الاتجاه، حيث أعادت الهند 274 طناً من الذهب إلى خزائنها المحلية، مما رفع نسبة الذهب المخزن داخلياً إلى 66%، في وقت قامت فيه بتقليص استثماراتها في السندات الأمريكية.

في أوروبا، عززت بولندا احتياطياتها بإضافة 20 طناً خلال شهر واحد، مع خطط لزيادة إجمالي احتياطياتها إلى 700 طن، بينما رفعت أوزبكستان احتياطياتها بحوالى 8 أطنان، ليصل إجمالي الطلب السنوي من البنوك المركزية إلى 863 طناً.

في المقابل، هناك دول اضطرت لبيع جزء من احتياطياتها تحت ضغط الأزمات الاقتصادية، كما حدث مع روسيا وتركيا، حيث استخدمت هذه الاحتياطيات لتغطية العجز أو لدعم العملات المحلية. ومع ذلك، يبقى الاتجاه العام على مستوى البنوك المركزية هو تعزيز حيازة الذهب، مما يؤكد أن الطلب عليه لا يزال قوياً رغم هذه الاستثناءات.

تكشف هذه التحركات مجتمعة عن تحول عميق في بنية النظام المالي العالمي، حيث لم يعد الدولار أو الأصول الأمريكية يمثلان الخيار الوحيد أو الأكثر أماناً.

يمكن القول إن الثقة الدولية بالولايات المتحدة كحاضنة آمنة للأصول السيادية لم تعد كما كانت في الماضي، فالدول لم تعد تسحب ذهبها بسبب تكاليف التخزين أو اعتبارات لوجستية، بل نتيجة إدراك متزايد بأن السيطرة المباشرة على الأصول أصبحت ضرورة استراتيجية في عالم يتسم بارتفاع التوترات الجيوسياسية.


تم نسخ الرابط