ثغرات ‘الباب الخلفي’: كيف فقدت واشنطن 40 مليار دولار من الرسوم الجمركية نتيجة مناورة ذكية من الصين؟ – شاشوف


تقارير اقتصادية جديدة تكشف عن عملية تجارية ضخمة تقدر بـ300 مليار دولار تهرب السلع من الرسوم الجمركية الأمريكية، عبر إعادة توجيه المنتجات من الصين إلى دول جنوب شرق آسيا ثم إلى المكسيك للاستفادة من الإعفاءات الإقليمية. تحليل يشير إلى زيادة غير مسبوقة في المعاملات المشبوهة، مما يكشف ضعف الرقابة الجمركية. تكبدت الخزانة الأمريكية خسائر تقدر بـ40 مليار دولار في الإيرادات الجمركية بسبب استغلال الشركات لقواعد المنشأ، مما أثر سلبًا على جهود إدارة ترامب لإحياء التصنيع المحلي. يتم النظر في تغييرات جديدة لتعزيز الرقابة ومنع التهرب، في ظل تحديات دبلوماسية مع كندا والمكسيك.

تقارير | شاشوف

أظهرت بيانات اقتصادية حديثة رصدها “شاشوف” عن وجود التفاف تجاري ضخم يُقدّر بنحو 300 مليار دولار، حيث تنجح كميات هائلة من السلع في التهرب من الرسوم الجمركية الصارمة التي وضعتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

تعتمد هذه العمليات على إعادة توجيه المنتجات من الصين عبر دول جنوب شرق آسيا، وصولاً إلى المكسيك للاستفادة من الإعفاءات الإقليمية. وحسبما ذكرت شبكة “بلومبيرغ”، فإن هذا التسرب المالي يكشف عن ضعف كبير في آليات الرقابة والإنفاذ الجمركي، مما يضع واشنطن أمام تحديات جديدة مع اقتراب موعد المراجعة الشاملة لاتفاقية التجارة في أمريكا الشمالية.

أظهرت التحليلات المعمقة التي أجرتها منصة “ألتانا” المتخصصة في تتبع سلاسل الإمداد بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي، طفرة غير مسبوقة في المعاملات المشبوهة. فقد قفزت حركة الشحنات التي تحمل شبهات التهرب الجمركي بنسبة 76% خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025، من 100 مليون معاملة إلى أكثر من 188.5 مليون.

هذا الارتفاع اللافت يؤكد أن الشركات العالمية تسارعت في تكييف مساراتها اللوجستية للالتفاف على القيود الأمريكية، مفضلة تمرير البضائع عبر وسطاء بدلاً من انفاق استثمارات ضخمة لإعادة توطين الصناعة كما كانت تأمل الإدارة الأمريكية.

التبعات المالية لهذا التحايل كانت واضحة على الخزانة الأمريكية؛ إذ تُقدّر الخسائر الناجمة عن فاقد الإيرادات الجمركية بنحو 40 مليار دولار في عام واحد فقط، وترتبط هذه الخسائر بسلع استفادت من الامتيازات التي تتيحها اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA) دون وجه حق.

تأتي هذه الأرقام لتسلط الضوء على شراسة الحرب التجارية والاقتصادية الجارية، حيث تثبت شبكات التوريد المعقدة أنها أسرع استجابة وتكيفًا من القوانين الحمائية التي تحاول ضبطها.

لعبة “المنشأ” وسلاسل الإمداد المعقدة

تدور إشكالية التهرب الجمركي حول ما يُعرف بـ”قواعد المنشأ”، وهي اللوائح المعقدة التي تحدد هوية المنتج النهائية وبالتالي النسبة المفروضة من الرسوم عليه. لذا، لكي يحصل منتج صيني على صفة منشأ فيتنامية أو مكسيكية، يجب أن يخضع لعملية “تحول جوهري” داخل تلك الدول.

ومع ذلك، أثبتت خوارزميات الذكاء الاصطناعي أن ملايين الشحنات تنتقل من بلد المنشأ الأصلي إلى دول وسيطة ثم إلى السوق الأمريكي دون وجود دليل حقيقي على هذا التحول التصنيعي، مما يُصنّف قانونياً كعمليات إعادة شحن غير شرعية.

تلجأ الشركات بشكل متكرر إلى استراتيجيات تجميع وهمية؛ حيث تُشحن المكونات الأساسية من المصانع الصينية إلى منشآت في دول مثل فيتنام، وتقتصر العمليات هناك على التغليف أو التركيب البسيط. بعد ذلك، تُنقل هذه البضائع إلى المكسيك التي تُعد البوابة الذهبية للسوق الأمريكي، مما يسمح لهذه الشركات بتقليص التكاليف وتجنب الرسوم العقابية العالية التي كانت ستُفرض إذا صدرت مباشرة من بكين إلى واشنطن.

أصبحت هذه الثغرات تشكل حافزًا عكسيًا للشركات بدلاً من دفعها للتصنيع المحلي. وقد أشار جيسون سميث، رئيس لجنة الوسائل والطرق في مجلس النواب الأمريكي، إلى اعترافات واضحة من رؤساء تنفيذيين لشركات كبرى تؤكد أن تأسيس مراكز تصنيع في المكسيك قد أصبح الخيار الأكثر ربحية.

هذا المسار يتيح لهم استيراد كميات كبيرة من المكونات الأجنبية معفاة من الرسوم، وإدخال المنتج النهائي إلى الأراضي الأمريكية دون تكلفة، مما يفرغ سياسة الرسوم الجمركية من محتواها الذي يسعى إلى إحياء التصنيع داخل الولايات المتحدة.

تحركات واشنطن لسد الثغرات ومراجعة الاتفاقيات

ردًا على هذا الاستنزاف المالي والالتفاف الاستراتيجي، تعمل إدارة ترامب بجد على هندسة تغييرات جذرية في قواعد التجارة الإقليمية. وتؤكد تقارير “بلومبيرغ” أن الإدارة الأمريكية تدرس فرض متطلبات أكثر صرامة لرفع تكلفة استيراد السلع، خاصة في قطاع السيارات، لإجبار المصنعين على نقل عملياتهم الحقيقية إلى داخل أمريكا.

وفي خطوة استباقية لامتصاص الغضب الأمريكي، بادرت المكسيك في أواخر العام الماضي برفع الرسوم على بعض الواردات الصينية، في محاولة لإثبات التزامها بحماية حدود القارة التجارية.

تشكل المراجعة المرتقبة لاتفاقية أمريكا الشمالية ميدان المعركة القادم لترسيم قواعد تجارية جديدة. وفي هذا السياق، أكد الممثل التجاري الأمريكي جيمسون غرير على أهمية الاستفادة من الاتفاقيات الثنائية والثلاثية لضرب شبكات إعادة الشحن الوهمي. وأوضح أن النقاشات القادمة لن تقتصر على صناعة السيارات فحسب، بل يجب أن تشمل مراجعة شاملة وصارمة لـ “قواعد المنشأ” في مختلف القطاعات، لضمان عدم تسلل أي سلع أجنبية تحت غطاء الإعفاءات الإقليمية.

على الجانب الآخر من الحدود، تستعد كندا لسيناريوهات تفاوض صعبة، حيث تتوقع كبيرة المفاوضين التجاريين جانيس شاريت جولة قادمة من المحادثات الثلاثية المعقدة. وتطالب أوتاوا، حسب متابعة شاشوف، بضرورة المعاملة بالمثل كشرط أساسي لنجاح المراجعة؛ إذ تشترط كندا أن تتراجع واشنطن أولاً عن الرسوم القطاعية التي فرضها ترامب على صادرات حيوية مثل الصلب والألمنيوم، قبل الانخراط في اتفاقيات تضييق الخناق على المنتجات الآسيوية، مما يزيد من تعقيد المشهد التجاري.

يُظهر هذا التدفق الهائل للسلع عبر “النافذة الخلفية” أن أحد الأهداف الاستراتيجية لرسوم ترامب الجمركية، والمتمثل في فك الارتباط الهيكلي مع المصانع الصينية وإعادة توطين الإنتاج، لم يتحقق كما كان متوقعًا.

بدلًا من الاستثمار في بناء بنية تحتية تصنيعية جديدة داخل الولايات المتحدة، فضلت الشركات استغلال مرونة سلاسل الإمداد العالمية وتطويع شبكات الموردين الحالية في آسيا والمكسيك لضمان استمرار تدفق بضائعها بأقل التكاليف.