تمويل الدفاع: أوروبا تواجه ضغوط ترامب وتهديدات روسيا والانقسام الداخلي – شاشوف
تواجه دول الناتو الأوروبية تحديات غير مسبوقة في رفع الإنفاق الدفاعي تلبية لمطالب الولايات المتحدة، وسط تباطؤ نمو اقتصادي وزيادة الديون. الرئيس الأمريكي ترامب يضغط على تلك الدول لرفع الإنفاق العسكري إلى 5% من الناتج المحلي بحلول 2035، في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا. أوروبا مقسّمة إلى ثلاث مجموعات: دول مثل بولندا تخطط لتقليص الإنفاق الاجتماعي لتلبية الأهداف، ودول مثل ألمانيا تتمتع بديون منخفضة، وأخرى مثل بريطانيا وإيطاليا تواجه تحديات اقتصادية كبيرة. أي زيادة كبيرة في الميزانيات الدفاعية ستصطدم بالخلافات السياسية وتؤثر على برامج الرعاية الاجتماعية.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
تواجه الدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي “الناتو” تحدياً غير مسبوق يتمثل في كيفية تلبية المطالب الأمريكية برفع الإنفاق الدفاعي إلى مستويات تاريخية، في وقت تعاني فيه معظم الاقتصادات الأوروبية من تباطؤ النمو وارتفاع الديون والعجز المالي.
بينما يضغط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتقليل اعتماد أوروبا على المظلة العسكرية الأمريكية، تتزايد كذلك الضغوط نتيجة استمرار الحرب في أوكرانيا، مما يضع الحكومات الأوروبية أمام خيارات اقتصادية وسياسية صعبة قد تمتد آثارها لسنوات.
وخلال قمة الناتو التي عُقدت في أنقرة، جدد ترامب مطالبته للحلفاء الأوروبيين برفع الإنفاق العسكري إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035 وفق متابعة شاشوف، مشيراً إلى أن الوقت قد حان لتحمل أوروبا مسؤولية أكبر عن أمنها وتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة.
تزامنت هذه الضغوط مع انتقادات وجهها ترامب للدول الأوروبية بشأن مواقفها من الحرب مع إيران، في وقت يسعى فيه لدفع الحلف لإعادة ترتيب أولوياته الأمنية وزيادة جاهزيته العسكرية.
وفي المقابل، يواصل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الضغط على العواصم الأوروبية للحصول على مزيد من الأسلحة وأنظمة الدفاع الجوي والتمويل، مؤكداً خلال منتدى الصناعات الدفاعية في أنقرة أن أولوية كييف تتمثل في تعزيز قدراتها الدفاعية ضد الصواريخ الباليستية الروسية، معتبراً أن تطورات الشرق الأوسط أبرزت أهمية امتلاك منظومات دفاع جوي متطورة.
استجابة أوروبية أولية.. لكن بكلفة كبيرة
في محاولة لإظهار الاستجابة للمطالب الأمريكية، أعلن الأمين العام لحلف الناتو مارك روته عن توقيع صفقات دفاعية جديدة بقيمة 12 مليار دولار على هامش منتدى الصناعات الدفاعية في أنقرة، شملت شراء طائرات مسيرة، وطائرات استطلاع، وأنظمة دفاع جوي، في إطار تسريع برامج تحديث الجيوش الأوروبية.
ورغم هذه الخطوات، تشير التقديرات التي رصدها شاشوف إلى أن أوروبا لا تزال بعيدة عن تحقيق الاكتفاء الذاتي في الصناعات العسكرية، إذ تعتمد بصورة كبيرة على التكنولوجيا الأمريكية، وتحتاج إلى استثمارات ضخمة لتطوير إنتاج الطائرات المسيّرة، وأنظمة الدفاع الجوي، والذخائر، والقدرات الصناعية المرتبطة بها.
وترى مجلة الإيكونوميست البريطانية في تقرير اطلع عليه شاشوف، أن زيادة الإنفاق العسكري قد توفر دفعة للصناعات الدفاعية الأوروبية من خلال زيادة الإنتاج وخلق فرص عمل جديدة، إلا أن هذه المكاسب يقابلها عبء مالي كبير على الحكومات.
فتمويل الإنفاق العسكري الإضافي يتطلب أحد ثلاثة خيارات رئيسية: زيادة الاقتراض العام، أو رفع الضرائب، أو تقليص الإنفاق على برامج الرعاية الاجتماعية، أو اللجوء إلى مزيج من هذه الخيارات، ما يهدد بإثارة أزمات سياسية واجتماعية داخل العديد من الدول الأوروبية.
ثلاث فئات داخل أوروبا
تشير تقديرات الإيكونوميست إلى أن الدول الأوروبية لم تعد تتحرك بوتيرة واحدة في ملف الإنفاق الدفاعي، بل يمكن تقسيمها إلى ثلاث مجموعات رئيسية.
المجموعة الأولى تضم الدول الأقرب لتحقيق أهداف الناتو، مثل بولندا ودول البلطيق وفنلندا وليتوانيا، وهي دول ترى نفسها في مواجهة مباشرة مع التهديد الروسي، ولذلك اتخذت إجراءات مؤلمة لتمويل جيوشها، مثل خفض الإنفاق الاجتماعي أو زيادة الضرائب.
وحسب بيانات وكالة فيتش، فإن 11 دولة أوروبية موّلت نصف الزيادة في إنفاقها الدفاعي على الأقل عبر رفع الضرائب أو تقليص برامج الرعاية الاجتماعية، كما أظهرت استطلاعات أجراها المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن غالبية المواطنين في هذه الدول تؤيد هذه الإجراءات بسبب شعورها المباشر بالخطر الروسي.
أما المجموعة الثانية فتضم دولاً تتمتع بديون عامة منخفضة نسبياً، مثل ألمانيا والدنمارك والسويد، مما يمنحها مساحة أوسع للاقتراض وتمويل خططها العسكرية، مع استهداف رفع الإنفاق الدفاعي إلى نحو 3.7% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030.
في المقابل، تواجه المجموعة الثالثة، التي تضم بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال، التحديات الأكبر، نظراً لارتفاع مستويات الدين العام وتكاليف خدمته، مما يحد من قدرتها على تمويل زيادات كبيرة في الإنفاق العسكري دون إحداث اضطرابات مالية أو سياسية.
بريطانيا وفرنسا.. معضلة الديون
تبرز بريطانيا باعتبارها أحد أوضح الأمثلة على صعوبة التوفيق بين متطلبات الأمن والاستقرار المالي.
فقد أدى الخلاف حول ميزانية الدفاع إلى استقالة وزير الدفاع السابق جون هيلي، بعدما اتهم الحكومة بعدم توفير التمويل اللازم لمواجهة التحديات الأمنية، مما زاد الضغوط السياسية على رئيس الوزراء السابق كير ستارمر، قبل أن يغادر منصبه.
تشير تقديرات مكتب مسؤولية الميزانية البريطاني إلى أن الدين العام يسير في “مسار غير مستدام” في ظل السياسات الحالية، مما يعني أن الحكومة الجديدة برئاسة آندي بيرنهام ستواجه القيود المالية نفسها، في الوقت الذي يستمر فيه الاقتصاد البريطاني في تسجيل معدلات نمو ضعيفة تحد من زيادة الإيرادات العامة.
ولا تبدو الصورة أفضل في فرنسا، إذ تسعى باريس لزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 2.5% من الناتج المحلي بحلول عام 2030، أي نصف المستوى الذي يطالب به ترامب.
لكن ديوان المحاسبة الفرنسي يرى أن تحقيق هذا الهدف يتطلب “مقايضة كبيرة” بين زيادة الإنفاق العسكري والحفاظ على برامج الرعاية الاجتماعية، مما يضع حكومة رئيس الوزراء سباستيان لوكورنو أمام خيارات سياسية معقدة، خاصة بعد الصعوبات التي واجهتها في تمرير الموازنة العامة وتقليص العجز المالي.
إسبانيا وإيطاليا.. رفض وتحفظ
تُعتبر إسبانيا من أكثر الدول الأوروبية اعتراضاً على مطالب ترامب، إذ تتمسك بسقف للإنفاق الدفاعي لا يتجاوز 2.1% من الناتج المحلي الإجمالي، وترفض الالتزام بهدف 5%.
ازداد التوتر بين مدريد وواشنطن بعد انتقاد رئيس الوزراء بيدرو سانشيز للحرب الأمريكية على إيران، مما دفع ترامب إلى الإعلان عن قطع كافة العلاقات التجارية مع إسبانيا.
أما البرتغال، فرغم إنفاقها نحو 2% من الناتج المحلي على الدفاع، فإنها لم تطرح بعد خطة واضحة للوصول إلى المستويات المطلوبة.
في إيطاليا، ذكرت الإيكونوميست أن الحكومة لجأت إلى تعديل طريقة احتساب الإنفاق العسكري للوصول إلى نسبة 2%، في حين أن الزيادة الفعلية في الإنفاق لم تتجاوز 7%، معتبرة أن جزءاً من هذه الزيادة تحقق عبر إعادة تصنيف بعض النفقات وليس من خلال إنفاق عسكري جديد.
وترفض الأحزاب اليسارية والاشتراكية تقليص برامج الرعاية الاجتماعية أو زيادة الضرائب لتمويل الإنفاق العسكري، خوفاً من فقدان قواعدها الانتخابية، بينما ترى بعض الأحزاب اليمينية أن روسيا لا تمثل تهديداً مباشراً لأوروبا، وتحمّل الإدارات الأمريكية السابقة مسؤولية اندلاع الحرب في أوكرانيا، وهو خطاب يتقاطع في بعض جوانبه مع مواقف ترامب.
ويعني ذلك أن أي زيادة كبيرة في الميزانيات الدفاعية ستواجه نقاشات سياسية حادة داخل البرلمانات الأوروبية، وقد تؤخر تنفيذ التعهدات التي قُدمت داخل حلف الناتو.
معادلة أمنية باهظة الثمن
تشير المؤشرات الحالية إلى أن أوروبا دخلت مرحلة جديدة يصبح فيها الأمن والدفاع أولوية استراتيجية، إلا أن تحقيق هذه الأولوية يصطدم بواقع اقتصادي معقد يتمثل في تباطؤ النمو، وارتفاع الديون، وضيق الحيز المالي، إضافة إلى الانقسامات السياسية الداخلية.
بينما تسعى بعض الدول للاستجابة السريعة لمطالب واشنطن، تبدو الاقتصادات الأوروبية الكبرى أقل قدرة على الوصول إلى هدف الإنفاق البالغ 5%، مما يجعل الخلافات حول تمويل الدفاع مرشحة للاستمرار خلال السنوات المقبلة، مع ما قد يرافقها من ضغوط على المالية العامة وبرامج الرعاية الاجتماعية والاستقرار السياسي داخل القارة.