تلاشي آمال العودة إلى ‘انخفاض أسعار النفط’: أسباب ثبات الأسعار رغم تحسن الأوضاع في هرمز – شاشوف


إيران فتحت مضيق هرمز مؤقتاً أمام الملاحة، لكن العودة لأسعار ما قبل الحرب ليست وشيكة. أسعار خام برنت لا تزال فوق 90 دولاراً، بفعل الفوضى اللوجستية، إذ توجد 128 ناقلة نفط متوقفة. استئناف الإنتاج في حقول النفط يتطلب وقتاً وتقنيات معقدة. وانتشار الأضرار في المصافي يزيد من تحديات العرض. بينما يُعتبر مشروع خط أنابيب سعودي عبر اليمن حلاً طويل الأمد، يبقى الاستقرار السياسي في المنطقة ضرورياً. الشركات لا تزال حذرة بسبب التهديدات الإيرانية، مما يعني أن أسعار النفط المرتفعة ستستمر، مع توقعات بعدم عودتها لمستويات منخفضة قبل 2030.

تقارير | شاشوف

أظهرت إيران مرونة غير متوقعة بفتح مضيق هرمز “مؤقتاً” أمام حركة الملاحة، وهي خطوة كانت متوقعة أن تؤثر سلباً على أسعار الطاقة العالمية. لكن المفاجأة الحقيقية التي يواجهها المستهلك اليوم هي أن العودة إلى مستويات ما قبل الحرب ليست قريبة، بالتأكيد لن تحدث هذا العام. فالحرب التي أطلقت شرارة القتال في الشرق الأوسط تركت آثاراً عميقة على البنية التحتية واللوجستية، مما يجعل أي هبوط سريع للأسعار مجرد “أمنيات” تصطدم بواقع اقتصادي وهندسي معقد، بينما لا يزال خام برنت يتداول فوق مستوى 90 دولاراً، أي بزيادة تصل إلى 20 دولاراً مقارنةً بما كان عليه قبل بدء النزاع.

العقبة الأولى أمام الاستفادة من هذا الانفراج تكمن في “الفوضى اللوجستية” الحالية؛ حيث يوجد حوالي 128 ناقلة نفط عملاقة في حالة شلل كامل، محملة بـحوالي 160 مليون برميل من الخام، وفقاً لبيانات اطلع عليها “شاشوف” من “كابيتال إيكونوميكس”.

تتحرك هذه الناقلات بسرعة لا تتجاوز سرعة ركوب الدراجة، مما يعني أن عملية إخلاء المضيق وتصريف المخزونات التي تجمعت لدى المنتجين نتيجة انقطاع سبل التصدير قد تحتاج إلى ثلاثة أشهر على الأقل لاستعادة القدرة التشغيلية الكاملة، وهي فترة كافية لإبقاء حالة القلق مسيطرة على الأسواق العالمية وتجار العقود الآجلة.

أما التحدي الأكبر، فهو يتجاوز مجرد حركة السفن إلى “فيزياء الآبار النفطية”؛ فإعادة تشغيل الإنتاج المتوقف في حقول المنطقة ليست مجرد زر نضغطه، بل هي عملية هندسية معقدة تتطلب أسابيع من موازنة الضغط داخل المكامن النفطية وتنسيق عمليات حقن الماء والغاز بدقة تامة.

إغلاق الآبار خلال فترة النزاع قد أحدث أضراراً في الخزانات الجوفية، مما يتطلب عمليات حفر وإصلاح معقدة لاستعادة إنتاج 12 مليون برميل يومياً من الخام و3 ملايين برميل من المنتجات المكررة التي توقفت في السعودية والعراق، وهو ما يضع سقفاً زمنياً طويلاً أمام استئناف الضخ الكامل.

وعلى صعيد البنية التحتية، كشفت الحرب عن أضرار جسيمة لحقت بمصافي النفط ومصانع الغاز الطبيعي، حيث تؤكد شركات النفط الكبرى أن بعض أعمال الإصلاح الحيوية للمنشآت المتضررة قد تستغرق سنوات لإنجازها.

هذا النقص الهيكلي في قدرات التكرير والإنتاج يعني أن العرض العالمي سيظل يعاني من فجوة لا يمكن سدها بمجرد فتح ممر مائي، مما يمنح التجار مبرراً منطقياً للإبقاء على الأسعار مرتفعة، تحوطاً من أي نقص مفاجئ أو “إشارات سلام كاذبة” مثلما حدث في الأسابيع الماضية قبل انطلاق موجات القتال مجددًا.

وفي قلب هذه الأزمة، يعود إلى الواجهة “المسار الثالث” أو ما يُعرف بـ”المطمع التاريخي” السعودي، وهو مشروع مد خط أنابيب نفطي عبر الأراضي اليمنية نحو بحر العرب. هذا المشروع، الذي سعت الرياض لتحقيقه منذ سنوات عديدة لتجاوز مضيق هرمز، يظهر الآن كضرورة استراتيجية للهروب من فخ “الجغرافيا السياسية” الإيرانية.

رغم أن هذا المسار يمثل حلاً جذرياً لتفادي مخاطر الحرب وضمان تدفق الصادرات من مياه مفتوحة، إلا أنه يبقى حالياً ضمن دائرة التفكير الاستراتيجي التي تحتاج إلى بيئة سياسية وأمنية مستقرة تماماً داخل اليمن ليتحول من “طموح قديم” إلى واقع ملموس.

ومع ذلك، على الرغم من جاذبية هذه البدائل، يجب التأكيد على أن التقديرات المتعلقة بالمسارات البرية أو إعادة فتح المضيق لا تزال تندرج تحت بند التكهنات النظرية والافتراضات التي لا تلغي بأي حال من الأحوال الأهمية الحيوية لمضيق هرمز؛ فالمضيق سيظل الشريان المركزي الذي لا يمكن الاستغناء عنه للتجارة الدولية والشحن العالمي.

طالما ترفض شركات التأمين البحري تقديم تغطيات بأسعار معقولة، وما دام التهديد الإيراني بـ”الألغام البحرية” وقواعد العبور المشروطة قائماً، فإن عمالقة الشحن، مثل “ميرسك” الدنماركية و”هاباغ لويد” الألمانية، سيستمرون في مراقبة الوضع بحذر شديد، بحسب تتبع “شاشوف” لبيانات هذه الشركات، مما يعني أن أي انفراجة حقيقية ستظل مرتبطة بانتهاء الحرب تمامًا وليس مجرد فتح ممرات مؤقتة.

في النهاية، يبدو أن العالم قد دخل حقبة جديدة من “تسعير المخاطر”، حيث لن يعود النفط إلى مستويات 60 دولاراً اللازمة لخفض أسعار البنزين للمستهلك النهائي قبل عام 2030، وفقاً لتوقعات سوق العقود الآجلة. الفجوة السعرية الحالية، التي تضع النفط فوق 90 دولاراً، هي “ضريبة الحرب” التي يتقاضاها الواقع اللوجستي المتضرر والشكوك السياسية العميقة، بينما تحطمت الثقة في الأسواق، ويحتاج ترميمها إلى أكثر من مجرد إعلان إيراني؛ فالأمر يتطلب أدلة ملموسة على إعادة تشغيل الإنتاج وإصلاح المنشآت الحيوية في عمق المنطقة.