تعويضات صينية للدول المتأثرة من واشنطن.. كيف تستفيد بكين من سياسة ‘أمريكا أولا’؟ – شاشوف


بدأت الصين تعزيز دعمها للدول النامية بعد تقليص الولايات المتحدة مساعداتها الإنسانية تحت إدارة ترامب. بينما تراجعت واشنطن عن دورها كأكبر مانح، تقدمت بكين لملء الفراغ عبر استراتيجيات ‘القوة الناعمة’. قدمت الصين مساعدات مثل 3.5 مليون دولار لمكافحة الإيدز في جنوب أفريقيا، لكنها ما زالت خلف الولايات المتحدة التي خصصت 64 مليار دولار للمساعدات الخارجية. تواجه مبادرة ‘الحزام والطريق’ الصينية تحديات بسبب تعثر بعض الدول في سداد الديون. بالتالي، تبنت بكين مشاريع ‘صغيرة وجميلة’ لتعزيز علاقاتها مع الدول النامية في سياق دبلوماسي متغير.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

أصبحت الصين أكثر نشاطًا في دعم الدول النامية المتأثرة بالتخفيضات الكبيرة التي فرضتها إدارة دونالد ترامب على التمويل الأمريكي. ومع تراجع واشنطن عن دورها التقليدي كأكبر مانح للمساعدات الإنسانية عالميًا، اتجهت بكين لاستغلال هذه الفرصة من خلال استراتيجيات “القوة الناعمة” بتكاليف مالية أقل بكثير.

تحت شعار “التجارة لا المساعدات”، قامت إدارة ترامب فعليًا بتفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وخفضت عشرات المليارات من التمويل الخارجي، مستبدلةً المنح الإنسانية بصفقات مبنية على تبادل المصالح. وقد دفع هذا التوجه واشنطن إلى فرض شروط للحصول على مزايا استراتيجية مقابل الدعم، وفقًا لتقارير “شاشوف”، مثل مطالبتها بالوصول إلى بيانات صحية حساسة في غانا وزيمبابوي، أو التفاوض حول الاستثمار في معادن حيوية مثل النحاس والكوبالت في زامبيا، مما أثار تساؤلات قانونية وسيادية لدى تلك الدول وحرما من تمويلات حيوية.

الدبلوماسية الصحية الصينية.. نفوذ متزايد بتكلفة منخفضة

على الجانب الآخر، استغلت بكين هذه الفرصة لتعزيز وجودها السياسي من خلال تقديم “منح صغيرة” حظيت بتغطية إعلامية واسعة؛ حيث قدمت الصين 3.5 مليون دولار لجنوب أفريقيا لمواجهة فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) كتعويض عن تراجع المساعدات الأمريكية التي كانت تتجاوز 400 مليون دولار سنويًا. كما شمل الدعم منحة قدرها 41.6 مليون دولار لتنزانيا لإنشاء مركز لقلب الأطفال و4.4 ملايين دولار لكمبوديا لإزالة الألغام، بالإضافة إلى مساعدات غذائية عاجلة لزامبيا وزيمبابوي.

رغم النجاح الإعلامي الذي حققته الصين في تقديم نفسها كبديل، تشير أرقام الميزانيات إلى فجوة كبيرة، حيث خصصت الولايات المتحدة حوالي 64 مليار دولار للمساعدات الخارجية غير العسكرية في عام 2024، مقارنة بـ3.6 مليارات دولار فقط خصصتها الصين للمساعدات المباشرة. المفارقة هي أن المساعدات الصينية تظل مركزة على قروض التنمية والمشروعات المشروطة بالشركات والعمالة الصينية، خلافًا للمنح الغربية التقليدية المقدمة عبر منظمات غير حكومية.

في السابق، كانت هذه المنح الصينية الصغيرة قد تمر دون انتباه، وفقًا لتقرير لوكالة بلومبيرغ، لكن مع سعي الحكومات ومنظمات الإغاثة لتعويض تراجع الدعم الأمريكي، وجدت مبادرات بكين المحدودة طريقها إلى عناوين الأخبار في أفريقيا وحول العالم، حيث تم تقديم الصين كبديل محتمل للدعم بعد انسحاب الولايات المتحدة.

ومع ذلك، تواجه الاستراتيجية الصينية الكبرى المتمثلة في مبادرة “الحزام والطريق” (التي ضخت أكثر من تريليون دولار في 150 دولة) تحديات متزايدة بعد تعثر دول مثل لاوس وباكستان وسريلانكا في سداد ديونها، والانتقادات المتعلقة بغياب تدريب الكوادر المحلية على صيانة البنية التحتية. هذه الأزمات دفعت بكين إلى تغيير نهجها نحو مشاريع “صغيرة وجميلة” أقل تكلفة وأسرع عائدًا، مع التركيز على استعادة الثقة وبناء الاحترام المتبادل، وخاصة مع الدول المدانة لها بمليارات الدولارات مثل زامبيا.

الصين لا تعتزم التخلي عن مبادرة “الحزام والطريق”، ورغم الجدل المحيط بها، لا تزال العديد من الحكومات راغبة في الانضمام إليها. وقد سجل عدد الاتفاقات التي أبرمتها بكين مع دول أخرى زيادة بعد التباطؤ الذي فرضته جائحة كورونا، ولكن الصين أدخلت بعض التغييرات على نهجها نحو المشاريع المسماة “صغيرة وجميلة” الأقل تكلفة.

الدبلوماسية الدولية تشهد تحولًا مثيرًا في تبادل الأدوار، حيث تقترب الولايات المتحدة من نموذج المعاملات النفعية المشروطة، بينما تتحرك الصين نحو استخدام نموذج المساعدات الأكثر مرونة عبر منظمات متعددة الأطراف، لتحقيق الولاءات الدولية بتكاليف أقل.