تصعيد خليجي في جدة: هجوم إماراتي على ‘الوجه الأضعف تاريخياً’ وانسحاب غير متوقع من ‘أوبك’ – بقلم شاشوف
احتضنت جدة قمة تشاورية لقادة مجلس التعاون الخليجي برئاسة ولي العهد السعودي، بهدف تنسيق المواقف لمواجهة التهديدات الإيرانية. الإمارات أعلنت انتقادات شديدة حول ‘ضعف’ الرد الجماعي، مما يظهر انقسامات داخل المجلس. في خطوة مفاجئة، انسحبت الإمارات من ‘أوبك’ خلال اضطرابات سوق الطاقة، مما زاد من التوترات الإقليمية وأثر على استقرار أسعار النفط. بينما ارتفعت الأسعار مؤقتاً، تثير هذه الأحداث مخاوف من فقدان تماسك ‘أوبك+’ وأثرها على السوق. القمة كانت خطوة أولى نحو إعادة ترتيب البيت الخليجي، لكن نجاحها يعتمد على إدارة الخلافات بين الدول الأعضاء في ظل التحديات المتزايدة.
الاقتصاد العربي | شاشوف
في وقت يتسم بالتوتر الإقليمي، استضافت جدة قمة تشاورية لقادة مجلس التعاون الخليجي، برئاسة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. وكانت هذه القمة الأولى من نوعها التي تعقد حضورياً منذ أن أصبحت دول الخليج ساحة لتداعيات الحرب على إيران، وتهدف إلى إعادة تنسيق المواقف وصياغة رد جماعي على موجة الهجمات الإيرانية التي استهدفت البنية التحتية للطاقة والمنشآت المدنية والعسكرية في دول المجلس، وُصفت بأنها من بين الأعنف في تاريخ المنطقة الحديث.
تتملك دول الخليج مخاوف من أن تنهار التهدئة بين طهران وواشنطن في أي لحظة، في ظل تعثر المفاوضات السياسية وعدم الوصول إلى اتفاق دائم ينهي الصراع أو يضمن استقرار الملاحة وأمن الطاقة في المنطقة.
لكن ما طغى على أجواء القمة كان التوترات داخل البيت الخليجي، والتي برزت من خلال الموقف الإماراتي الذي اتسم بلهجة هجومية وصريحة، وهو أمر غير معتاد في الخطاب الخليجي. بحسب متابعة “شاشوف”، وجهت أبوظبي انتقادات مباشرة لما اعتبرته بـ”ضعف” رد الفعل الجماعي لدول المجلس، مشيرةً إلى أن الدعم اللوجستي المتبادل لم يكن بمستوى التحدي سواء سياسياً أو عسكرياً.
ونقلت رويترز عن المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات أنور قرقاش، قوله إن الأداء الخليجي كان “الأضعف تاريخياً”، مما يكشف عن فجوة متزايدة في الرؤى الاستراتيجية بين دول المجلس. وقارن قرقاش بين مجلس التعاون والجامعة العربية، معرباً عن توقعه لموقف ضعيف من الأخيرة، لكنه “لا يتوقعه من مجلس التعاون”، مما يعكس خيبة أمل إماراتية من حلفائها الإقليميين.
الانسحاب من أوبك
في خطوة غير متوقعة، أعلنت الإمارات انسحابها رسمياً من منظمة “أوبك” وتحالف “أوبك+”، وهي خطوة أثرت بشكل كبير على التحالف النفطي ولقيادته السعودية، وفقاً لوكالة رويترز. جاء الانسحاب في وقت يشهد فيه سوق الطاقة العالمية اضطرابات شديدة نتيجة الحرب على إيران، مما يهدد بانعدام الوحدة بين الدول الأعضاء وقدرتها على التحكم في حصص الإنتاج والأسعار وسط الأزمات الجيوسياسية الحالية.
وفقاً لتقرير شاشوف، يمثل هذا الانسحاب انتصاراً سياسياً كبيراً للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي انتقد بصفة دائمة سياسات المنظمة. كما تعكس هذه الخطوة توتراً في العلاقات الإقليمية، حيث ربط ترامب سابقاً بين الدعم العسكري وأسعار النفط، في حين تواجه دول الخليج صعوبات في تأمين صادراتها عبر مضيق هرمز الذي يُعتبر مغلقاً فعلياً بسبب التهديدات والهجمات الإيرانية.
قرار الانسحاب أعاد ترتيب الأوضاع في سوق الطاقة وأضعف من تماسك إحدى أهم التكتلات النفطية، في وقت تعاني فيه الأسواق من اضطرابات شديدة. وهذا التزامن بين الموقف السياسي الهجومي داخل القمة الخليجية والقرار الاقتصادي بالانسحاب من المنظمة النفطية يشير إلى أن الإمارات تسعى لتغيير دورها الإقليمي.
من ناحية أخرى، وضعت هذه التطورات مجلس التعاون الخليجي في موقف صعب، إذ بات التحدي يشمل الحفاظ على تماسك المجلس الداخلي في ظل تباين الأولويات وزيادة الضغوط الخارجية.
أما على صعيد الأسواق، فقد عكست تحركات الأسعار حالة التوتر والارتباك، حيث ارتفعت أسعار النفط نتيجة لتعطل الإمدادات، متجاوزةً خام برنت مستوى 111 دولاراً للبرميل، بينما اخترق خام غرب تكساس الوسيط حاجز 100 دولار للمرة الأولى منذ أسابيع. ومع ذلك، لم تصمد هذه المكاسب بالكامل، إذ أدى إعلان انسحاب الإمارات إلى تقليص جزء من الارتفاع، مما يعني أن الأسواق بدأت تعيد تقييم توازن القوى داخل “أوبك+” وإمكانية استمرار قدرتها على إدارة السوق.
هذا التراجع الجزئي في المكاسب يعكس مخاوف المستثمرين من أن يؤدي تفكك التحالف إلى فوضى في سياسات الإنتاج، مما قد يدفع بعض الدول لزيادة إنتاجها بشكل فردي لتعويض خسائرها، وبالتالي يخلق حالة من عدم اليقين بشأن الاتجاه المستقبلي للأسعار.
ومع استمرار الغموض حول مستقبل المفاوضات الأمريكية الإيرانية، وغياب رؤية واضحة لإعادة الاستقرار إلى مضيق هرمز، تبدو القمة التشاورية في جدة كخطوة أولى في مسار طويل ومعقد لإعادة ترتيب البيت الخليجي، لكن النجاح في هذا المسار سيكون مرهوناً بقدرة الدول الأعضاء على تجاوز خلافاتها أو على الأقل إدارتها، في ظل تزايد التحديات وتقليص هامش المناورة.