تحليل لاتفاق حكومة عدن مع صندوق النقد الدولي: إصلاحات نظرية أم أعباء متزايدة على اقتصاد متعثر؟ – شاشوف
قدم صندوق النقد الدولي اتفاقاً جديداً مع حكومة عدن، واعتبره خطوة نحو استقرار الاقتصاد. ومع ذلك، يحتوي البرنامج على إجراءات قد تزيد الضغوط على المواطنين، مثل رفع الضرائب والجمارك، دون توفير تمويلات فورية. ينقص الاتفاق حلولًا للأزمات الهيكلية المتعددة كضعف الاحتياطي الأجنبي وتوقف صادرات النفط. كما تشمل الإصلاحات تقليص عجز الموازنة، لكن وفق سياسات تقشفية قد تؤدي لمزيد من تدهور الخدمات العامة. يعاني الاقتصاد اليمني المتعثر من الانقسام وسوء الإدارة، مما يثير القلق بشأن جدوى هذه الإصلاحات وقدرتها على تحسين الوضع الاقتصادي والمعيشي.
الاقتصاد اليمني | شاشوف
رغم أن صندوق النقد الدولي قد أعلن اليوم الخميس عن الاتفاق الجديد مع حكومة عدن كخطوة نحو ‘تعزيز الاستقرار الاقتصادي’ وبناء سجل للإصلاحات يمتد لـ18 شهراً، إلا أن محتوى البرنامج يكشف أنه يتضمن مجموعة واسعة من الإجراءات المالية والنقدية التي قد تزيد من الضغوط على الاقتصاد اليمني والمواطنين، دون تقديم تمويل فوري أو حلول مباشرة للأزمات الهيكلية التي تواجه البلاد.
وقد رصد ‘شاشوف’ تفاصيل الاتفاق الذي يركز على زيادة الإيرادات، وتضييق السياسة المالية، وزيادة مرونة سعر الصرف، وإصلاح قطاع الكهرباء، مقابل وعود مستقبلية لاستعادة ثقة المانحين وإعادة هيكلة الديون. بينما يعترف الصندوق ذاته باستمرار انكماش الاقتصاد للعام الخامس على التوالي، وضعف الاحتياطيات الأجنبية، واستمرار الاعتماد على الدعم الخارجي.
زيادة الضرائب والرسوم.. تكاليف جديدة يتحملها المواطن
من أبرز الإشكاليات هو تركيز البرنامج على زيادة الإيرادات المحلية من خلال تحسين تحصيل الضرائب والجمارك وربط الرسوم الجمركية بالقيمة الفعلية للواردات، بعد رفع سعر الصرف الجمركي في مايو 2026 بنسبة تجاوزت 106%، من 750 إلى 1,550 ريالاً.
ورغم أن الصندوق يقدم هذه الخطوة كإصلاح مالي، فإنها تعني عملياً زيادة تكلفة الاستيراد في بلد يعتمد على استيراد 90% من احتياجاته الأساسية من الخارج، مما سينعكس مباشرة على أسعار الغذاء والدواء والسلع الأساسية، بينما يعاني معظم السكان أصلاً من ضغوط معيشية غير مسبوقة.
وقد أظهرت الأشهر الماضية وفق تقارير ‘شاشوف’ أن رفع الدولار الجمركي أدى إلى إرباك واسع في الأسواق والأسعار، حيث لم تنجح حكومة عدن في احتواء موجة الغلاء أو حماية القوة الشرائية للمواطنين. كما أن قرار زيادة المرتبات بنسبة 20% لم يفلح في تهدئة الغضب الشعبي.
أيضاً، يستهدف البرنامج تقليص عجز الموازنة عبر ضبط الإنفاق الحكومي وزيادة الرقابة المالية، وهي سياسات عادة ما ترتبط بإجراءات تقشف تشمل تقليص الدعم وتأجيل الإنفاق التنموي وتقليل التوظيف الحكومي.
وتأتي هذه السياسات في وقت تعاني فيه الخدمات العامة أصلاً من تراجع حاد، وسط انهيار الكهرباء والمياه والخدمات الصحية والتعليمية، مما يثير مخاوف من أن تؤدي إجراءات خفض الإنفاق إلى مزيد من تدهور الخدمات الأساسية بدلاً من تحسينها.
ضغط إضافي على الريال اليمني.. ورفع تكلفة الكهرباء
من أبرز بنود البرنامج هو دعوة الصندوق لزيادة مرونة سعر الصرف، مما يسمح للريال بأداء دور أكبر في امتصاص الصدمات الخارجية. لكن في اقتصاد يعاني من شح النقد الأجنبي، وتوقف صادرات النفط، وضعف الاحتياطيات الأجنبية، قد يعني تقليل تدخل بنك عدن المركزي تعرض الريال لمزيد من الضغوط، مما يمكن أن ينعكس في ارتفاع أسعار العملات الأجنبية وبالتالي ارتفاع أسعار الواردات والتضخم.
تُشير التجربة اليمنية إلى أن أي انخفاض جديد في قيمة العملة ينعكس بسرعة على أسعار الغذاء والوقود والنقل ومختلف الخدمات، مع غياب أي زيادات موازية في الأجور أو القدرة الشرائية.
كما يتبنى البرنامج إصلاح قطاع الكهرباء من خلال خطة لزيادة ‘استرداد التكاليف’، وهو مصطلح اعتاد صندوق النقد الدولي استخدامه للإشارة إلى رفع التعرفة وتقليص الدعم الحكومي.
يأتي هذا في وقت تعاني فيه المحافظات اليمنية، وخاصة عدن، من واحدة من أسوأ أزمات الكهرباء، حيث تتكرر الانقطاعات لساعات طويلة، تتجاوز 20 ساعة يومياً، في الوقت الذي تعتمد فيه حكومة عدن على منح الوقود الخارجية لتشغيل محطات التوليد، وهو الوقود الذي لا يُعتمد عادة في دول الخليج الغنية.
بالتالي، فإن رفع تعرفة الكهرباء دون تحسين فعلي للخدمة قد يعني تحميل المواطنين أعباء مالية إضافية مقابل خدمة لا تزال تعاني من مشاكل كبيرة، ومن تهالك في نظام الكهرباء نفسه.
تجاهل للأزمات النقدية الحقيقية
رغم الحديث عن إصلاحات مالية ونقدية، فإن البرنامج لا يقدم حلولاً مباشرة للأزمات الأساسية التي يعاني منها البلاد، من ضمنها أزمة شح السيولة النقدية من العملات المحلية التي لا تزال محتجزة في البنوك والتجار، وضعف الثقة في بنك عدن المركزي، واستمرار التقسيم النقدي بين مناطق الشمال والجنوب.
كما لم يتضمن البرنامج آليات واضحة لمعالجة توقف صادرات النفط، التي تمثل المصدر الرئيسي للإيرادات الحكومية، أو تقديم حلول عملية لتعويض هذا الفقد الكبير في الموارد.
يرى المصرفي في عدن ‘سليم مبارك’ أن غياب أي تمويل مباشر يُعتبر من أبرز نقاط الضعف في الاتفاق، حيث لا يتضمن البرنامج ضخ أموال جديدة في الاقتصاد أو تقديم دعم مالي عاجل، وإنما يقتصر على برنامج مراقبة لمدة 18 شهراً يهدف لبناء سجل إصلاحي يمهد لاحقاً للحصول على تمويلات مستقبلية إذا التزمت الحكومة بتنفيذ الشروط المطلوبة.
ويضيف لـ’شاشوف’ أن معنى ذلك هو استمرار تحمل المواطنين اليمنيين وحكومة عدن كلفة الإصلاحات منذ البداية، بينما تبقى المكاسب المحتملة مؤجلة ومرهونة بموافقة المانحين والمؤسسات الدولية في المستقبل.
استمرار الارتهان للخارج
الغريب أن صندوق النقد ذاته يُقر بأن الاقتصاد اليمني سيظل معتمداً على الدعم السعودي، وتحويلات المغتربين، والمساعدات الدولية، مع بقاء احتياطيات النقد الأجنبي عند مستويات حرجة واستمرار توقف صادرات النفط، مما يعني أن البرنامج الإصلاحي الجديد رغم اتساع قائمة الإصلاحات، لا يقدم حتى الآن مساراً واضحاً لإنهاء الاعتماد على التمويل الخارجي أو إنشاء مصادر دخل مستدامة.
وعلى الجانب الآخر، ‘تجارب صندوق النقد الدولي مع الدول تقول الكثير’ وفق تصريح المحلل الاقتصادي ‘أحمد الحمادي’ في حديث لـ’شاشوف’، موضحاً أن الإجراءات المطروحة الآن تتوافق مع النمط التقليدي لبرامج الصندوق في الكثير من الدول، والتي تشمل رفع الضرائب والرسوم، تحرير الأسعار وسعر الصرف، خفض الدعم، وتضييق السياسة المالية، كشرط صارم مقابل الحصول على أي قروض مالية.
ورغم أن هذه البرامج قد تحقق في بعض الحالات مؤشرات مالية أفضل على المدى المتوسط، إلا أنها غالباً ما تؤدي خلال السنوات الأولى إلى زيادة تكاليف المعيشة، وارتفاع التضخم، وتراجع القدرة الشرائية، وزيادة الضغوط الاجتماعية، خاصة في الاقتصادات الهشة التي تفتقر إلى شبكات حماية اجتماعية فعالة.
تحديات التنفيذ
يواجه هذا البرنامج أيضاً تحديات كبيرة فيما يتعلق بقدرة حكومة عدن على تنفيذ الإصلاحات في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي، تراجع الإيرادات، ضعف مؤسسات الدولة، وتكرار الأزمات المالية والنقدية، فضلاً عن استمرار الحرب وتوقف صادرات النفط، وهي عوامل قد أعاقت تنفيذ العديد من برامج الإصلاح السابقة، كما ذكر ‘الحمادي’.
ورغم أن صندوق النقد يقدم الاتفاق كخارطة طريق لاستعادة الاستقرار الاقتصادي، فإن بنوده تدل على أن المرحلة القادمة قد تشهد مزيداً من الضغوط على المواطنين عبر ارتفاع الضرائب والرسوم، وزيادة تكاليف الكهرباء، واحتمال استمرار تراجع قيمة العملة وارتفاع الأسعار، دون توفير تمويلات عاجلة أو حلول مباشرة للأزمات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد اليمني.
في ظل التجربة السابقة لحكومة عدن مع الإصلاحات الاقتصادية، التي لم تنجح في وقف انهيار العملة أو احتواء التضخم أو تحسين الخدمات الأساسية، تبقى قدرة هذا البرنامج على تحقيق نتائج ملموسة محل تساؤلات، بينما تبدو تكلفته الاجتماعية والاقتصادية مرشحة للارتفاع قبل ظهور أي مكاسب محتملة على المدى المتوسط.