تحليل | كيف استغلت دول الخليج النزاع مع إيران لإعادة تشكيل الاقتصاد الإقليمي؟ – شاشوف


في مارس 2026، تصاعدت سحب الدخان من ميناء جبل علي في دبي نتيجة تصعيد الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، ما أكّد تحول الصراع إلى زلزال اقتصادي عالمي. تهديدات إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره خُمس إمدادات النفط، أدت إلى اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع التضخم. دول الخليج، بدلاً من البقاء سلبية، رأت في الحرب فرصة لإعادة تشكيل النظام الإقليمي وإضعاف إيران، مستخدمة الضغط على واشنطن لتحقيق أهدافها. بينما تخشى بعض الدول الخليجية انهيارًا اقتصاديًا نتيجة الحرب، فإن محور الرياض وأبوظبي يؤمن بأن سحق إيران هو شرط أساسي لضمان طموحات نموهم الاقتصادي.

تقارير | شاشوف

لم تكن سحب الدخان الكثيفة التي تصاعدت من ميناء جبل علي في دبي في مارس 2026 مجرد نتيجة عرضية لصاروخ إيراني طائش، بل كانت بمثابة إعلان واضح بأن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران قد انتقلت من المجال العسكري إلى زلزال اقتصادي عالمي.

هذه الحرب، التي تستهدف المنشآت الحيوية والممرات المائية، وضعت الاقتصاد العالمي على شفا الأزمة، خاصة مع التهديدات بإغلاق مضيق هرمز، الذي يعد شرياناً حيوياً لمرور خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال، مما أدى إلى موجات تضخمية شديدة وعطل سلاسل الإمداد الدولية في وقت كان العالم يعاني من أزمات متلاحقة.

في خضم هذا التصعيد، جاءت مهلة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإيران حتى السابع من أبريل لإعادة فتح المضيق أو مواجهة تدمير شامل لمحطاتها الكهربائية، لتزيد الأمور سوءاً. ومع ذلك، تكشف القراءة المتأنية للكواليس الدبلوماسية عن واقع مغاير؛ فدول الخليج العربي، التي غالباً ما صُورت على أنها ضحية أو متفرجة، كانت أكثر براعة وصراحة.

رأت هذه الدول في الحرب فرصة تاريخية لإعادة تشكيل النظام الإقليمي وتعطيل منافس جيوسياسي واقتصادي يستخدم الممرات المائية كوسيلة ابتزاز ضد تطلعاتها التنموية.

وفقاً لتحليل اطلع عليه “شاشوف” من وكالة رويترز، تغيرت اللغة السياسية في العواصم الخليجية الكبرى، حيث لم يعد السؤال حول “كيف نوقف هذه الحرب؟”، بل “كيف نضمن أن تخرج إيران خالية من قدراتها تماماً؟”. أدركت هذه الدول أن النمو الاقتصادي الذي تطمح إليه (مثل رؤية السعودية 2030) لن يتحقق في ظل وجود ترسانة إيرانية تعد كالمسدس الموجه نحو استثماراتها.

وبناءً على ذلك، مارست هذه العواصم ضغوطاً هادئة ولكنها فعالة على واشنطن، مصممة على أن مجرد وقف إطلاق النار هو “تسوية مؤقتة”، وأن المطلوب هو الاستفادة من القوة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية لتدمير البنية التحتية الإيرانية بشكل نهائي، وفق تحليل رويترز.

الاقتصاد كساحة معركة: طموحات ما بعد تدمير الترسانة

بالرغم من الأعباء الاقتصادية التي تتكبدها دول الخليج نتيجة توقف حركة السفر وارتفاع تكاليف التأمين البحري، فإن صانعي القرار الخليجي يتعاملون مع هذه الخسائر كاستثمار تكتيكي قصير الأجل.

الهدف الاستراتيجي هو حرمان طهران من قدرتها على استخدام الجغرافيا والاقتصاد كأدوات ضغط. وقد أخبرت العواصم الخليجية المؤثرة الإدارة الأمريكية صراحة أنها لن تقبل العودة إلى التحجيم الأول، حيث يتمتع النظام الإيراني بالقدرة على خنق أسواق الطاقة العالمية حسب رغبته، مطالبةً بفرض قيود صارمة وموثوقة دولياً تمنع طهران من تهديد خطوط الملاحة من جديد.

هذا الموقف البراغماتي يتجلى في وعي خليجي عميق بأوجه قصور الاتفاقيات السابقة. ففي عام 2015، راقبت الدول الخليجية بقلق كيف ركز المجتمع الدولي على البرنامج النووي الإيراني، مما منح طهران الفرصة لتطوير برامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة التي استُخدمت لاحقاً للقيام بعمليات ضد الاقتصادات الخليجية.

إذاً، يدرك قادة الخليج أن التدخل العسكري الأمريكي الإسرائيلي هو “اجراء معقد لكنه ضروري” للقضاء على هذا التهديد الذي يعترض سيل الاستثمارات الأجنبية ويعرقل خطط التنويع الاقتصادي.

عبّرت الشخصيات الدبلوماسية الخليجية عن هذا الموقف بشكل غير معتاد؛ حيث لم تطلب المسؤولون مثل السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة ومستشار الرئيس الإماراتي أنور قرقاش الرحمة أو التهدئة المطلقة، بل طالبوا بـ”تسوية حاسمة” تتناول سلسلة التهديدات الإيرانية. يعكس هذا التوجه قراراً سيادياً مفاده أن أي ترتيبات إقليمية مقبلة يجب أن تُحكم بشروط المنتصر الاقتصادي، وأن تُحرم إيران من أي قدرات عسكرية أو فصائل مسلحة قد تستخدمها لتعطيل النمو الخليجي مستقبلاً.

انقسام البيت الخليجي: فاتورة التصعيد وتضارب المصالح

وعلى الرغم من هذا الاتجاه القوي، يشير تحليل رويترز إلى أن النظرة الاقتصادية للحرب أدت إلى تصدع واضح داخل مجلس التعاون الخليجي بناءً على القدرة على تحمل الأضرار الاقتصادية. فدول مثل سلطنة عمان، الكويت وقطر، والتي تعتمد على استقرار الممرات البحرية أو تمتلك حقول غاز مشتركة مع إيران، تسعى لتهدئة الوضع بأسرع ما يمكن.

هذه الدول، وفقاً لتقدير “شاشوف”، تخشى أن يؤدي استمرار النزاع إلى انهيار اقتصادي إقليمي يصعب السيطرة عليه، وتفضل العودة إلى الدبلوماسية واحتواء إيران اقتصاديًا بدلاً من القضاء عليها عسكريًا.

من ناحية أخرى، تتبنى الرياض وأبوظبي والمنامة موقفاً أكثر صلابة ومخاطرة. فهذه الدول، التي تمتلك احتياطات مالية ضخمة وقدرات على مواجهة الضغوط، مستعدة لتحمل أي رد فعل عسكري إيراني مباشر، كما حدث في ميناء جبل علي، باعتبار ذلك “ضريبة ضرورية” لتحقيق الأمن الاستراتيجي على المدى الطويل. ترى هذه الدول في إيران عقبة بنيوية تحول دون دمج المنطقة في الاقتصاد العالمي، ولذلك فهي تستفيد من الزخم العسكري الحالي للضغط على واشنطن لإنهاء الأزمة وعدم القبول بحلول جزئية.

يتجلى هذا الاستخدام الاستراتيجي للأزمة في كيفية تحول التهديد الإيراني لفرصة لتحقيق مكاسب مع الحليف الأمريكي. فلم تعد دول الخليج تكتفي بشراء الأسلحة، بل تستخدم الآثار الجيوسياسية لهذه الحرب لإلزام واشنطن بإبرام اتفاقيات دفاعية ملزمة وشراكات أمنية مؤسسية لا تتغير بتغير الإدارات في البيت الأبيض.

وتحولت الخطوات الإيرانية الخاطئة، كما يراها صانع القرار الخليجي، إلى فرصة مثالية لربط الأمن الاقتصادي للخليج بالأمن القومي الأمريكي بشكل متداخل.

خطوط حمراء براغماتية: السيطرة على “خارج” ولعبة حافة الهاوية

“الشراكة غير البريئة” في دفع واشنطن لقمع طهران، لا تعني منح تفويض مفتوح لأمريكا للدخول في نزاعات شاملة. فالتقارير الاستخباراتية، التي تعكس اطلاع “شاشوف”، أشارت إلى أن ترامب ينظر في إمكانية إرسال قوات برية للسيطرة على جزيرة “خارج” حيث تمر 90% من صادرات النفط الإيراني، مما أثار القلق في العواصم الخليجية.

السيطرة على هذه الجزيرة تعني خنق طهران اقتصادياً بالكامل، وهو سيناريو سيدفع طهران إلى تفعيل عقيدة “الدمار المتبادل” وتهديد البنى التحتية النفطية والمدنية في الخليج بشكل هيستيري.

هنا تظهر البراغماتية الخليجية في أجمل صورها؛ فهم يمارسون سياسة توجيه الضربات من الخلف. نقل المسؤولون الخليجيون تحذيرات صارمة لواشنطن برفض أي تدخل بري أو احتلال لجزيرة “خارج”، مدركين أن إزاحة النظام الإيراني اقتصادياً ستكون لها تداعيات متتالية. لذا، فإنهم لا يتمنون ظهور دولة إيرانية منهارة بالكامل، بل يفضلون دولة ضعيفة ومُسيطَر عليها اقتصاديًا وغير قادرة عسكريًا.

بناءً على ذلك، تحدد دول الخليج “بنك الأهداف” الذي ترغب في تدميره: التركيز على تدمير منصات إطلاق الصواريخ الباليستية، مصانع الطائرات المسيرة، وقواعد الزوارق السريعة. هم يوجهون رسالة للإدارة الأمريكية بأن تفكيك القوة الهجومية الإيرانية هو الرد الأمثل لضمان أمن الملاحة العالمية واستقرار أسعار الطاقة، تاركين للاقتصاد الإيراني فرصة النزيف البطيء تحت وطأة العقوبات، دون الوصول إلى نقطة الانفجار التي قد تلحق الأذى بالجميع.

في نهاية المطاف، برهنت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران أن السياسة في الشرق الأوسط لا تعرف الثنائية المطلقة. دول الخليج، بقدرتها النفطية والمالية، لم تكن مجرد قطع شطرنج، بل كانت لاعباً رئيسياً حركت قطعها لتحقيق مصالحها.

استخدمت هذه الدول مظلة القوة الأمريكية كأداة لتحطيم القدرات الاستراتيجية لعدوها اللدود، مستعدة لدفع ثمن مؤقت من أجل تأمين مستقبلها وخططها الكبرى.


تم نسخ الرابط