بين التأجيل والإهمال.. كيف تحولت مئات الميجاوات الموعودة إلى مشكلة مستدامة في الكهرباء بعدن؟ – شاشوف


تعاني عدن من أزمة حادة في الكهرباء، تعكس الفجوة بين القدرة التصميمية والممارسة الفعلية. رغم إنشاء محطة الرئيس بقدرة 264 ميجاوات، إلا أنها تعمل بطاقتها القصوى فقط بسبب اعتماده على النفط الخام وظهور مشكلات supply chain. المحطة القطرية المجاورة توقفت منذ ثلاث سنوات لصيانة طويلة، مما أدى إلى فقدان جزء كبير من القدرة الإنتاجية. يبرز الصحفي فتحي بن لزرق أهمية استعادة هذه القدرات لتحسين الوضع الكهربائي. خبراء يشيرون إلى الاعتماد على الوقود المكلف كعائق، مؤكدين أن الاستفادة من المشاريع القائمة قد تخفف الأزمة.

الاقتصاد اليمني | شاشوف

على مر السنوات، أصبحت أزمة الكهرباء في عدن مثالاً واضحاً للفجوة بين القدرة التصميمية المعلنة والواقع التشغيلي الفعلي. في وقت تزداد فيه معاناة المواطنين نتيجة للانقطاعات المتكررة وارتفاع درجات الحرارة، تتجدد التساؤلات حول مصير مئات الميجاوات التي كان يُفترض أن تُحدث تغييراً جذرياً في منظومة الكهرباء بالمدينة.

تم إنشاء محطة الرئيس في عدن كأحد أكبر مشاريع التوليد الكهربائي في اليمن. وفقاً لمتحدث وزارة الكهرباء بحكومة عدن، محمد المسبحي، فإن المحطة تضم توربينين من شركة ‘جنرال إلكتريك’ بقدرة إجمالية تصل إلى 264 ميجاوات، إلى جانب المحطة القطرية المجاورة بقدرة 60 ميجاوات، ليصل إجمالي القدرة التصميمية للمشروعين إلى نحو 324 ميجاوات، وهي كمية كان يُفترض أن تسهم بشكل كبير في استقرار خدمة الكهرباء في المدينة.

لكن السنوات اللاحقة اتخذت مساراً مختلفاً، حيث خرجت المحطة القطرية من الخدمة، وتم إرسال توربيناتها إلى الخارج للصيانة منذ أكثر من ثلاث سنوات، ولم تعد حتى الآن. ويصف المسبحي هذا التأخير بأنه يثير ‘تساؤلات مشروعة’ حول أسباب بقاء المعدات خارج البلاد لهذه المدة ومن يتحمل المسؤولية.

وفي هذا السياق، لم تتمكن محطة الرئيس من العمل بكامل طاقتها التصميمية، حيث تم الاعتماد على النفط الخام لتشغيلها وسط صعوبات تتعلق بالإمدادات وتكاليف النقل والتشغيل. ونتيجة لذلك، اقتصر التشغيل على توربين واحد ينتج نحو 90 ميجاوات فقط، بينما بقيت بقية القدرة الإنتاجية غير مُستفاد منها على الرغم من الاستثمارات الكبيرة التي أُنفقت على المشروع.

الصحفي فتحي بن لزرق، رئيس تحرير صحيفة عدن الغد، أعاد فتح القضية من منظور آخر، مستعرضاً قصة المنحة القطرية التي وصلت إلى عدن عام 2017. وحسب روايته، كانت المحطة القطرية تمثل المرحلة الأولى من مشروع متكامل مدعوم من قطر بقدرة إجمالية تصل إلى 280 ميجاوات، بينما بلغت القدرة التشغيلية للمرحلة المنجزة 60 ميجاوات.

ويقول بن لزرق إن المحطة تعطلت بعد فترة وجيزة من تشغيلها، مما استدعى شحن المولدات إلى هولندا للصيانة، وهو ما تم في مايو 2023 بعد جهود طويلة، لكن المولدات ما تزال هناك حتى الآن، على الرغم من جاهزيتها للعودة إلى عدن بعد الصيانة.

ويربط بن لزرق بين إعادة تشغيل المحطة واستكمال بقية المنحة القطرية البالغة 220 ميجاوات، معتبراً أن استمرار التأخير حرمت المدينة من فرصة كانت كفيلة بتخفيف جزء كبير من أزمة الكهرباء، خصوصاً في ظل الاحتياج المتزايد للطاقة وتفاقم الأزمة.

تكشف الروايتان، رغم اختلاف بعض التفاصيل، عن حقيقة واحدة تتمثل في وجود فجوة كبيرة بين ما تمتلكه عدن من قدرات توليدية نظرياً وما يصل فعلياً إلى الشبكة الكهربائية. فالمواطن، الذي يواجه ساعات طويلة من الانقطاع، لا يعنيه حجم الاستثمارات أو عدد المشاريع المعلنة بقدر ما يعنيه كمية الكهرباء التي تصل إلى منزله يومياً.

تمتد المشكلة من إنشاء المحطات إلى إدارة الأصول القائمة وصيانتها وتأمين الوقود اللازم لتشغيلها. فمحطة قادرة على إنتاج عشرات أو مئات الميجاوات لا تمثل قيمة حقيقية إذا ظلت متوقفة أو تعمل بجزء محدود من طاقتها.

وفي تعليق لمرصد ‘شاشوف’، يقول المحلل الاقتصادي ‘أحمد الحمادي’ إن هناك معضلة قائمة تتمثل في الاعتماد المستمر على النفط الخام والديزل لتشغيل المحطات الكبيرة، وهو ما يضغط بشكل كبير على منظومة الكهرباء وسط تقلبات الإمدادات وارتفاع تكاليف التشغيل. ويشير إلى أن دولاً غنية كدول الخليج لم تعد تلجأ لتشغيل هذه المحطات بهذا الوقود المكلف، وبات الغاز الطبيعي شرطاً لا خياراً.

ويتابع بقوله إن الحديث عن إمكانية استعادة 60 ميجاوات من المحطة القطرية واستكمال مشروع يبلغ إجماله 280 ميجاوات، إذا ثبتت صحة هذه التقديرات، يعني أن جزءاً من أزمة الكهرباء في عدن مرتبط بعدم الاستفادة الكاملة من مشاريع قائمة وممولة بالفعل، وليس مرتبطاً فقط بنقص المشاريع الجديدة.

وهنا يُطرح التساؤل الجوهري: متى تتحول هذه القدرات المعطلة إلى طاقة حقيقية على الأرض؟