بينما تواجه الأسواق ضغوطات… كيف استعادت آسيا توازنها بعد الحرب؟ – شاشوف


تشهد الاقتصادات الآسيوية مرحلة إعادة تموضع بعد الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران، مما أثر على حركة التجارة والطاقة عبر مضيق هرمز. رغم تحسن الملاحة، لا تزال تكاليف الشحن مرتفعة، والدولار القوي يؤثر سلبًا على العملات الآسيوية. تواصل البنوك المركزية مواجهة تحديات التضخم وقوة الدولار، بينما تشير التقارير إلى ارتفاع واردات الغاز الطبيعي الأمريكي من قبل الهند. وفي جنوب شرق آسيا، تواجه الدول مخاطر مرتبطة بظاهرة ‘إل نينيو’. بالمقابل، يبقى قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي محركًا رئيسيًا للنمو، مع توقعات بأن تستمر هذه الاتجاهات حتى 2026.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

تشهد الاقتصادات الآسيوية مرحلة إعادة تموضع بعد التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث بدأت الأثر الإيجابي للهدنة ينعكس تدريجياً على التجارة والطاقة عبر مضيق هرمز. ولا تزال تداعيات الحرب تؤثر على تكاليف الشحن وأسعار الطاقة والسياسات النقدية وأسواق المال في القارة.

تشير التقارير التي تتابعها “شاشوف”، بما في ذلك المنشورة لدى وكالة “بلومبيرغ”، إلى أن منطقة آسيا تواجه مجموعة معقدة من التحديات تتضمن التضخم وقوة الدولار والتقلبات الجيوسياسية ومخاطر المناخ، بينما يستمر الزخم الذي يوفره قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

بدأت مؤشرات التعافي بالظهور في مضيق هرمز بعد تراجع المواجهة الأمريكية الإيرانية، حيث عبرت سفينتان هنديتان المضيق لأول مرة منذ فبراير الماضي. بينما لا تزال نحو 10 سفن ترفع العلم الهندي بانتظار العبور، وأكدت الهند التزامها بشراء الطاقة من المصادر الأقل تكلفة، في ظل اعتمادها الكبير على الواردات النفطية لتلبية معظم احتياجاتها.

في كوريا الجنوبية، ارتفع عدد السفن التي عبرت المضيق بأمان منذ الاتفاق الأمريكي الإيراني إلى 6 سفن، بعد مغادرة 4 سفن إضافية. كما لا تزال 18 سفينة مرتبطة بكوريا داخل المنطقة، بما في ذلك ناقلة نفط خام عملاقة جداً.

على الرغم من تحسن حركة الملاحة، إلا أن تكاليف الشحن لا تزال مرتفعة بشكل ملحوظ. فقد ذكرت بلومبيرغ أن ناقلة نفط عملاقة جداً استأجرتها شركة “سينوكور” الكورية الجنوبية لنقل النفط من الخليج إلى الهند تم حجزها بأسعار تزيد بنحو 800% عن السعر الأساسي وفق مقياس “وورلد سكيل”، وهو أعلى مستوى منذ بداية عام 2026، وسط استمرار نقص السفن الفارغة المتاحة في المنطقة.

كما دفعت الاضطرابات في إمدادات النفط من الشرق الأوسط الهند إلى زيادة وارداتها من غاز البترول المسال الأمريكي، مع توقعات بأن تتجاوز الواردات مليون طن خلال يونيو الجاري، وهو مستوى قياسي. كانت الهند تعتمد قبل الحرب على منتجي غرب آسيا لتوفير نحو 90% من احتياجاتها الشهرية البالغة مليوني طن، بينما تراجعت الواردات إلى 696 ألف طن في أبريل قبل أن ترتفع مجدداً إلى 1.15 مليون طن في مايو.

أما في الفلبين، فقد أكدت وزارة الطاقة أن أمن الطاقة يصبح محوراً أساسياً في الاستراتيجية الاقتصادية للحكومة، مع تعزيز خطط الطوارئ النفطية والغازية لمواجهة أي اضطرابات مستقبلية في الأسواق العالمية. بينما تشير توقعات تايلاند إلى بقاء أسعار الطاقة المحرك الرئيسي للتضخم خلال النصف الثاني من العام، مع توقع متوسط سعر خام برنت عند 85 دولاراً للبرميل خلال 2026.

البنوك المركزية تواجه معضلة التضخم والدولار

تواصل البنوك المركزية الآسيوية إعادة تقييم سياساتها النقدية في ظل استمرار الضغوط التضخمية وقوة الدولار الأمريكي.

في اليابان، أظهر محضر اجتماع بنك اليابان تأييد عدد من أعضاء مجلس الإدارة لمواصلة رفع أسعار الفائدة بعد زيادتها الأسبوع الماضي إلى 1%، وهو أعلى مستوى منذ عام 1995. فيما يرى أحد الأعضاء أن سعر الفائدة المحايد قد يدور حول 2%. كما أظهر استطلاع اطلعت عليه شاشوف لبلومبيرغ أن نحو 90% من الاقتصاديين يتوقعون زيادة جديدة قبل نهاية العام.

في كوريا الجنوبية، أبقى البنك المركزي سعر الفائدة عند 2.5% مع التحذير من مخاطر ارتفاع أسعار المنازل والديون الأسرية والاستثمارات القائمة على الاقتراض، مؤكداً أن الحاجة إلى مزيد من التشديد النقدي ما تزال قائمة.

أما في أستراليا، فقد ارتفع التضخم الأساسي إلى 3.6% خلال مايو متجاوزاً التوقعات البالغة 3.5%، بينما بلغ التضخم العام 4%، وهو ما يعزز احتمالات استمرار السياسة النقدية المتشددة وعدم الاتجاه نحو التيسير النقدي في الوقت الراهن.

على العكس، تمكنت سنغافورة من احتواء الضغوط التضخمية نسبياً، إذ استقر التضخم الأساسي عند 1.4% والعام عند 1.8% خلال مايو، ما يقلل الحاجة إلى تشديد إضافي للسياسة النقدية في المدى القريب.

في الهند، رفض محافظ البنك المركزي الهندي التكهُّن بمسار أسعار الفائدة، مشيراً إلى استمرار الضبابية المرتبطة بالهدنة الأمريكية الإيرانية. وقد انخفضت عوائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات إلى 6.85% حسب مراجعة شاشوف، بينما تراجعت الروبية بنسبة 0.1% إلى 94.85 روبية للدولار.

تعافٍ حذر في الأسواق المالية

تحركت الأسواق الآسيوية في نطاقات متباينة مع تراجع التوترات الجيوسياسية من جهة واستمرار القلق بشأن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي من جهة أخرى.

تصدّرت كوريا الجنوبية الأداء، حيث ارتفع مؤشر “كوسبي” بنسبة 2.2% مستعيداً جزءاً من خسائره السابقة التي بلغت نحو 10% في أكبر تراجع يومي منذ مارس، غير أن المعنويات تعرضت لضغوط بعد قرار “إم إس سي آي” الإبقاء على كوريا الجنوبية ضمن فئة الأسواق الناشئة وعدم البدء في مراجعة ترقيتها إلى الأسواق المتقدمة.

في اليابان، تراجع مؤشر “نيكاي 225” بنسبة 0.8% وانخفض “توبيكس” بنسبة 0.4% مع تنامي توقعات التشديد النقدي. بينما ارتفع مؤشر “إيه إس إكس 200” الأسترالي بنسبة 0.24%.

أما في الصين، فاستقر مؤشر “سي إس آي 300″، بينما تراجع مؤشر “شنغهاي المركب” بنسبة 0.4%، واستقر “هانغ سنغ” في هونغ كونغ، في حين قفز مؤشر تايوان المرجح بنسبة 2.75% ليسجل مستوى قياسياً جديداً بدعم من أسهم الزجاج والبلاستيك والكيماويات.

ورصدت شاشوف توقعات لوكالة “إس آند بي غلوبال ريتينغز” باستمرار تفوق الاقتصادات الآسيوية المرتبطة بصناعة الذكاء الاصطناعي خلال 2026، مشيرة إلى أن صادرات التكنولوجيا تدعم أداء كوريا الجنوبية وتايوان وفيتنام وسنغافورة والصين وماليزيا وتايلاند واليابان. كما ارتفعت أسعار الصادرات المقومة بالدولار بنسبة 31.6% في كوريا الجنوبية و17.4% في تايوان خلال أبريل.

الدولار القوي يضغط على العملات الآسيوية

استمر الدولار الأمريكي في فرض ضغوط واسعة على العملات الآسيوية مع تزايد الرهانات على استمرار التشدد النقدي الأمريكي.

ارتفع مؤشر بلومبيرغ للدولار الفوري بنسبة 0.1% إلى 101.48 نقطة، بينما تراجع الوون الكوري الجنوبي 0.5% إلى 1539.9 وون للدولار. كما انخفض اليوان الصيني المحلي والخارجي بنسبة 0.2% لكل منهما، في حين بقي الين الياباني قرب 161.6 ين للدولار، وهو من أضعف المستويات منذ عقود.

كما تراجع الدولار التايواني بنسبة 0.1%، بينما انخفض البات التايلاندي بنسبة 0.6% أمام العملة الأمريكية. بينما استقر الدولار الأسترالي تقريباً دون تغير.

في الصين، حدد بنك الشعب الصيني السعر المرجعي لليوان عند 6.8195 يوان للدولار مقارنة بـ6.8171 يوان في الجلسة السابقة، ليسجل رابع تراجع متتالٍ في السعر المرجعي. أما في ماليزيا، فقد ساعدت إجراءات إعادة التدفقات المالية إلى البلاد في تقليص خسائر الرينغيت إلى مستوى 4.1420 رينغيت للدولار، رغم بقائه العملة الأسوأ أداءً في آسيا خلال يونيو بتراجع بلغ 4.3%.

“إل نينيو” يهدد الزراعة والطاقة في جنوب شرق آسيا

بالتزامن مع تداعيات الحرب، تواجه دول جنوب شرق آسيا مخاطر متزايدة مرتبطة بظاهرة “إل نينيو”. فقد رفع معهد سنغافورة للشؤون الدولية مستوى مخاطر الضباب الدخاني الشديد إلى “مرتفع” للمرة الأولى منذ عام 2023 حسب قراءة شاشوف، متوقعاً بلوغ الذروة بين أغسطس وسبتمبر في سنغافورة وإندونيسيا وماليزيا وبروناي.

يشير المعهد إلى أن ارتفاع درجات الحرارة وتراجع هطول الأمطار قد يجعل الأشهر المتبقية من العام من بين الأكثر حرارة وجفافاً على الإطلاق، مما يزيد احتمالات اندلاع حرائق واسعة النطاق. كما تتوقع الهيئات المناخية العالمية احتمالاً لا يقل عن 70% لجلوس أجزاء واسعة من إندونيسيا وماليزيا ضمن أدنى 20% من مستوياتها التاريخية حتى أكتوبر المقبل.

ويتزامن ذلك مع وصول عدد بؤر الحرائق في مناطق إنتاج زيت النخيل إلى أعلى مستوى خلال سبع سنوات، بينما حذرت فيتنام من أن الظواهر المناخية المتطرفة قد تمثل أحد أكبر التحديات أمام القطاع الزراعي خلال النصف الثاني من العام. ورغم ذلك، تستهدف هانوي تحقيق إيرادات من الصادرات الزراعية تتراوح بين 73 و74 مليار دولار خلال 2026، بعد نمو الصادرات الزراعية والحراجية والسمكية بنسبة 9.2% لتصل إلى 30.69 مليار دولار بنهاية يونيو.

تطورات اقتصادية بارزة في آسيا

سجلت الصين تراجعاً في معدلات تشغيل مصافي التكرير المستقلة إلى 50.5%، وهو أدنى مستوى خلال تسع سنوات، نتيجة ارتفاع تكاليف النفط الخام وضعف الطلب المحلي وتأثيرات الحرب الإيرانية. كما أكد بنك الشعب الصيني أن خفض أسعار الفائدة ما يزال خياراً مطروحاً خلال 2026.

في سنغافورة، شاركت شركة تابعة لصندوق “تيماسيك” السيادي وجهاز الاستثمار العُماني في تمويل ائتماني خاص بقيمة 255 مليون دولار لصالح شركة “فينبيرل” التابعة لمجموعة “فين غروب”.

أما في اليابان، فقد تجاوزت إصدارات السندات الدولية للشركات 8 مليارات دولار خلال أول يومين من الأسبوع، منها 3.5 مليارات دولار لشركة “نومورا هولدينغز” ومليار دولار لشركة “سوني غروب”.

وفي إندونيسيا، دعا المجلس الوطني للطاقة إلى توسيع الاعتماد على الطاقة النووية لتلبية متطلبات النمو الاقتصادي، رغم أن نسبة التأييد الشعبي لهذه التقنية لا تتجاوز 39%. كما أقرت الحكومة الإندونيسية حماية قانونية وضريبية لمشتري سندات صندوق الثروة السيادي “داناتارا” بهدف تشجيع إعادة الأموال إلى البلاد.

بوجه عام، تكشف التطورات الآسيوية أن الهدنة الأمريكية الإيرانية خففت من مخاطر الإمدادات وسمحت بعودة تدريجية للملاحة في مضيق هرمز، لكنها لم تُنهِ آثار الحرب بالكامل. فلا تزال تكاليف الشحن مرتفعة، والدولار القوي يضغط على العملات، والتضخم يفرض نفسه على قرارات البنوك المركزية، بينما تبرز ظاهرة “إل نينيو” كتهديد جديد للزراعة والطاقة. مقابل ذلك، يستمر كل من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بلعب دور المحرك الرئيسي للنمو في عدد من الاقتصادات الآسيوية خلال عام 2026.