بلومبيرغ تعرض سيناريوهات الكارثة التي تهدد النفط والتجارة العالمية في حال إغلاق باب المندب – شاشوف
تتصاعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، مما يهدد التجارة العالمية. تعطيل مضيق هرمز قد يرفع تكاليف الطاقة ويعطل سلاسل الإمداد. البحر الأحمر أصبح مركزًا للصراع، مع الحوثيين الذين يحملون ترسانة متطورة من الأسلحة ويتعهدون بفتح ‘جبهة جديدة’. أي إغلاق لمضيق باب المندب سيؤدي إلى كوارث لوجستية ترفع تكلفة الشحن وتعزز التضخم. كما يشكل البحر الأحمر خط أنابيب حياة للطاقة العالمية، ومع تفاقم الأوضاع، يصبح الأمن البحري الدولي مهددًا، مما يستدعي تغييرات استراتيجية في البحرية الغربية. الحوثيون يتقبلون الانخراط الحذر لتجنب تصعيد يضر بالبنية التحتية.
تقارير | شاشوف
مع تصاعد النزاع الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران، تتراقص الأسواق العالمية في حالة من القلق انتظاراً لمعرفة مصير صراعات الممرات المائية. فإن التعطيلات الكبيرة في مضيق هرمز قد أحدثت بالفعل أمواجاً من الصدمة عبر سلاسل إمداد الطاقة، مما اضطر العالم إلى البحث عن بدائل آمنة.
وفقاً لتقرير اطلع عليه “شاشوف” من وكالة “بلومبيرغ”، فإن البحر الأحمر، الذي كان تاريخياً بمثابة درع حماية لصادرات النفط السعودي نحو آسيا، يقف حالياً في مركز العاصفة، مما يهدد بتحويل هذا النزاع الإقليمي إلى كارثة اقتصادية عالمية شاملة.
يتواجد الحوثيون، بترسانتهم المعززة وجرأتهم الميدانية، عند حافة هذا النزاع المتصاعد. فبعد عامين من المناوشات واستهداف حركة الملاحة، يمثل إطلاق الجماعة لصواريخ نحو إسرائيل في أواخر مارس 2026 تحولاً نوعياً خطيراً في قواعد الاشتباك. إعلانهم الصريح بفتح “جبهة جديدة” تضامناً مع طهران يثير القلق من وجود استراتيجية منسقة لمحاصرة أهم الممرات المائية الحيوية في العالم في آنٍ واحد، في تكتيك يُعرف عسكرياً بـ”الخنق المزدوج”.
إذا ما تم إغلاق مضيق باب المندب بالكامل بالتزامن مع شلل مضيق هرمز، فإن الاقتصاد العالمي سيواجه كابوساً لوجستياً غير مسبوق، بحسب ما ذكرته “شاشوف”. نحن لا نتحدث هنا عن تأخير في التوصيلات فحسب، بل عن انهيارات هيكلية في سلاسل التوريد، وزيادات جنونية في تكاليف التأمين البحري، وأزمة طاقة قد تتجاوز في قسوتها صدمات السبعينيات.
وتتجاوز المخاطر الحالية حدود الشرق الأوسط لتؤثر مباشرة على الشرايين الحيوية للتجارة الدولية واستقرار الأسواق العالمية.
ترسانة الحوثيين الجبلية وعقدة الردع العسكري
لم تعد الآلة العسكرية للحوثيين مجرد تسليح لميليشيا محلية، بل تطورت لتصبح قوة بحرية غير متكافئة بالغ الشراسة. واستناداً إلى تقييمات واقعية تابعتها “شاشوف” من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، تمتلك الجماعة اليوم مجموعة معقدة من الصواريخ الباليستية المضادة للسفن، والطائرات المسيرة الانتحارية، والزوارق السطحية غير المأهولة. هذه الأسلحة، التي تم اختبارها وتطويرها خلال اشتباكات البحر الأحمر بين عامي 2023 و2025، أصبحت الآن جاهزة لتنفيذ مواجهة إقليمية أوسع نطاقاً.
تمنح الطبيعة الجغرافية للسواحل اليمنية الغربية الحوثيين ميزة تكتيكية استثنائية. فالجبال الوعرة والتضاريس المعقدة توفر حصوناً طبيعية لمنصات إطلاق الصواريخ المتحركة، مما يجعل الضربات الاستباقية من قبل الطيران الأمريكي والإسرائيلي صعبة للغاية.
كما أشار تحليل معمق لوكالة “بلومبيرغ”، فإنه رغم سنوات من القصف الجوي المتبادل واغتيال عدد من القادة الميدانيين، أثبتت الجماعة قدرة مقلقة على امتصاص الضربات، وإعادة تنظيم صفوفها، والاحتفاظ بالسيطرة على شريط ساحلي استراتيجي يشمل ميناء الحديدة الحيوي.
وعلاوة على ذلك، أثبتت محاولات قطع خطوط الإمداد العسكري عن الجماعة فشلها الذريع. فقد وثقت تقارير خبراء الأمم المتحدة مراراً وتكراراً أنه رغم الدعم الإيراني المباشر، نجح الحوثيون في توطين صناعة وتجميع الأسلحة المتقدمة. من خلال استغلال شبكات التهريب القبلية المعقدة، ومسارات السوق السوداء الممتدة عبر القرن الأفريقي، واستيراد مكونات تجارية ذات استخدام مزدوج من أسواق مثل الصين، ضمنت الجماعة تدفقاً مستمراً للعتاد العسكري على الرغم من الحصار البحري التقليدي.
شريان التجارة والنفط في عين العاصفة
لغة الأرقام في مضيق باب المندب تكشف عن حجم الكارثة المحتملة. فالمضيق الذي كان يمر عبره نحو 9% من إجمالي التجارة البحرية العالمية، وما يقرب من 20% من حركة الحاويات الدولية، يمثل شرياناً تجارياً تتجاوز قيمته تريليوني دولار سنوياً. ومع تصاعد التهديدات، انخفضت حركة المرور اليومية من 75 سفينة إلى نحو 33 سفينة حسب اطلاع “شاشوف”، لكن الدخول في حرب شاملة اليوم يعني الإغلاق التام لأقصر طريق بحري يربط بين مصانع آسيا وأسواق أوروبا.
يتمثل البديل الإجباري في طريق رأس الرجاء الصالح، وهو مسار شاق يضيف آلاف الأميال البحرية، ويرفع زمن الرحلة بنسبة تتجاوز 25%، ويكبد ملايين الدولارات الإضافية كوقود لكل رحلة. وتفيد بيانات مؤشرات الشحن العالمية، مثل “فريتوس” (Freightos)، أن هذا التحويل لا يؤدي فقط إلى مضاعفة أسعار الشحن الفوري، بل يخلق اختناقات متسلسلة في الموانئ الأوروبية والأفريقية. وعلى ضوء أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب التي بلغت مستويات فلكية، يصبح التضخم المستورد في أسعار السلع الاستهلاكية واقعة حتمية تهدد الاقتصادات الكبرى.
الأهم من ذلك، أن البحر الأحمر يشكل طوق النجاة الأخير لأسواق الطاقة العالمية في ظل هذه الحرب. فمع تعطل مضيق هرمز، أصبح خط الأنابيب السعودي (شرق-غرب) الذي ينقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر شريان الحياة الوحيد، حيث كان ينقل نحو 70% من صادرات المملكة. غير أن هذه الناقلات تضطر للإبحار جنوباً عبر باب المندب للوصول إلى المشترين في آسيا. وأي تصعيد حوثي هنا سيؤدي إلى احتجاز ملايين البراميل من الخام السعودي، وحتى الخام الروسي المتجه لآسيا، مما سيخنق المعروض العالمي ويدفع بأسعار النفط إلى مستويات قياسية غير مسبوقة.
الحسابات الإقليمية ومسارات التصعيد المحتملة
على الرغم من التحالف الأيديولوجي الوثيق مع طهران، فإن قرارات الحوثيين ليست خالية من حسابات براغماتية معقدة في الداخل اليمني. الانخراط في حرب إقليمية واسعة يتطلب من قيادة حكومة صنعاء تبريراً قوياً أمام حاضنتها الشعبية، وتسويق المعركة على أنها ضرورة دفاعية، بحسب التحليلات، في وقت تدرك فيه القيادة أن هذا التصعيد قد يجلب دماراً ساحقاً لبنيتهم التحتية المتآكلة.
يشكل التوازن الدقيق مع المملكة العربية السعودية عاملاً حاسماً في رسم سيناريوهات التصعيد. فمنذ الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة في عام 2022، نجحت الرياض في تجميد جبهتها الجنوبية تقريباً. وترجح دوائر صنع القرار ومراكز الاستشارات الجيوسياسية، مثل مجموعة “أوراسيا”، أن الحوثيين، ورغم حاجتهم لإثبات ولائهم لمحور طهران، سيسعون لتنسيق هجماتهم البحرية بشكل دقيق لتجنب استهداف المنشآت النفطية السعودية، حرصاً منهم على إبقاء خطوط التهدئة مفتوحة مع جارتهم الخليجية.
على الصعيد الدولي، تواجه القوات البحرية الغربية اختباراً صعباً في تاريخها الحديث. إن التحالفات البحرية السابقة، بدءاً من عملية “حارس الازدهار” التي قادتها واشنطن، وصولاً إلى مهمة “أسبيدس” الأوروبية، نجحت في تقديم حماية تكتيكية محدودة، لكنها لم تحقق ردعاً استراتيجياً شاملاً.
في سيناريو الحرب الإقليمية المفتوحة، ستجد هذه الأساطيل الدفاعية نفسها مضطرة للانتقال من وضع المرافقة والحماية إلى وضع الهجوم الاستباقي الشامل، مما سيحول مياه البحر الأحمر إلى ساحة معركة بحرية مفتوحة وعالية الكثافة.
يمثل دخول الحوثيين على خط الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران السيناريو الأكثر رعباً للوجستيات التجارية العالمية. إن التعطيل المتزامن لمضيقي هرمز وباب المندب لن يقتصر أثره على شلل حركة الطاقة فحسب، بل سيعيد تشكيل مفاهيم الأمن البحري الدولي بالكامل.
تم نسخ الرابط