بعد شهور من الاضطرابات في الإمدادات.. أسواق النفط تتحدى وفرة العرض في 2027 مع توقعات بانخفاض الأسعار – بقلم شاشوف
تغيرت المخاوف في سوق النفط العالمي من نقص الإمدادات إلى توقعات بفائض في المعروض قد يكون الأكبر منذ سنوات. يعود ذلك إلى انخفاض التوترات، وزيادة الإمدادات، وعودة الملاحة عبر مضيق هرمز. رغم اتفاق المؤسسات على هذا التحول، تختلف التقديرات حول تأثيره على الأسعار؛ إذ يتوقع ‘جيه بي مورغان’ أن ينخفض سعر خام برنت إلى 64 دولاراً للبرميل بحلول 2027، بينما يرى ‘سيتي غروب’ أن الأسعار قد تتراوح بين 60 و65 دولاراً. في المقابل، يتوقع ‘مورغان ستانلي’ و’غولدمان ساكس’ أن تصل الأسعار إلى 75 دولاراً. يعتمد الحفاظ على الأسعار الراهنة على قرارات ‘أوبك+’ وأداء الاقتصاد العالمي.
تقارير | شاشوف
لم تعد المخاوف في سوق النفط العالمية تقتصر على احتمالات نقص الإمدادات كما كان الوضع في الشهور الماضية، حيث بدأت المؤسسات المالية الكبرى تناقش سيناريو مختلف تمامًا يتمثل في دخول السوق مرحلة من فائض المعروض قد تكون الأكبر منذ سنوات.
يأتي هذا التغيير بعد انحسار التوترات التي عطلت تدفقات النفط، وعودة جزء كبير من الإمدادات إلى الأسواق، مما دفع بيوت الخبرة في وول ستريت إلى تعديل توقعاتها للأسعار خلال العامين القادمين.
هذا التحول يعتمد على مجموعة من المتغيرات التي ظهرت مؤخرًا، مثل استئناف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز بوتيرة أسرع من المتوقع، واستمرار نمو الإنتاج الأمريكي، بالإضافة إلى تباطؤ الطلب في عدد من الأسواق الأساسية، وخصوصًا الصين التي تشهد انخفاضًا في وارداتها النفطية مقارنة بالسنوات الماضية. ويشير المحللون إلى أن اجتماع هذه العوامل يغيّر معادلة السوق التي كانت خلال الأزمة محكومة بهاجس نقص الإمدادات.
على الرغم من اتفاق المؤسسات الاستثمارية على أن السوق تتجه نحو فائض واضح في المعروض، فإن تقديراتها تختلف بشأن حجم الضغوط التي ستتعرض لها الأسعار. في حين تتوقع بعض البنوك، حسب متابعات “شاشوف”، أن يظل خام برنت قريبًا من مستوى 75 دولارًا للبرميل، ترى مؤسسات أخرى أن الأسعار قد تنخفض إلى حوالي 60 دولارًا إذا استمرت وتيرة الإنتاج الحالية وتباطأ نمو الطلب العالمي، خصوصًا مع تراجع العلاوة الجيوسياسية التي دعمت الأسعار خلال الأزمة.
تحول جذري في ميزان العرض والطلب
قبل أسابيع قليلة فقط، كانت الأسواق تعاني من أزمة إمدادات وصفت بأنها من الأعنف خلال العقود الأخيرة، بعد أن أدت الاضطرابات في منطقة الخليج إلى سحب أكثر من مليار برميل من المعروض العالمي، وهو ما يعادل حوالي عشرة أيام من الاستهلاك العالمي. إلا أن المشهد بدأ يتغير تدريجيا مع عودة الصادرات وارتفاع وتيرة عبور الناقلات، مما دفع الأسواق إلى إعادة تسعير المخاطر بشكل سريع.
تشير تقديرات عدد من البنوك العالمية التي رصدتها “شاشوف” إلى أن الفائض المتوقع في عام 2027 قد يتراوح بين ثلاثة ملايين و4.8 مليون برميل يوميًا، وهو مستوى يفوق بكثير متوسط الفوائض التي شهدها السوق في السنوات الماضية.
ويُعزى ذلك إلى استمرار نمو الإمدادات من خارج تحالف أوبك+، بالإضافة إلى تعافي صادرات دول الخليج، واستمرار الإنتاج الأمريكي عند مستويات مرتفعة.
في المقابل، لا تبدو مؤشرات الطلب بنفس القوة، إذ لا تزال الصين تمثل الحلقة الأضعف في معادلة الاستهلاك العالمي، بينما يحقق الاقتصاد العالمي معدلات نمو أقل من التوقعات، مما يحد من قدرة السوق على استيعاب الزيادة المرتقبة في الإنتاج.
وول ستريت ترسم سيناريو الأسعار
يتبنى بنك “جيه بي مورغان” واحدًا من أكثر السيناريوهات تحفظًا، حيث يتوقع انخفاض متوسط سعر خام برنت إلى نحو 64 دولارًا للبرميل خلال عام 2027، عازيًا ذلك إلى ضعف الطلب مقارنة بالتوقعات السابقة، مع توقع بدء تشكّل فائض في السوق اعتبارًا من الربع الأخير من العام الجاري، مما قد يضع تحالف أوبك+ أمام ضغوط لاتخاذ خطوات جديدة لإدارة مستويات الإنتاج.
أما بنك “سيتي غروب” فيرى أن أي ارتفاعات مؤقتة في أسعار النفط خلال موسم الصيف قد لا تستمر طويلاً، متوقعا أن يعود خام برنت إلى نطاق يتراوح بين 60 و65 دولارًا للبرميل مع تراجع تأثير المخاطر الجيوسياسية وعودة الإمدادات إلى مستوياتها الطبيعية.
في الاتجاه الأقل تشاؤمًا، يتوقع كل من مورغان ستانلي وغولدمان ساكس أن يبلغ متوسط سعر برنت نحو 75 دولارًا للبرميل خلال عام 2027، رغم اعترافهما بأن السوق ستشهد فائضًا كبيرًا في المعروض. ويعتقد غولدمان ساكس أن عمليات إعادة ملء الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية حول العالم قد تستوعب جزءًا من هذا الفائض، لكنها لن تكون كافية لمنع السوق من الدخول في مرحلة وفرة واضحة. بينما يتوقع مورغان ستانلي أن يصل فائض الإمدادات إلى نحو 4.8 مليون برميل يوميًا خلال العام نفسه.
ومع تداول خام برنت فوق مستوى 72 دولارًا للبرميل خلال الأسبوع الماضي، تبدو الأسواق في مرحلة انتقالية بين انتهاء تأثير الأزمة وبدء التركيز على أساسيات العرض والطلب وفقًا لتقييمات “شاشوف”. ويعتقد المحللون أن قدرة الأسعار على الحفاظ على مستوياتها الحالية ستعتمد بشكل كبير على قرارات تحالف أوبك+، وسرعة إعادة بناء الاحتياطيات الاستراتيجية، وأداء الاقتصاد العالمي في الأشهر المقبلة.
إذا استمرت الإمدادات في الارتفاع بالمعدلات الحالية دون زيادة مماثلة في الطلب، فقد تدخل سوق النفط دورة جديدة من الضغوط السعرية، مما يفرض تحديات على كبار المنتجين ويعيد النقاش حول الحاجة إلى تدخلات جديدة لتحقيق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، في وقت تشير فيه أغلب التقديرات إلى أن عام 2027 قد يشهد انتقال السوق من مرحلة القلق بشأن نقص الإمدادات إلى مرحلة إدارة فائض المعروض.