برنامج مالي حديث في عدن: الإعلان الرسمي يتناقض مع الأزمات المتفاقمة في السيولة والوقود – شاشوف


أعلنت وزارة المالية في حكومة عدن عن إطلاق برنامج تصحيحي مالي وهيكلي شامل لمعالجة الأزمات الاقتصادية الناتجة عن الحرب، خصوصًا توقف صادرات النفط التي تشكل 65% من الإيرادات. الهدف هو استعادة المسار المالي للدولة وتحقيق إصلاحات اقتصادية، عبر تنفيذ خطة أولويات تعتمد على تحسين الإدارة المالية وإلغاء الرسوم غير القانونية. الوزارة تتطلع إلى تعزيز الشفافية والمصداقية عبر مشاورات مع صندوق النقد الدولي. رغم هذه الخطط، يواجه الاقتصاد اليمني تحديات هيكلية وصعوبات ميدانية، ما يجعل تنفيذ هذه الإصلاحات مشكوكًا فيه في ظل الأزمات الجارية في عدن.

الاقتصاد اليمني | شاشوف

في ظل أزمة اقتصادية خانقة، أعلنت وزارة المالية بحكومة عدن عن بدء برنامج تصحيحي مالي وهيكلي شامل، يهدف نظرياً إلى استئناف عملية الإصلاحات الاقتصادية.

تأتي هذه الخطوات التي كشفت عنها وزارة المالية في بيان رسمي حصل شاشوف على نسخة منه، في إطار ما وصفته بـ “التوجه الحكومي القوي” لإعادة بناء المسار المالي والاقتصادي للدولة وفق أسس منضبطة ومستدامة، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هياكل الاقتصاد المتداعية.

ووفقاً للبيان الرسمي، فإن هذا البرنامج يمثل استجابة عاجلة لمواجهة الاختلالات الهيكلية الجسيمة التي أصابت بنية الاقتصاد الوطني. وأرجعت الوزارة هذه الأزمات بشكل رئيسي إلى تداعيات الحرب، التي أدت إلى صدمات مالية شديدة، أبرزها توقف صادرات النفط الخام، مما يشكل ضربة قوية للخزينة العامة، إذ تمثل عائدات النفط حوالي 65% من إجمالي الموارد التي تعتمد عليها الموازنة العامة.

ولم تقتصر المبررات الحكومية على توقف النفط، بل أشار البيان إلى تعطل أهم مصادر النقد الأجنبي وانقطاع تدفق الموارد المركزية إلى خزانة الدولة.

تسببت هذه العوامل مجتمعة في تقليص الحيز المالي المتاح للحكومة بشكل كبير، مما أثر سلباً على قدرتها على التدخل المباشر لحماية الأسواق وزاد من انكشاف الاقتصاد اليمني الهش أمام التحديات الداخلية والخارجية المتكررة.

على الصعيد الإداري والتشريعي، أفادت وزارة المالية بأنها تسعى للانتقال من مرحلة “التشخيص” الطويلة إلى مرحلة “التنفيذ المؤسسي الفعلي”. وتستند الوزارة في جهودها الجديدة إلى القرار رقم (11) لسنة 2025 الصادر عن المجلس الرئاسي، الذي يتعلق بخطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية الشاملة، معتبرة إياه الأساس القانوني لاستئناف الإجراءات الفعلية.

تعلق الحكومة آمالاً كبيرة على هذا القرار لتأسيس إدارة متكاملة تربط بين استعادة الموارد العامة وحوكمة عمليات التوريد. كما ينص البرنامج الإصلاحي على إلغاء جميع الرسوم والجبايات غير القانونية، وإخضاع جميع المصادر الإيرادية والكيانات الاقتصادية لرقابة الدولة المباشرة، بهدف تحسين إدارة المالية وكبح مظاهر الهدر والتشوهات التي أصابت الاقتصاد.

في البعد الدولي للبرنامج، كشف البيان عن اتجاه لتعزيز مسار الإصلاحات عبر تفعيل مشاورات “المادة الرابعة” مع صندوق النقد الدولي. تعتبر الحكومة هذه المشاورات نافذة رئيسية لإعادة دمج الاقتصاد اليمني ضمن المنظومة المالية الدولية، متوقعة أن توفر تقييماً فنياً مستقلاً يدعم تصميم سياسات مالية ونقدية مبنية على بيانات دقيقة.

تأمل وزارة المالية – بحسب البيان – أن تسهم هذه الخطوات، على الصعيدين المحلي والدولي، في تعزيز الشفافية وترسيخ المصداقية الائتمانية للحكومة أمام الشركاء المانحين والمستثمرين. وترى الوزارة أن تحسين بيئة الثقة ورفع جودة السياسات الاقتصادية يعدان شرطين أساسيين لتهيئة الظروف المناسبة لاستقطاب الدعم الخارجي والتدفقات الاستثمارية التي تشتد الحاجة إليها.

لضمان تطبيق هذه الخطط بشكل فعلي، أكدت الوزارة على ضرورة تفعيل الأدوات الرقابية بشكل متكامل، والتي تشمل الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، والهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد، ونيابة الأموال العامة، كما دعت إلى إعادة تفعيل اللجنة العليا للمناقصات والمزايدات الحكومية لضبط عملية صرف المرتبات وزيادة كفاءة الإنفاق العام وفق الأطر القانونية.

رغم ذلك، وبنظرة تحليلية دون تفاؤل رسمي، يواجه هذا الحديث الحكومي والوعود المعلنة واقعاً يومياً مريراً يعاني منه الشارع اليمني، وخاصة في عدن. فالاقتصاد اليمني لا يزال يعاني من تحديات هيكلية عميقة تجعل تنفيذ مثل هذه البرامج مشوباً بالريبة، خاصة مع الفشل المستمر للحكومة في إيجاد حلول جذرية لأزمة السيولة النقدية الخانقة في القطاع المصرفي، مما يعوق الحركة التجارية وقدرة المواطنين الشرائية.

إن الحديث عن إصلاحات مالية شاملة واستقطاب استثمارات خارجية يبدو غير متوافق مع الواقع الأمني والخدمي المتردي، حيث تعاني عدن حالياً من أزمات حادة في توفير أبسط المقومات الأساسية، وأهمها الانقطاعات المستمرة في إمدادات الغاز المنزلي وأزمات الوقود التي تعوق محطة توليد الكهرباء وحركة النقل.

هذا التناقض بين الوعود الحكومية والفشل الميداني يتطلب تحركات سريعة ومسؤولة لتلبية الاحتياجات الفورية للمواطنين، قبل الدخول في خطط استراتيجية قد لا تتاح لها الفرصة للتنفيذ في ظل غياب الاستقرار الملائم.


تم نسخ الرابط