بالرغم من تراجع آثار الحرب، الاقتصاد العالمي يخطو نحو تعافٍ حذر في ظل العديد من التحديات – شاشوف
إن انتهاء المواجهة مع إيران لم يعيد الاقتصاد العالمي إلى طبيعته، حيث لا تزال تداعيات التوترات الجيوسياسية قائمة. ورغم تراجع أسعار النفط وتحسن البيئة الاقتصادية، يبقى التضخم وارتفاع تكاليف الإنتاج عائقا رئيسياً. رفع بنك أوف أمريكا توقعاته للنمو العالمي إلى 3.2% عام 2023 بفضل استقرار أسواق الطاقة وازدهار قطاعات الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، تظل أوروبا حساسة لمخاطر جديدة، بينما الاقتصاد الصيني يواجه تحديات في الطلب المحلي. يعتمد التعافي على قدرة السياسات النقدية على موازنة النمو مع السيطرة على التضخم وسط عدم يقين عالمي مستمر.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
لم يكن إبرام اتفاق سلام هش قد أنهى الصراع العسكري مع إيران كافياً لإعادة الاقتصاد العالمي إلى وضعه السابق. تشير التقديرات الحديثة التي يتبعها ‘شاشوف’ إلى أن الأسواق قد تجاوزت أقسى مراحل الصدمة، لكنها لا تزال تعاني من تأثيرات اقتصادية عميقة ناجمة عن فترة التوترات الجيوسياسية. بينما انخفضت أسعار النفط وتضاءلت المخاوف من اضطراب واسع في إمدادات الطاقة، يرى خبراء الاقتصاد أن آثار موجة التضخم وارتفاع تكاليف الإنتاج والشحن ستبقى مؤثرة، حتى مع انتهاء الصراع، حيث ستظل تؤثر على قرارات البنوك المركزية والنشاط الاقتصادي في المرحلة المقبلة.
في هذا الإطار، رفع بنك أوف أمريكا توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي، مستندًا إلى تحسن بيئة الطاقة واستمرار الزخم الذي تقوده الصناعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لاسيما في الاقتصادات الآسيوية.
وضع البنك في تقريره النصف سنوي تأكيدًا على أن هذا التحسن لا يعني تلاشي المخاطر، بل يظهر فقط نجاح الاقتصاد العالمي في تجنب السيناريوهات الأسوأ التي كانت متوقعة خلال ذروة الأزمة، في وقت لا تزال فيه الضغوط التضخمية مرتفعة، وتستمر حالة عدم اليقين بشأن مستقبل السياسات النقدية وأسواق الطاقة.
تؤكد هذه الرؤية واقعاً اقتصادياً أكثر تعقيداً مما توحي به المؤشرات الإيجابية الأخيرة. فقد خفف التراجع النسبي في أسعار النفط والغاز من الضغوط على الشركات والمستهلكين، لكنه لم يلغي آثار الأشهر التي شهدت تقلبات حادة في أسعار السلع وسلاسل الإمداد.
علاوة على ذلك، تواجه البنوك المركزية الكبرى، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، معضلة أكثر تعقيدًا بين احتواء التضخم والحفاظ على وتيرة النمو، مما يجعل المرحلة المقبلة مليئة بالتحديات التي ستحسم مسار الاقتصاد العالمي في السنوات القادمة.
تعافٍ مدفوع بالطاقة والتكنولوجيا.. لكن آثار الأزمة لا تزال قائمة
أظهرت توقعات بنك أوف أمريكا تحسنًا محدودًا في آفاق الاقتصاد العالمي، حيث رفع البنك توقعاته لنمو الناتج العالمي إلى 3.2% للعام الجاري، مع توقعات ببلوغه 3.5% في عام 2027، وذلك مقارنة بتقديراته السابقة وفقًا لما ورد في ‘شاشوف’. ويعزى هذا التحسن إلى عاملين رئيسيين: الأول انخفاض أسعار الطاقة بعد تراجع مخاطر الحرب، والثاني استمرار الطفرة الاستثمارية في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، مما عزز أداء الاقتصادات الآسيوية، خاصة تلك المصدرة للتكنولوجيا والمكونات الإلكترونية.
رغم وجود هذه المؤشرات الإيجابية، يؤكد التقرير أن الاقتصاد العالمي لا يستطيع استعادة خسائره التي تكبدها خلال فترة الحرب بمجرد عودة أسعار النفط إلى مستوياتها السابقة. الارتفاع الذي شهدته تكاليف الطاقة خلال الأزمة أثر بشكل كبير على أسعار النقل والتصنيع والمواد الغذائية، مما أدى إلى موجة تضخم طالت معظم الاقتصادات الكبرى. حتى مع انخفاض أسعار النفط لاحقًا، لا تزال الكثير من الشركات تتحمل تكاليف إنتاج مرتفعة، ويواصل المستهلكون مواجهة مستويات أسعار أعلى بكثير مما كانت عليه قبل اندلاع الأزمة.
كما قام فريق السلع في البنك بخفض توقعاته لمتوسط سعر خام برنت إلى حوالي 72 دولارًا للبرميل خلال النصف الثاني من عام 2026، مع توقعات بانخفاضه إلى قرابة 65 دولارًا في عام 2027 إذا استمرت الأوضاع الجيوسياسية في مسارها الحالي دون تصعيد جديد. وانعكس ذلك أيضًا على تقديرات التضخم العالمي، التي خُفضت إلى نحو 3% خلال العام الجاري، مع استمرار التراجع تدريجياً خلال العامين المقبلين. ومع ذلك، يحذر البنك من أن انخفاض التضخم العام لا يعني انتهاء الضغوط السعرية تمامًا، حيث لا يزال التضخم الأساسي المتعلق بالخدمات والأجور أكثر تماسكًا وصعوبة في السيطرة عليه بنفس السرعة.
ثلاثة اختبارات ترسم مستقبل الاقتصاد العالمي.. والطريق نحو التعافي لا يزال محفوفًا بالمخاطر
يرى بنك أوف أمريكا أن المرحلة القادمة لن تُقاس فقط بمقدار انخفاض أسعار النفط أو تحسن مؤشرات النمو، بل أيضًا بقدرة الاقتصاد العالمي على تجاوز سلسلة من الاختبارات المعقدة التي قد تعيد إشعال حالة عدم اليقين في أي لحظة. يصف البنك هذه المرحلة بأنها تواجه ‘اختبارين ونصف’، تشير إلى ثلاثة ملفات رئيسية ستحسم اتجاه الأسواق في الأشهر والسنوات القادمة، وهي استقرار أسواق الطاقة، ومحتوى السياسات النقدية العالمية، ومستقبل الاقتصاد الصيني في ظل المتغيرات التجارية والتكنولوجية.
يتمثل الاختبار الأول في استمرار الاستقرار داخل أسواق الطاقة العالمية، حيث أن الاتفاق الذي خفف توتر الأوضاع في الشرق الأوسط لا يزال هشًا بطبيعته، مما يعني أن أي تطور جيوسياسي غير متوقع قد يعيد المخاوف بشأن الإمدادات إلى السطح. تؤكد التقديرات أن الأسواق المالية قد قامت بالفعل بتسعير سيناريو عودة صادرات النفط وتدفقات الطاقة إلى مستوياتها الطبيعية، مما أدى إلى انخفاض ملحوظ في أسعار الخام خلال الآونة الأخيرة.
ومع ذلك، يحتفظ انخفاض المخزونات العالمية في بعض الأسواق بإمكانية حدوث تقلبات، حيث أن أي اضطراب جديد قد يؤدي إلى ارتفاع سريع في الأسعار، مما يعيد الضغوط على تكاليف النقل والإنتاج، وينعكس مباشرة على معدلات التضخم حول العالم.
أما الاختبار الثاني، فيتعلق بالسياسات النقدية، خاصة في الولايات المتحدة، حيث يتوقع البنك، وفقًا لما ورد في ‘شاشوف’، أن يواصل الاحتياطي الفيدرالي نهجه المشدد بدلًا من الانتقال إلى دورة خفض أسعار الفائدة التي كانت الأسواق قد توقعتها سابقًا. وفقًا للتقرير، فإن قوة سوق العمل الأمريكية واستمرار الضغوط التضخمية، خاصة في قطاع الخدمات، تدفع البنك إلى احتمال رفع أسعار الفائدة بمقدار 75 نقطة أساس خلال العام، بدءًا من سبتمبر. يعني ذلك أن تكلفة الاقتراض ستظل مرتفعة لفترة طويلة، مما قد يحد من وتيرة الاستثمار والإنفاق في العديد من الاقتصادات، حتى مع انخفاض أسعار الطاقة.
أما ‘نصف الاختبار’ المخصص للاقتصاد الصيني، فقد أظهر قدرة ملحوظة على امتصاص آثار اضطرابات التجارة والطاقة بفضل قوة قطاعه الصناعي والتكنولوجي. ومع ذلك، يرى البنك أن الصورة ليست خالية تمامًا من التحديات، حيث لا يزال الطلب المحلي داخل الصين دون المستويات المأمولة، ويعتمد النمو بشكل كبير على تصدير فائض الطاقة الإنتاجية، خاصة في الصناعات المرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات. يحذر التقرير من أن الاستمرار في هذا النهج قد يثير موجة جديدة من التوترات التجارية مع البلدان الكبرى إذا اعتبرت بعض الدول أن تدفق المنتجات الصينية يهدد صناعاتها المحلية.
في المقابل، يواصل الاقتصاد الآسيوي الناشئ لعب دور المحرك الرئيسي للنمو العالمي، حيث يستفيد من الطفرة غير المسبوقة في الاستثمارات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، والتي زادت الطلب على الرقائق الإلكترونية ومراكز البيانات ومعدات التصنيع المتقدمة. يعتقد البنك أن هذا القطاع سيبقى أحد أهم مصادر الدعم للنمو العالمي خلال السنوات القادمة، حتى مع استمرار حالة عدم اليقين في بقية القطاعات الاقتصادية، مما يفسر رفع توقعاته للنمو العالمي رغم المخاطر الجيوسياسية المتواصلة.
على الناحية الأخرى، تبقى أوروبا الحلقة الأكثر هشاشة بين الاقتصادات المتقدمة، بعد أن تحمّلت النصيب الأكبر من تبعات أزمة الطاقة خلال فترة الحرب. ورغم أن تراجع أسعار النفط والغاز خفف من حجم الخسائر المتوقعة، فإن الاقتصاد الأوروبي لا يزال يعاني من معدلات نمو ضعيفة، إضافة إلى استمرار الضغوط على القطاع الصناعي وارتفاع تكاليف التمويل، مما يجعل وتيرة التعافي أبطأ مقارنة بالولايات المتحدة والاقتصادات الآسيوية.
تشير تقديرات بنك أوف أمريكا إلى أن الاقتصاد العالمي تمكن من تجاوز أخطر مراحل الصدمة الناتجة عن الحرب، لكنه لم يتخلص بعد من تأثيراتها العميقة. فالتراجع الحالي في أسعار الطاقة والتحسن في توقعات النمو يمثلان مؤشرات إيجابية، غير أن استمرار الضغوط التضخمية، واحتمالات تشدد السياسات النقدية، وهشاشة الأوضاع الجيوسياسية، تجعل التعافي العالمي أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه المؤشرات الأولية.
خلال المرحلة المقبلة، سيظل مسار الاقتصاد العالمي متعلقًا بقدرة الحكومات والبنوك المركزية على تحقيق توازن دقيق بين دعم النمو والتحكم في التضخم، في وقت تتزايد فيه أهمية التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كمحرك رئيسي للنشاط الاقتصادي. بين التفاؤل الحذر والمخاطر المستمرة، تبدو الأسواق أمام مرحلة تتطلب مرونة كبيرة في إدارة السياسات الاقتصادية، مع الاستعداد للتعامل مع أي صدمات قد تعيد تشكيل المشهد العالمي من جديد.