النفط والذهب يفقدان جاذبيتهما في ظل الحرب.. الأسواق تتجاهل المخاطر مع استئناف إمدادات الخليج – شاشوف
دخلت أسواق الطاقة والمعادن الثمينة مرحلة تصحيح حادة مع تراجع المخاوف من الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، مما أدى إلى تراجع أسعار خام برنت إلى 74.76 دولارًا وفقدان الذهب حاجز 4000 دولار. كما انخفضت أسعار النفط بسبب زيادة المعروض وعودة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. يعكس هذا التحول الانتقال من تسعير مخاطر الحرب إلى تقييم تداعيات السلام المحتمل، مع ضغط من الارتفاع في الدولار وتوقعات رفع أسعار الفائدة الأمريكية. بينما تتوقع بعض المؤسسات استمرارية الطلب على الذهب، تبقى الأسواق في حالة تقلب حتى تتضح ملامح الاتفاق النهائي بين واشنطن وطهران.
تقارير | شاشوف
دخلت أسواق الطاقة والمعادن الثمينة في مرحلة تصحيح حادة مع تراجع المخاوف بشأن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما دفعت مؤشرات التهدئة السياسية وعودة الملاحة تدريجياً عبر مضيق هرمز المستثمرين إلى إعادة تقييم المخاطر الجيوسياسية التي سيطرت على الأسواق خلال الأشهر الماضية.
وفي واحدة من أقوى موجات الهبوط منذ بداية الحرب، انخفض خام برنت إلى أدنى مستوياته منذ ما قبل الحرب، بينما فقد الذهب مستوى نفسياً مهماً لأول مرة منذ نحو ثمانية أشهر.
وفقاً لتتبع “شاشوف”، تراجع خام برنت بنسبة 3.01% خلال تعاملات الأربعاء ليصل إلى 74.76 دولاراً للبرميل، بعدما لامس 74.61 دولاراً، وهو أدنى سعر يسجله منذ 27 فبراير، أي قبل يوم واحد فقط من بدء الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران.
كما هبط الخام الأمريكي غرب تكساس الوسيط بنسبة 2.96% إلى 71.04 دولاراً للبرميل، مسجلاً أدنى مستوياته منذ مطلع مارس. وتشير هذه الأرقام إلى أن السوق فقدت معظم المكاسب التي حققتها خلال فترة الحرب، بعدما تجاوزت الأسعار في ذروة التوترات 95 دولاراً للبرميل.
في سوق المعادن الثمينة، تراجع الذهب الفوري إلى ما دون مستوى 4000 دولار للأوقية للمرة الأولى منذ نوفمبر 2025، متأثراً بصعود الدولار الأمريكي إلى أعلى مستوياته في 13 شهراً، وزيادة رهانات المستثمرين على إبقاء أسعار الفائدة الأمريكية مرتفعة لفترة أطول.
يأتي ذلك بعد أن سجل المعدن الأصفر مستوى قياسياً بلغ 5594 دولاراً للأوقية في يناير الماضي وفقاً لمراجعات شاشوف، ما يعني أنه فقد أكثر من 1590 دولاراً، أو ما يقارب 28% من قيمته خلال أقل من خمسة أشهر.
عودة مضيق هرمز تضغط على النفط وتفتح الباب أمام زيادة الصادرات الإيرانية
تتمحور رهانات الأسواق حالياً حول استعادة التدفقات الطبيعية للطاقة من منطقة الخليج، خاصة بعد ظهور مؤشرات متزايدة على عودة حركة الناقلات عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما بين 20 و21 مليون برميل من النفط يومياً، أي نحو خُمس الاستهلاك العالمي من السوائل النفطية، وفق اطلاع شاشوف على بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية. كما يعبر المضيق نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، مما يجعله من أكثر الممرات البحرية حساسية للاقتصاد العالمي.
ساهم الاتفاق الأولي بين واشنطن وطهران، الذي يتضمن خارطة طريق للتوصل إلى تسوية دائمة خلال 60 يوماً، في تهدئة المخاوف بشأن أمن الإمدادات. كما أدى قرار الولايات المتحدة منح إعفاءات مؤقتة من العقوبات إلى فتح المجال أمام عودة كميات إضافية من النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية، حيث تشير تقديرات متخصصة إلى أن إيران تمتلك ملايين البراميل المخزنة على متن ناقلات جاهزة للتصدير بمجرد تحسين الظروف التشغيلية.
تزايدت الضغوط على الأسعار بعد إعلان سلطنة عمان الإبقاء على مضيق هرمز مفتوحاً أمام حركة الشحن الدولية دون فرض رسوم إضافية، إلى جانب تخصيص مسارات ملاحية مؤقتة لتسهيل عبور السفن القادمة والمغادرة من الخليج.
تؤكد بيانات تتبع السفن خلال الأيام الأخيرة زيادة عدد الناقلات التي بدأت تعبر المضيق مقارنة بالفترة التي سبقت المحادثات الأمريكية الإيرانية.
لم تقتصر عوامل الهبوط على الجوانب الجيوسياسية فقط، بل امتدت إلى السوق الفعلية للنفط، حيث بدأت شحنات خام في مناطق مختلفة تُباع بخصومات سعرية واضحة نتيجة ارتفاع المعروض.
كما خفض بنك جي بي مورغان توقعاته لأسعار النفط خلال النصف الثاني من عام 2026، متوقعاً متوسط سعر يبلغ 86 دولاراً للبرميل في الربع الثالث و80 دولاراً في الربع الرابع، مستنداً إلى تراجع وتيرة سحب المخزونات وضعف نمو الطلب العالمي.
الذهب يدفع ثمن قوة الدولار وتوقعات الفائدة المرتفعة
في المقابل، تعرض الذهب لضغوط مزدوجة نتيجة تحسن شهية المخاطرة لدى المستثمرين وزيادة العملة الأمريكية. فمع تراجع احتمالات اتساع الحرب في الشرق الأوسط، بدأت الأموال تتجه إلى الأصول ذات العائد المرتفع بدلاً من الملاذات الآمنة التي استفادت خلال الأشهر الماضية من حالة عدم اليقين الجيوسياسي.
تكتسب مواقف الاحتياطي الفيدرالي أهمية خاصة في تفسير التراجعات الأخيرة، فقد عزز البنك المركزي الأمريكي خلال اجتماعاته الأخيرة لهجته المتشددة تجاه التضخم، مما دفع المتعاملين إلى رفع توقعاتهم بشأن إمكانية رفع أسعار الفائدة مرة أخرى خلال الأشهر المقبلة. وعادة ما يشكل ارتفاع الفائدة عاملاً سلبياً للذهب لأنه أصل لا يدر عائداً، مما يقلل جاذبيته مقارنة بالسندات والأدوات المالية الأخرى.
كذلك ساهم صعود مؤشر الدولار الأمريكي إلى أعلى مستوى له منذ أكثر من عام في زيادة الضغوط على المعدن الثمين. فارتفاع الدولار يجعل الذهب أكثر تكلفة بالنسبة للمستثمرين الذين يحملون عملات أخرى، مما يؤدي عادةً إلى تراجع الطلب العالمي على المعدن.
ورغم موجة الهبوط الأخيرة، لا تزال بعض المؤسسات المالية الكبرى التي يتتبعها شاشوف ترى أن الذهب سيحافظ على مستويات مرتفعة تاريخياً مقارنة بمتوسطاته طويلة الأجل، فعلى سبيل المثال، خفض بنك ING توقعاته لمتوسط أسعار الذهب خلال الربع الثالث من العام إلى 4300 دولار للأوقية بدلاً من 4850 دولاراً، فيما يتوقع متوسطًا عند 4600 دولار خلال الربع الرابع، وهو ما يعكس استمرار وجود عوامل دعم هيكلية أبرزها مشتريات البنوك المركزية العالمية والمخاطر الجيوسياسية الكامنة.
بشكل عام، تعكس التحركات الأخيرة في أسواق النفط والذهب انتقال المستثمرين من مرحلة تسعير مخاطر الحرب إلى مرحلة تقييم تداعيات السلام المحتمل، فكل تقدم في المفاوضات الأمريكية الإيرانية يعني مزيداً من الإمدادات النفطية وتراجعاً في علاوة المخاطر التي دعمت أسعار الطاقة في الأشهر الماضية.
لكن الأسواق لا تزال بعيدة عن اليقين الكامل، فمصير الاتفاق النهائي بين واشنطن وطهران، ومستقبل البرنامج النووي الإيراني، ومسار السياسة النقدية الأمريكية، ستظل عوامل حاسمة في تحديد الاتجاه القادم للأسعار. وحتى تتضح هذه الملفات، من المرجح أن تستمر التقلبات المرتفعة في أسواق النفط والذهب، وإن كانت الكفة تميل حالياً لصالح سيناريو أكثر هدوءاً مما شهدته الأسواق خلال ذروة الحرب.