الغذاء العالمي: اليمن يواجه خطر المجاعة مجددًا، والإجراءات الاقتصادية لن تُجدي نفعًا مع استمرار أزمة الإمدادات – شاشوف
الأزمة الإنسانية في اليمن تتفاقم، حيث لا يزال البلد يعاني من ضعف حاد في الأمن الغذائي. رغم تحسن مؤقت في استهلاك الغذاء في بداية 2026، يعتمد ذلك على عوامل موسمية. توقعات تشير إلى أن 60% من اليمنيين سيعانون من نقص غذائي بحلول نهاية الربع الثاني. ستؤدي تداعيات الحرب الإقليمية إلى ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، مما يزيد الأعباء على الأسر الفقيرة. النازحون يعيشون في ظروف مأساوية، مع تدهور حاد في قدرتهم على تأمين الغذاء. يتطلب الوضع تدخلًا عاجلاً لحماية الاقتصاد والتخفيف من آثار الحروب على حياتهم اليومية.
الاقتصاد اليمني | شاشوف
لا يزال اليمن يعاني بمرارة كأحد أكثر الدول عجزًا في تأمين غذائها، حيث تستمر المأساة الإنسانية في التفاقم عامًا بعد عام دون حلول شاملة تلوح في الأفق. ورغم أن التقارير والإحصاءات التي تابعها شاشوف تشير إلى تحسن مؤقت في معدلات الاستهلاك الغذائي في الربع الأول من عام 2026، فإن هذا التحسن لم يكن ناتجًا عن تعافٍ اقتصادي حقيقي، بل كان نتيجة عوامل موسمية فقط. لقد ساهمت التحويلات المالية من المغتربين والصدقات والمبادرات المجتمعية خلال شهر رمضان في تقليص نسبة السكان الذين يعانون من نقص الغذاء إلى نحو 50% بحلول مارس، بينهم 25% في حالة حرمان غذائي حاد يهدد حياتهم بشكل مباشر.
لكن هذا الهدوء المؤقت سرعان ما انكشف، مظهرًا الوجه الكئيب للأزمة. ومع انتهاء عطلة عيد الفطر وتوقف تدفق المعونات الموسمية، تشير التوقعات إلى احتمال حدوث تدهور حاد في مستويات الجوع.
تشير تقديرات برنامج الغذاء العالمي إلى أن نسبة اليمنيين الذين سيعانون من نقص حاد في الاحتياجات الغذائية ستتجاوز 60% بنهاية الربع الثاني من عام 2026. ما يزيد الأمور تعقيدًا هو تأثير الحرب الإقليمية المستمرة التي تؤثر سلبًا على مسارات الاستيراد، مما ينذر بموجات تضخمية جديدة ستعمق الفجوة بين دخل المواطنين وتكاليف سلة الغذاء الأساسية، خصوصًا في المناطق الأكثر كثافة سكانية التي تعاني من فقر مدقع.
لقد استنفدت قدرة الأسر اليمنية تمامًا على التكيف بعد سنوات من الانهيار الاقتصادي. تشير البيانات إلى أن حوالي 74% من الأسر في اليمن أبلغت عن انخفاض حاد أو انقطاع كامل في مصادر دخلها الشهرية، بزيادة 7% مقارنة بالعام الماضي.
هذا الشلل الاقتصادي دفع ثلثي الأسر إلى تبني استراتيجيات قاسية وخطيرة للتكيف مع الأزمة، مثل تقليل عدد الوجبات أو الاعتماد على أطعمة رخيصة تفتقر للقيم الغذائية، وهي خطوات أقرت في المناطق الأقل حظًا بالمساعدات، مما يهدد بكارثة سوء التغذية الحادة، خاصة بين الأطفال والنساء الحوامل.
مخيمات النزوح والانهيار المعيشي في ظل التضخم
في وسط هذه المأساة، تبرز قضية النازحين الداخليين كجرح لم يندمل، حيث لا يزال اليمن يمثل خامس أكبر أزمة نزوح داخلي على مستوى العالم. يعيش هؤلاء النازحون في ظروف مأساوية تفتقر لأبسط مقومات الحياة، خاصة في المخيمات العشوائية.
تشير الإحصاءات إلى أن القدرة على تأمين الغذاء تدهورت بشكل مروع بين النازحين؛ ففي مارس الماضي، عانى نحو اثنين من كل خمسة نازحين من جوع يتراوح بين المتوسط والحاد، وهو ما يعادل ضعف ما تعانيه باقي السكان غير النازحين. وتزداد الأمور سوءًا في مناطق النزوح الجماعي التي تفتقر إلى الخدمات الأساسية.
على الصعيد الاقتصادي، ورغم نجاح بعض السياسات النقدية في الحفاظ على استقرار هش لسعر الصرف في بعض المناطق، إلا أن هذا الاستقرار لم ينعكس بشكل إيجابي على أحوال المواطنين.
الضغوط الاقتصادية أدت إلى تقلص نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بحوالي 60% منذ بداية الحرب في عام 2015، وفقاً لبيانات شاشوف. وبالرغم من ذلك، استمرت أسعار المواد الغذائية الأساسية في الارتفاع بسرعة، حيث زادت أسعار زيوت الطهي بحوالي 6% إلى 13% في مختلف المناطق، مما يعكس التوجهات التضخمية العالمية وارتفاع تكلفة التأمين البحري.
لم تقتصر التحديات على الغذاء فحسب، بل شملت أزمة طاقة خانقة تهدد بحبس القطاعات الحيوية. إذ شهدت الإمدادات النفطية تراجعًا حادًا بلغ 69% في الربيع الأول من عام 2026 مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق، مما دفع شركة النفط في عدن إلى زيادة أسعار الوقود بشكل ملحوظ.
من المعروف اقتصاديًا أن أي زيادة في أسعار الوقود تؤدي توًا إلى ارتفاع تكاليف نقل البضائع والمواد الغذائية، مما يثقل كاهل المواطن البسيط.
سلاسل الإمداد والعمل الإنساني في مرمى الحرب الإقليمية
في تناقض واضح مع الوضع الاقتصادي المعقد، تشير التقارير إلى أن موانئ اليمن شهدت زيادة في واردات الغذاء بنسبة 28% خلال الربع الأول من العام الحالي مقارنة بالسنة الماضية.
لكن توفر السلع في الأسواق لم يعد يضمن القدرة على الشراء. المشكلة الأساسية ليست في نقص الغذاء، بل في تدهور القدرة الشرائية للمواطنين الذين يقفون عاجزين أمام المتاجر المليئة بالسلع غير القابلة للاقتناء.
تشير تصريحات المراقبين الاقتصاديين إلى أن الحرب الإقليمية الأوسع أثرت بشكل غير معلن على الاقتصاد اليمني. التعقيدات الأمنية، بما فيها تكثيف الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، غيرت مسارات الشحن التجارية إلى اليمن وزادت من تكاليف التأمين على السفن.
هذه التداعيات أضافت أعباء مالية ثقيلة على المستوردين، يتم تمريرها في النهاية إلى المستهلك، مما يعقد آمال استقرار أسعار السلع الأساسية.
وفي مؤشر خطير على حجم الشلل في الاقتصاد، كشفت البيانات المصرفية عن عجز ‘لجنة تنظيم وتمويل الواردات’ التابعة للبنك المركزي في عدن عن الموافقة على أي طلبات استيراد جديدة للشهر الثاني على التوالي. هذا التعثر ليس مجرد إجراء إداري، بل هو جرس إنذار لكارثة وشيكة في بلد يعتمد على الاستيراد بنسبة 90% لتأمين استمرارية الحياة.
منذ فبراير الماضي دخلت حركة التجارة الخارجية في حالة شلل، مما يهدد بنفاد الاحتياطي الإستراتيجي للسلع الأساسية بشكل سريع.
يجب عدم فصل هذا الركود التجاري عن تداعيات الحرب الإقليمية والإغلاق البحري الذي أثر على سلاسل الإمداد العالمية. تحويل مسارات السفن وارتفاع تكاليف الشحن أثر سلبًا على مخاطر التجارة.
في ظل استمرار توقف الاستيراد، يحذر الخبراء من أن الأسواق اليمنية تتجه نحو أزمة إمدادات شاملة، وهو ما سيمثل ضربة قاسية لملايين اليمنيين الذين يكافحون من أجل توفير قوتهم اليومي.
يؤكد المشهد الحالي أن الأزمة الإنسانية في اليمن قد تجاوزت مرحلة الاستغاثة، ودخلت في نفق مظلم من الاستنزاف الاقتصادي. إن المساعدات الإنسانية رغم أهميتها، لم تعد وحدها كافية لوقف النزيف في بلد فقد أكثر من نصف حجمه.
يتضح أن الجوع في اليمن لا ينجم عن نقص الموارد، بل هو نتيجة مباشرة لصراعات متداخلة. ومع دخول النصف الثاني من عام 2026، يبقى على المجتمع الدولي تحمل مسؤوليات أخلاقية وسياسية عاجلة. فبدون حلول جذرية، ستتفاقم الأوضاع، مما ينذر بمزيد من المجاعة والانهيار. إن استمرار اللامبالاة الدولية سوف يعني تهديدًا بوجود ملايين اليمنيين.