الجدل العالمي حول اتفاق واشنطن وطهران بعد ‘نجاح إيران’ – شاشوف
الاتفاق الإطاري بين الولايات المتحدة وإيران أثار جدلًا دوليًا واسعًا، حيث اعتبرته بعض الصحف كخطوة نحو تسوية دائمة، بينما اعتبره آخرون تنازلاً أمريكيًا. معظم التحليلات تشير إلى أن المكاسب الأولية تميل لصالح إيران، حيث سيؤدي رفع العقوبات إلى استئناف صادرات النفط وتخفيف الضغوط الاقتصادية. ورغم تحذيرات من تأثير ذلك على العقوبات الأمريكية، يشير المراقبون إلى أن القضايا الأساسية لا تزال معلقة بانتظار مفاوضات صعبة. الاتفاق يبدو أنه منح إيران فوائد بدون الحصول على تنازلات كافية، مع توقعات بأن يكون هذا بداية جديدة من المفاوضات، وليس نهاية الصراع.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
وفقاً لرصد ‘شاشوف’ لأحدث المناقشات والتحليلات في الدوائر السياسية والإعلامية الغربية، فإن الاتفاق الإطاري الذي وُقِع بين الولايات المتحدة وإيران أثار جدلاً دولياً واسعاً. بين اعتباره خطوة نحو تسوية دائمة لأحد أكثر الملفات تعقيداً في الشرق الأوسط، وبين كونه خسارة أمريكية وتنازلاً كبيراً يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية دون الحصول على تنازلات إيرانية هامة بالمقابل، ورغم تنوع المنطلقات السياسية للصحف والمجلات التي تناولت الاتفاق، إلا أن معظمها اتفق على أن ميزان المكاسب الأولية يميل بوضوح لصالح طهران.
تقول صحيفة ‘نيويورك تايمز’ إن الاتفاق يمنح إيران ما وصفته بـ’شريان حياة اقتصادي’، إذ يعمل على رفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية واستئناف صادرات النفط قبل التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن البرنامج النووي. ونقلت الصحيفة عن الباحثة المتخصصة في السياسة الخارجية الإيرانية نيكول غرايفسكي قولها إن المذكرة ‘تبدو في مجملها لصالح إيران’، حيث توفر مساراً لتخفيف العقوبات واستعادة صادرات النفط والحصول على فوائد اقتصادية وتقليل الضغوط العسكرية، مقابل التزامات نووية توصف بأنها محدودة نسبياً.
وترى الصحيفة أن هذه المكاسب تأتي في وقت بالغ الأهمية لطهران، خصوصاً في ظل معاناة الاقتصاد الإيراني من ضغوط كبيرة ناجمة عن العقوبات وانخفاض العملة المحلية وارتفاع معدلات التضخم. وتوقعت أن يؤدي استئناف تصدير النفط إلى ضخ مليارات الدولارات في الاقتصاد الإيراني، مما يخفف الضغوط على الموازنة العامة ويعزز استقرار الريال الإيراني، حتى مع استمرار تحديات الفساد وسوء الإدارة.
أما صحيفة ‘واشنطن بوست’، فتؤكد أن إيران حصلت بموجب الاتفاق على مجموعة واسعة من المكاسب الاقتصادية، منها استئناف تصدير النفط، ورفع الحصار البحري، وإطلاق أصول مالية مجمدة تقدر بنحو 24 مليار دولار، فضلاً عن المشاركة في صندوق لإعادة الإعمار تصل قيمته إلى 300 مليار دولار، كما يرى ‘شاشوف’، بينما لم تقدم إيران سوى التزامات محدودة تتعلق بضمان حرية الملاحة مؤقتاً في مضيق هرمز خلال فترة التفاوض.
وترى صحيفة ‘الغارديان’ أن الاتفاق يعكس اعترافاً عملياً بأن الولايات المتحدة لم تحقق الأهداف التي أعلنتها مع بداية المواجهة مع إيران. والطموحات الأمريكية كانت تقضي بوقف التخصيب المحلي لليورانيوم بحلول عام 2025، وتحويل المخزون المخصب إلى خارج إيران، وإغلاق المنشآت الجديدة، لكن الاتفاق الجديد تراجع عن هذه الشروط.
وتشير ‘الغارديان’ إلى أن إدارة ترامب اعترفت بحق إيران في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، مع الاكتفاء بخفض نسبة التخصيب إلى 3.67% تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. كما أوضحت أن رفع القيود على صادرات النفط الإيرانية سيؤدي عملياً إلى تخفيف القيود المصرفية والتأمينية واللوجستية المرتبطة بالتجارة الإيرانية.
ونقلت الصحيفة عن المسؤول السابق في وزارة الخزانة الأمريكية، مياد مالكي، تحذيره من أن توسيع التصاريح المالية الخاصة بإيران يهدد أسس العقوبات الأمريكية التي شكلت لعقود واحدة من أهم أدوات الضغط على طهران.
ملفات مؤجلة واتفاق يحيط به الغموض
رغم أجواء التهدئة التي رافقت التوقيع، تعتبر ‘نيويورك تايمز’ أن الاتفاق لا يعالج القضايا الأساسية بقدر ما يؤجلها إلى مرحلة لاحقة. وبيّنت أن المفاوضات التفصيلية في الستين يوماً المقبلة ستتناول ثلاثة ملفات شديدة الحساسية، وهي البرنامج النووي الإيراني، ومستقبل مضيق هرمز، وبرنامج الصواريخ الباليستية.
استغرق إنجاز الاتفاق النووي لعام 2015 نحو عشرين شهراً من المفاوضات المعقدة بمشاركة عشرات الخبراء والدبلوماسيين، مما يجعل الوصول إلى اتفاق شامل خلال ستين يوماً أمراً صعب التحقيق. وأشارت إلى أحد الهواجس الأوروبية، وهو وجود نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم عالي التخصيب داخل إيران بدلاً من نقله إلى الخارج كما حدث في اتفاق 2015.
في تحليلها لنتائج الحرب، طرحت ‘واشنطن بوست’ تساؤلات حول ما إذا كانت الحرب حققت أهدافها الأساسية، معتبرة أن الحصيلة النهائية جاءت أقل بكثير من الأهداف الأمريكية المعلنة.
كما أشارت الصحيفة إلى أن الحرب لم تقضِ تماماً على القدرات العسكرية الإيرانية. واعتمدت في ذلك على تقارير استخباراتية مسربة تحدثت عن احتفاظ طهران بنحو 70% من ترسانتها الصاروخية السابقة، مشيرة الى استمرار وجود حلفاء إيران الإقليميين، بما في ذلك جماعة الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان، مما يعني أن النفوذ الإيراني لم يتأثر بشكل كبير.
في المقابل، أفادت الصحيفة بأن الولايات المتحدة تكبدت خسائر بشرية ومادية ملحوظة، شملت مقتل 13 جندياً أمريكياً وإصابة حوالي 400 آخرين، بالإضافة إلى استنفاد مخزونات الأسلحة، وتأثر العلاقات مع الحلفاء الخليجيين والأوروبيين، وارتفاع معدل التضخم الأمريكي إلى 4.2%.
في ألمانيا، ذكرت مجلة ‘دير شبيغل’ أن ترامب بدأ المواجهة بهدف إضعاف النظام الإيراني ولكنه انتهى باتفاق احتفت به طهران. وكتبت المحللة دنيا رمضاني تحت عنوان ‘ترامب أراد كسر إيران فخسر الشرق الأوسط’، معتبرة أن معظم ما تم التوصل إليه عبر الاتفاق كان يمكن تحقيقه من خلال الدبلوماسية قبل اندلاع الحرب، لكن بعد دفع كلفة بشرية واقتصادية كبيرة.
الإيكونوميست: رهان أمريكي محفوف بالمخاطر
تقول مجلة ‘الإيكونوميست’ إن ترامب يراهن على أن المصالح الاقتصادية قد تدفع إيران لتعديل سلوكها السياسي والإقليمي، مشيرة إلى أن الاتفاق يعتمد على ‘الجزرة دون العصا’. كما ذكرت أن واشنطن تخلت عن معظم أهداف الحرب، بما في ذلك تغيير النظام الإيراني أو فرض قيود على برنامجه الصاروخي أو إنهاء دعم طهران لحلفائها الإقليميين.
وحذرت المجلة من أن هذا الرهان قد لا ينجح، إذ إن القيادة الإيرانية لا ترى البرنامج النووي كمشروع اقتصادي أو تقني، بل كجزء من مكانتها السياسية وضمانة استراتيجية لأمنها القومي. وخلصت المجلة إلى أن أحد أكبر الأخطاء في الدبلوماسية هو الافتراض بأن الخصم يفكر بنفس الطريقة التي يفكر بها الطرف الآخر.
ورغم الصورة الإيجابية التي عكستها معظم التحليلات الغربية على إيران، إلا أن العديد من الصحف أكدت أن الاتفاق لا يمثل نهاية الصراع بقدر ما هو بداية مرحلة جديدة من المفاوضات. فما زالت القضايا الأكثر حساسية، مثل البرنامج النووي، والصواريخ الباليستية، ومستقبل الترتيبات الأمنية في الخليج ومضيق هرمز، معلقة في انتظار مفاوضات لاحقة قد تكون أكثر تعقيداً وصعوبة.
مع ذلك، فإن القاسم المشترك في معظم القراءات الأمريكية والبريطانية والألمانية هو اعتبار أن طهران خرجت من الاتفاق بمكاسب اقتصادية وسياسية واستراتيجية ملموسة، بينما تراجعت واشنطن عن عدد من شروطها الرئيسية دون الحصول على تنازلات إيرانية تعادل حجم ما قدمته، مما دفع بعض وسائل الإعلام الغربية لوصف الاتفاق بأنه أقرب إلى انتصار إيراني منه إلى إنجاز دبلوماسي أمريكي.