الإنذار الأخير: الولايات المتحدة تواجه الناتو بتحدي ‘مضيق هرمز’ وسط تحذيرات ترامب بشأن تفكيك الحلف – شاشوف


في قرار يغير المعادلة الجيوسياسية، حذرت الولايات المتحدة حلفائها الأوروبيين في الناتو من ضرورة تقديم خطط عسكرية لحماية الملاحة في مضيق هرمز خلال أيام. يأتي هذا عقب هدنة هشة مع إيران، مما يزيد الضغط على دول أوروبية التي تواجه تحديات عسكرية بينما تنهمك في صراعات داخلية ونقص في الوحدة. التصعيد في المنطقة يشمل استمرار التوترات بين إيران وإسرائيل، مما يهدد إمدادات الطاقة العالمية. تصرحات ترامب المتكررة تشير إلى خيبة أمل أمريكية من الحلفاء، مما يعكس تخوفات جدية بشأن مستقبل العلاقات عبر الأطلسي ونظام الأمن العالمي.

تقارير | شاشوف

في اتجاه قد يغير المشهد الجيوسياسي والأمني للعالم، أصدرت الإدارة الأمريكية تحذيراً حاداً لحلفائها الأوروبيين في حلف شمال الأطلسي، مطالبة إياهم بوضع خطط عملياتية وتقديم تعهدات عسكرية ملموسة لحماية الملاحة في مضيق هرمز.

ووفقاً لتقرير اطلع عليه «شاشوف» من وكالة «بلومبيرغ»، فقد منحت واشنطن حلفاءها فترة زمنية لا تتجاوز بضعة أيام لترجمة التزاماتهم إلى أفعال على الأرض، وذلك بعد بدء هدنة هشة دامت 14 يوماً بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.

هذا التحرك المفاجئ من الولايات المتحدة يضع capitals الأوروبيين أمام تحدٍ سياسي وعسكري غير مسبوق منذ تأسيس الحلف، خصوصاً في ظل استمرار إغلاق المضيق الذي يعد شريان الحياة للاقتصاد العالمي.

تأتي هذه الضغوط الأمريكية في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط تشابكاً معقداً غير مسبوق. فرغم إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن اتفاق لوقف إطلاق النار المؤقت، القائم على وقف الهجمات المتبادلة وفتح الممر المائي الاستراتيجي، إلا أن الوضع على الأرض لا يزال مشتعلًا.

تتجلى الفجوات بين التصريحات الدبلوماسية لنحو 12 زعيماً أوروبياً تعهدوا بالمساهمة في حماية الملاحة، وبين الحقائق العسكرية القاسية، حيث تستمر إيران في توجيه ضربات لدول الخليج، فيما تقوم إسرائيل بشن أعنف عملياتها الجوية على لبنان. وتعتبر طهران هذه الغارات الإسرائيلية على «حزب الله» بمثابة «انتهاك صارخ لوقف إطلاق النار»، مما يبقي مضيق هرمز مغلقًا فعليًا أمام حركة الناقلات.

وقد تجلت ذروة هذا التوتر من خلال سلسلة من المباحثات المشحونة في واشنطن، حيث خاض الأمين العام للناتو، مارك روته، مناقشات مغلقة وصعبة في البيت الأبيض والبنتاغون ووزارة الخارجية. الإدارة الأمريكية، التي تشعر بخيبة أمل عميقة من حلفائها، لم تعد تكتفي ببيانات التضامن؛ فقد رفضت العديد من الدول الأوروبية في الأسابيع الأخيرة السماح للقوات الأمريكية باستخدام قواعدها العسكرية لضرب إيران، وأبرزها إسبانيا التي أغلقت مجالها الجوي.

هذا ‘الدعم المتأخر’ والمتردد، حسب التوصيف الأمريكي، دفع واشنطن إلى وضع الحلفاء أمام خيارين أحلاهما مر: إما الانخراط في عمل عسكري مباشر وسريع لتأمين هرمز، أو تحمل تبعات انهيار مظلة الأمن الجماعي الغربي.

تصدع التحالف الغربي

لم تقتصر تداعيات الحرب على إيران على تعطيل إمدادات الطاقة، بل امتدت لتضرب في صميم وحدة حلف الناتو، حيث زاد الرئيس ترامب من انتقاداته اللاذعة لشركائه الأوروبيين. في تدوينة غاضبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بعد اجتماعه مع الأمين العام للحلف، قال ترامب حسب قراءة شاشوف: «لم يكن الناتو موجوداً عندما احتجنا إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

هذه التصريحات التي أوردتها «بلومبيرغ» تعكس حالة من العداء المتزايد داخل الإدارة الأمريكية تجاه أوروبا، حيث سبق وأن وصف ترامب دولاً أعضاء بـ«الجبناء»، واعتبر التحالف مجرد «نمر من ورق» يستنفد موارد أمريكا دون مقابل حقيقي في الأزمات.

مارك روته، المعروف في الأوساط الدبلوماسية بـ«مُروّض ترامب»، يواجه التحدي الأكبر في مسيرته السياسية. فبعد نجاحه السابق في تهدئة أزمات متعددة، كأزمة الإنفاق الدفاعي والخلاف حول جزيرة جرينلاند، يجد نفسه اليوم مطالبًا بمنع انهيار التحالف العسكري بالكامل.

خلال لقائه بوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، حاول روته ترميم الثقة، مناقشًا مواضيع شائكة مثل حرب إيران والصراع في أوكرانيا، فضلاً عن الحاجة لتوزيع عادل للأعباء العسكرية، لكن يبدو أن المزاج العام في واشنطن غير مستعد للتسويات الشكلية.

وتتبنى الإدارة الأمريكية موقفًا موحدًا وصارمًا؛ حيث تواصل كبار المسؤولين، بمن فيهم الوزير روبيو وسفير أمريكا لدى الناتو ماثيو ويتاكر، التأكيد على ضرورة أن تُظهر الدول الأعضاء «أهميتها الاستراتيجية» لواشنطن.

هذا الضغط المنهجي يتزامن مع تصريحات ترامب الصريحة في مقابلة مع صحيفة «تليجراف» حول إمكانية انسحاب أمريكا من الحلف، ما يشير إلى أن مطالب المشاركة في هرمز ليست مجرد دعوة لدعم تكتيكي، بل هي مقياس أمريكي أساسي لإعادة تقييم جدوى العلاقات عبر الأطلسي.

هدنة هشة ومعضلة تأمين المضيق

عمليًا، يبدو أن المطلب الأمريكي بتقديم خطط أمنية في غضون أيام هو ‘المهمة المستحيلة’ بالنسبة للأوروبيين. فخلق قوة بحرية قادرة على مواجهة التهديدات الإيرانية في ممر مائي ضيق ومعقد كالهرمز يحتاج إلى تنسيق لوجستي وعسكري طويل الأمد، وليس لأيام قلائل.

رغم وجود تحالف بحري تقوده بريطانيا يضم أكثر من 40 دولة، إلا أن تحويل هذه التحالفات الورقية إلى تشكيل عسكري فعال وسط بيئة قتالية قائمة، يواجه صعوبات بسبب الترددات السياسية الأوروبية، خاصة مع استمرار القتال بلا توقف.

تظهر التناقضات الدبلوماسية كعائق رئيسي أمام أي تحرك مشترك؛ فقد تضغط واشنطن عسكرياً على حلفائها، مع فتح مسار تفاوضي متوازي لضمان مصالحها. من المقرر أن يقود نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، وفداً رفيع المستوى إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد لإجراء محادثات سرية مع مسؤولين إيرانيين يوم السبت حسب متابعات شاشوف. هذه الازدواجية الأمريكية – حيث تقوم بتحشيد الحلفاء للمواجهة من جهة وتفاوض الخصم من جهة أخرى – تزيد من شكوك العواصم الأوروبية وتجعلها أكثر حذرًا في الانخراط بأساطيلها في حرب قد تنتهي بصفقة ثنائية مفاجئة.

في ظل هذا الانسداد، يبقى مضيق هرمز هو الضحية الأكبر والصاعق الذي قد يفجر الاقتصاد العالمي. فالشريان الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا لا يزال مغلقاً، مما أدى إلى زيادات كبيرة في أسعار الطاقة وتهديد بنقص وشيك وحاد في إمدادات الوقود. إن استخدام إيران للمضيق كرهينة عسكرية في مفاوضاتها يضع التحالف الغربي أمام خيار حتمي: إما كسر الحصار بالقوة العسكرية المشتركة، أو قبول شروط طهران كواقع.

من زاوية استراتيجية أوسع، يمكن القول إن حرب إيران وأزمة مضيق هرمز قد تحولت من صراع إقليمي إلى أزمة هوية وجودية تضرب أسس النظام العالمي الذي تقوده أمريكا.

عجز حلف الناتو عن اتخاذ موقف موحد، والتهديد الأمريكي المستمر بتفكيك الحلف، يثبتان أن العولمة الأمنية الغربية تعاني من تصدعات هيكلية عميقة. يدرك الأوروبيون الآن أن واشنطن لم تعد مستعدة لدفع فاتورة حماية الممرات المائية بمفردها، وأن عصر الاعتماد الكلي على البحرية الأمريكية لتأمين سلاسل الإمداد قد ولى إلى غير رجعة.


تم نسخ الرابط