الأزمة المالية العالمية: خسائر التأمين من البحر إلى الجو والأسواق الائتمانية – بقلم قش


شهد قطاع التأمين العالمي موجة إعادة تسعير مخاطر معقدة بسبب تصاعد الأزمات الجيوسياسية، خاصة في منطقة الخليج. قد يصل الانكشاف المحتمل للقطاع نتيجة الحرب إلى 160 مليار دولار. ارتفعت علاوات التأمين البحري بشكل كبير، مما أدى إلى زيادة تكاليف الشحن. الضغط امتد أيضًا إلى قطاعات الطاقة والطيران، حيث طال ارتفاع الأسعار شروط التغطية. وحذرت وكالتا ‘موديز’ و’فيتش’ من مخاطر متزايدة إذا استمر الصراع. رغم التحديات، تظل سوق التأمين البحري في لندن مقصداً رئيسياً، لكن بتكاليف مرتفعة، مما يكشف عن تحول هيكلي في تقييم المخاطر.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

شهد قطاع التأمين العالمي واحدة من أكثر موجات إعادة تسعير المخاطر تعقيداً في العقد الأخير، حيث طالت التحولات القاسية مجالات التأمين البحري والسيادي والطيران والطاقة. وذلك في ظل اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز وزيادة المخاطر الجيوسياسية المتعلقة بالصراع الإيراني. وفق تقييمات سوقية حصلت عليها “شاشوف” من موقع (Law360)، يُقدَّر إجمالي الانكشاف المحتمل لقطاع التأمين وإعادة التأمين بسبب الحرب بحوالي 160 مليار دولار، مما يعكس تأثير الصدمة في أحد القطاعات الأكثر حساسية لتقلبات الجغرافيا السياسية.

تمثلت أبرز التأثيرات المباشرة للحرب في التأمين البحري، وخصوصاً في منطقة الخليج ومضيق هرمز، حيث ارتفعت علاوات مخاطر الحرب بشكل كبير من حوالي 0.25% إلى مستويات تصل إلى 3% في بعض الحالات، بحسب تقديرات شركة جيفريز. وهذا يعني أن ناقلة نفط بقيمة 250 مليون دولار قد تتحمل علاوة تأمين إضافية قدرها 7.5 ملايين دولار.

تشير بيانات شركة “مارش” إلى أن أسعار التأمين الحالية تتراوح بين 1% و1.5% حسب مسار السفن، سواء في الاتجاه شرق أو غرب مضيق هرمز، مما يؤكد استمرار حالة عدم الاستقرار في التسعير التأميني. وتكشف مصادر نقلت عنها رويترز أن بعض العقود السيادية شهدت ارتفاعات ملحوظة دفعت دولاً مثل الهند لتقديم ضمانات سيادية وصناديق دعم لتغطية كلفة التأمين المرتفعة على الشحن البحري.

تأثيرات على الطيران والطاقة والائتمان

لم يقتصر الضغط على قطاع الشحن البحري، بل انتشر أيضاً ليشمل الطيران والطاقة والائتمان التجاري، وفقاً لمناقشات شاشوف. حيث بدأت شركات الطيران تواجه زيادة في كلفة التأمين على هياكل الطائرات والمطارات والمسؤوليات التشغيلية. ويشير الخبراء إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في ارتفاع الأسعار، بل في تشديد شروط التغطية التأمينية، مما يزيد من كلفة التشغيل ويؤثر على أرباح شركات الطيران والشحن الجوي.

فيما انعكست زيادة كلفة التأمين على الطاقة في العقود الآجلة وسلاسل الإمداد، وتمديد الأثر إلى الائتمان التجاري، حيث أدت زيادة كلفة التأمين إلى رفع متطلبات الضمانات وتعقيد عمليات التمويل، مما خلق نمطاً مشابهاً لـ ‘دومينو مالي’ يبدأ من البحر وينتهي في الأسواق الائتمانية.

تقدّر شركة “غاي كاربنتر” حجم الانكشاف التأميني على الحرب في الشرق الأوسط بحدود: 70 إلى 80 مليار دولار للأصول البرية، و45 مليار دولار للأصول البحرية، ونحو 35 مليار دولار لقطاع الطيران، وفقاً للاطلاع من شاشوف. وفي نفس السياق، قدّرت وكالة “موديز” للتصنيف الائتماني أن الخسائر الحالية يمكن احتواؤها إذا استمرت الحرب لفترة قصيرة، لكنها حذّرت من أن استمرار النزاع يمكن أن يسفر عن زيادة كبيرة في المطالبات التأمينية. من جانبها، أشارت وكالة “فيتش” إلى أن معظم وثائق التأمين تستثني مخاطر الحرب، غير أن استمرار الصراع يضغط على قيمة الأصول ويزيد من احتمالات الخسائر غير المباشرة.

في مواجهة المخاطر المتزايدة، اتجهت شركات إعادة التأمين العالمية إلى إعادة تسعير شاملة لبرامجها، مع تشديد شروط التغطية بدلاً من الانسحاب من المنطقة. تشير تحليلات “هاودن ري” إلى أن السوق يشهد إعادة تسعير انتقائية تركز على تراكم المخاطر، خصوصاً في الممرات البحرية ومنشآت الطاقة، مع وضع حدود صارمة للتغطية في حالة إغلاق الممرات أو استهداف البنية التحتية الحيوية. كما بدأت شركات إعادة التأمين بتقييم شامل لبرامج الشرق الأوسط قبل تجديدات منتصف العام، في محاولة للحد من التعرض للمخاطر المركبّة.

في دول الخليج، تلاحظ “فيتش” أن شركات التأمين تعتمد بشكل كبير على إعادة التأمين العالمية، مما يقلل من تعرضها المباشر، لكنها تبقى عرضة لتداعيات غير مباشرة مثل التضخم وارتفاع كلفة قطع الغيار وتعطل سلاسل التوريد. وتشير “إس آند بي غلوبال” إلى أن شركات التأمين الخليجية لا تزال قوية من حيث الرسملة، لكنها تواجه ضغوطاً متزايدة في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز لفترات طويلة.

أما في إيران، فإن الوضع أكثر هشاشة بسبب العزلة عن أسواق إعادة التأمين العالمية. وكشفت تقارير اطلعت عليها شاشوف أن شركة التأمين الحكومية قدّمت ما يعادل 114 مليون دولار كتعويضات منذ بداية الحرب، وهو رقم يعكس عبئاً مالياً متزايداً في ظل غياب شبكات الأمان الدولية.

برغم التغيرات العميقة في السوق، تُظهر رويترز أن سوق التأمين البحري في لندن، برئاسة مؤسسة لويدز، لا يزال يحتفظ بدوره المركزي عالمياً في تأمين الشحن البحري المرتبط بالخليج، لكن تلك المهمة أصبحت أكثر تكلفة وحذراً، مع ارتفاع أقساط مخاطر الحرب في بعض الحالات بأكثر من 1000%، مما يعكس تحوّلاً هيكلياً في تقييم المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية القريبة من إيران.

تكشف التطورات العامة أن الحرب قد ضربت هيكل سوق التأمين العالمي، بدءاً من التأمين البحري وصولاً إلى إعادة التأمين والائتمان التجاري والطيران والطاقة. ومع استمرار حالة عدم اليقين في مضيق هرمز وبقاء المخاطر الجيوسياسية مرتفعة، يبدو أن قطاع التأمين العالمي دخل مرحلة جديدة من التسعير الدائم للحرب.


تم نسخ الرابط