اقتراح عماني لإعادة تحديد قواعد الملاحة ويعرض العالم لمعادلة اقتصادية جديدة تمامًا – شاشوف


تتجه الأنظار إلى مضيق هرمز في سياق مناقشات جديدة حول كيفية إدارة وتأمين الملاحة فيه بعد التوترات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران. سلطنة عمان اقترحت آلية جديدة لتمويل الخدمات الملاحية، محورها ضرورة استدامة الأمن الملاحي. هذه الخطوة قد تعيد تشكيل إدارة المضيق الذي يمثل شرياناً أساسياً للتجارة العالمية، حيث يُعبر منه نحو خمس تجارة النفط. وعلى الرغم من المخاوف الغربية من تعزيز النفوذ الإيراني، فإن النقاشات القانونية والاقتصادية تسعى لتحقيق توازن بين حرية الملاحة وتأمين الموارد اللازمة لتطوير البنية التحتية البحرية.

أخبار الشحن | شاشوف

تجاوز النقاش حول مضيق هرمز مسائل حماية الملاحة ومنع تصعيد عسكري، ليتعمق في موضوع أكثر أهمية: من سيقوم بإدارة هذا الممر البحري الحيوي ومن سيتحمل تكاليف تأمينه في الفترة التالية للحرب الأمريكية الإيرانية.

بعد أشهر من الاضطرابات في أحد أبرز ممرات الطاقة في العالم، ظهرت مبادرة من سلطنة عُمان لإنشاء آلية جديدة لتمويل الخدمات البحرية في المضيق، مما يفتح المجال لنقاشات سياسية وقانونية واقتصادية قد تغير شكل إدارة هذا الممر للمرة الأولى منذ عقود.

وكشفت صحيفة نيويورك تايمز في تقرير مفصل رصدته “شاشوف” أن سلطنة عُمان وإيران تتباحثان بشأن آلية جديدة لتنظيم الخدمات المقدمة للسفن المارة بمضيق هرمز، مما قد يعيد تشكيل إدارة أحد أهم الممرات البحرية على مستوى العالم.

تأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه التفاهمات بين واشنطن وطهران في مرحلة غير مستقرة، إذ تواصل المفاوضات للتحول من وقف إطلاق النار المؤقت إلى اتفاق طويل الأمد يعيد الاستقرار إلى الخليج. بينما ترى سلطنة عُمان أن الأحداث الأمنية الأخيرة أثبتت الحاجة إلى آليات تمويل مستدامة لضمان سلامة الملاحة والاستجابة للطوارئ البحرية، تنظر أطراف أخرى إلى أي رسوم جديدة باعتبارها سابقة قد تعيد تشكيل قواعد المرور في واحد من أهم الممرات البحرية للاقتصاد العالمي.

حسب ما أفادت به صحيفة نيويورك تايمز، فإن المقترح العُماني تم طرحه أمام الولايات المتحدة وعدد من الحلفاء الغربيين، في حين لا تزال تفاصيل آلية التطبيق قيد المناقشة على الصعيدين الدبلوماسي والقانوني.

تتزايد حساسية هذا المقترح إذ إن مضيق هرمز لا يعد ممرًا إقليميًا فقط، بل هو شريان يتدفق من خلاله نحو خمس تجارة النفط العالمية وكميات هائلة من الغاز الطبيعي المسال، كما تعتمد عليه اقتصادات الخليج بشكل رئيسي لتصدير النفط والغاز إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية.

لذا، فإن أي تغيير في إدارة المضيق أو تكاليف استخدامه سيكون له آثار مباشرة على شركات الشحن وأسواق الطاقة والتجارة الدولية، حتى لو قدمت الرسوم تحت مسمى ‘خدمات ملاحية’ بدلاً من رسوم عبور.

من حرية الملاحة إلى رسوم الخدمات.. لماذا ظهر المقترح الآن؟

أظهرت الحرب الأخيرة أن أمن الملاحة في مضيق هرمز لم يعد مجرد قضية عسكرية، بل تحول إلى ملف اقتصادي يتطلب استثمارًا مستمرًا في المراقبة والإنقاذ والاستجابة للتلوث البحري وإدارة الممرات البحرية. خلال شهور التوتر، اضطرت السفن التجارية لتغيير مساراتها، وزادت تكاليف التأمين والنقل، مما أثر بشكل واضح على حركة التجارة، ودفع سلطنة عُمان لطرح فكرة إنشاء آلية تمويل أكثر استدامة.

تستند الفكرة إلى تجارب ناجحة في ممرات بحرية دولية أخرى، مثل مضيقا ملقا وسنغافورة، حيث تشارك الحكومات وشركات الملاحة والجهات المستفيدة في تمويل برامج السلامة البحرية، دون أن يتحول ذلك إلى رسوم عبور إلزامية تفرض على السفن مقابل حق المرور.

يدعم مؤيدو هذا النموذج أنه يحقق توازنًا بين الحفاظ على مبدأ حرية الملاحة المنصوص عليه في القانون الدولي، وتوفير الموارد اللازمة لتطوير البنية التحتية البحرية وتعزيز إجراءات السلامة.

ومع ذلك، تواجه محاولة نقل هذا النموذج إلى مضيق هرمز تعقيدات مختلفة عن التجارب الآسيوية، كما يشير تقرير شاشوف، إذ يقع المضيق في قلب منطقة جيوسياسية حساسة للغاية، بالإضافة إلى أن الحرب الأخيرة أضافت أبعادًا سياسية تتجاوز الاعتبارات الفنية.

لذلك، فإن أي آلية جديدة لن تقاس فقط بقدرتها على تمويل الخدمات البحرية، بل أيضًا بمدى قبولها من القوى الكبرى والدول الخليجية، وقدرتها على تجنب تحويل المضيق إلى أداة ضغط سياسي أو اقتصادي مستقبلاً.

أمريكا وإيران بين حرية الملاحة ومصالح النفوذ.. معركة تفاوض تتجاوز الرسوم

لقد أثار المقترح العُماني نقاشات واسعة في الأوساط الغربية، حيث تخشى الولايات المتحدة أن يؤدي إقرار أي آلية مالية مرتبطة بعبور السفن إلى تعميق نفوذ إيران في أحد أبرز الممرات البحرية. من جانبه، يرى الجانب الإيراني أن الحرب الأخيرة غيرت قواعد اللعبة، وأمن المضيق لم يعد مسألة يمكن فصلها عن التكاليف التي تتحملها الدول المحيطة.

في هذا الإطار، أكدت صحيفة نيويورك تايمز على أن المقترح أصبح جزءًا من المناقشات المتعلقة بالترتيبات ما بعد الحرب، وسط استمرار الاتصالات بين الأطراف المعنية لإيجاد صيغة تضمن انسيابية التجارة وتقلل من احتمالات التصعيد.

من الناحية القانونية، يميز خبراء الملاحة البحرية بين فرض رسوم على حق العبور، وهو ما قد يتعارض مع المبادئ المنظمة للمضائق الدولية، وبين تحصيل مساهمات أو رسوم مقابل خدمات فعلية مثل الإرشاد البحري، والاستجابة لحالات الطوارئ، ومكافحة التلوث، وتأمين الممرات الملاحية.

لذلك، يتركز الجدل الحالي حول طبيعة هذه المدفوعات وآلية إدارتها، حيث يتساءل البعض عما إذا كانت ستكون طوعية أو إلزامية، ومن هي الجهة المسؤولة عن إنفاقها، وهي تفاصيل ستحدد مدى قبول المجتمع الدولي لأي ترتيب جديد.

تمتد القضية إلى بُعد الاقتصاد العالمي أيضا، حيث أن شركات الشحن وأسواق التأمين لا تنظر فقط إلى قيمة الرسوم المحتملة، بل إلى ما إذا كانت هذه الترتيبات ستؤدي إلى استقرار طويل المدى في حركة الملاحة.

لقد أظهرت السنوات الأخيرة أن تكاليف الاضطرابات الأمنية وتأخر الشحنات وارتفاع أسعار التأمين قد تكون أعلى بكثير من أي رسوم محدودة فرضت مقابل خدمات تعزز أمان العبور، مما يجعل مستقبل المضيق مرتبطًا بقدرة الأطراف على بناء إطار يحقق ثقة الأسواق.