أزمة السيولة: الجمود المالي يعرقل الأنشطة الاقتصادية والتجارية في عدن – شاشوف


تشهد مناطق حكومة عدن في اليمن تدهورًا اقتصاديًا متسارعًا بسبب أزمة حادة في السيولة النقدية، مما يؤثر سلبًا على الأنشطة التجارية والمعيشية. أصبحت السيولة عنصرًا نادرًا، رغم وجود أموال في النظام المالي، مما يعود لعدم الثقة في القطاع المصرفي. العديد من الشركات تواجه صعوبات في دفع الرواتب، ما يهدد بزيادة الفقر والبطالة. وقد اتخذت الحكومة بعض الإجراءات مثل رفع أسعار الفائدة، لكنها لم تحقق النتائج المرجوة. في ظل الأوضاع الحالية، تحذر الأمم المتحدة من تفاقم الأزمة الإنسانية، مع احتمال انهيار أنظمة حيوية مرتبطة بالغذاء والصحة.

الاقتصاد اليمني | شاشوف

تتزايد مؤشرات التراجع الاقتصادي في مناطق حكومة عدن مع تفاقم أزمة السيولة النقدية، وسط تحذيرات متكررة من آثار معيشية واجتماعية خطيرة قد تدفع الاقتصاد إلى مزيد من الانكماش والاضطراب المالي.

وحسب تقرير نشره موقع “يورو نيوز” الأوروبي، فإن شح السيولة الذي زاد خلال الأسابيع الأخيرة يؤثر بشكل مباشر على الأنشطة الاقتصادية والتجارية، مما أدى إلى تباطؤ حركة الأموال وارتفاع حالة القلق لدى المواطنين والشركات، بالإضافة إلى تزايد عجز المؤسسات المالية في تلبية الاحتياجات اليومية للسوق.

تحولت الأزمة إلى أزمة معيشية تمس الحياة اليومية للمواطنين والشركات والموظفين. ففي محافظة مأرب، أفاد موظفون في القطاع الخاص بأن عدداً من الشركات تواجه صعوبة في صرف الرواتب بانتظام، فيما اضطرت مؤسسات أخرى إلى تأجيل أو تعليق المدفوعات بسبب نقص النقد المتوافر.

أصبحت السيولة النقدية نفسها سلعة نادرة، رغم وجود أموال وأرصدة داخل النظام المالي، إذ لا تتعلق الأزمة الحالية فقط بنقص العملة، بل أيضاً بتعطل الدورة النقدية وفقدان الثقة في القطاع المصرفي.

وحسب وكالة “شينخوا” الصينية، يحذر اقتصاديون من أن استمرار الوضع قد يدفع المزيد من الشركات إلى تقليص أعمالها أو تسريح موظفين، مما يعني ارتفاع البطالة وزيادة الفقر والانهيار المعيشي في بلد يعتمد ملايين من سكانه على الرواتب والتحويلات والمساعدات الإنسانية.

فجوة جسيمة بين حجم الاقتصاد والسيولة المتاحة

وفقاً للمحلل الاقتصادي وفيق صالح، فإن جذور الأزمة تتعلق باضطراب الدورة النقدية وضعف فاعلية السياسات المالية والنقدية، بالإضافة إلى حالة عدم اليقين التي دفعت الأفراد وشبكات الصرافة إلى احتجاز الأموال خارج البنوك.

يساهم هذا السلوك في سحب كميات كبيرة من النقد من السوق ومنع عودتها إلى الدورة الاقتصادية، مما يفسر المفارقة الحالية، وهي أن الاقتصاد يعاني من نقص حاد في السيولة رغم تضخم الكتلة النقدية الاسمية خلال السنوات الماضية.

وفي هذا السياق، أشار مركز المخا للدراسات الاستراتيجية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الاسمي ارتفع من نحو 9.9 تريليونات ريال إلى أكثر من 36 تريليون ريال بين 2017 و2025، بينما زاد النقد المتداول خارج البنوك من 1.53 تريليون ريال إلى 3.27 تريليونات ريال.

يظهر أن النشاط الاقتصادي والأسعار والطلب النقدي تضخمت بوتيرة أسرع بكثير من زيادة السيولة المتاحة فعلياً في الأسواق، مما خلق فجوة نقدية واسعة أدت إلى شلل متزايد في حركة الأموال.

يشير المركز إلى أن الاختلال تفاقم بشكل أكبر بين 2022 و2025، حيث لم تتجاوز زيادة النقد المتداول 4%، بينما ارتفع الناتج المحلي الاسمي بنسبة 37%، مما يعكس اتساع الأزمة بصورة خطيرة خلال السنوات الماضية.

الأسواق الموازية تبتلع النظام المصرفي

تظهر إحدى أخطر تداعيات الأزمة في انتقال جزء متزايد من السيولة إلى الأسواق الموازية وشبكات الصرافة خارج النظام المصرفي الرسمي، مما أضعف قدرة البنوك على أداء وظائفها الأساسية.

ووفق شينخوا، يؤكد اقتصاديون أن حالة الانقسام المالي والنقدي التي تعاني منها البلاد منذ سنوات الحرب أسهمت في تآكل الثقة بالبنوك، ودفع المواطنين والتجار إلى الاحتفاظ بالنقد خارج المؤسسات الرسمية، سواء خوفاً من الانهيار أو بسبب صعوبة السحب والتحويلات.

كما جعل اعتماد الاقتصاد اليمني بشكل كبير على المساعدات الخارجية والتحويلات المالية من الاقتصاد أكثر هشاشة أمام أي اضطراب مالي أو سياسي، خاصة في ظل تراجع التدفقات الخارجية وتفاقم الانقسام المؤسسي بين صنعاء وعدن.

في محاولتها لاحتواء الأزمة، اتخذت حكومة عدن إجراءات شملت رفع أسعار الفائدة (بنسبة 18% على الودائع الجديدة)، وإلزام بعض البنوك بتوفير العملات الأجنبية، وضخ الريال السعودي في السوق لتغطية الرواتب، بجانب الامتناع عن طباعة عملة جديدة.

ومع ذلك، لا تزال هذه الإجراءات عاجزة عن معالجة جذور الأزمة المرتبطة بانعدام الثقة وضعف القطاع المصرفي والانقسام الاقتصادي العميق.

قال محمد الجماعي، مستشار لدى حكومة عدن، إن السلطات تسعى لإعادة تنشيط الدورة النقدية وتحسين حركة الأموال داخل السوق، لكنه أقرّ بأن النتائج ما تزال محدودة، مع الحاجة إلى تنسيق أكبر مع بنك عدن المركزي وتشديد الرقابة المصرفية.

يدعو الاقتصاديون والمراكز الاقتصادية إلى تبني سياسات اقتصادية أوسع تشمل إعادة بناء الثقة في القطاع المصرفي، وضبط الأسواق الموازية، وضمان انتظام صرف الرواتب والإيرادات العامة، بالإضافة إلى تسريع إنشاء نظام وطني موحد للمدفوعات الرقمية للحد من الاعتماد على النقد الورقي.

تأتي هذه التطورات في وقت حذرت فيه الأمم المتحدة من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن خلال عام 2026، مع تهديد أكثر من 18 مليون شخص بالجوع الشديد نتيجة تدهور الأوضاع المعيشية وتراجع التمويل الإنساني، وفق تتبّع شاشوف، معتبرةً أن استمرار الانهيار الاقتصادي والنقدي قد يؤدي إلى انهيار أنظمة حيوية مرتبطة بالغذاء والصحة والخدمات الأساسية.

تظهر أزمة السيولة المستمرة منذ أشهر أن الاقتصاد اليمني دخل مرحلة أكثر خطرًا من مجرد تراجع العملة أو ارتفاع الأسعار، إذ يواجه احتمال الانكماش النقدي الحقيقي، حيث تصبح الأموال غير متوفرة بالقدر الكافي لتسيير النشاط الاقتصادي اليومي. ومع غياب حلول جذرية حتى الآن، يُخشى أن تتحول الأزمة إلى موجة انهيار اقتصادي أوسع قد تمتد آثارها إلى سوق العمل والخدمات الأساسية والأمن الغذائي، في بلد يعيش بالفعل على حافة الكارثة الإنسانية.