أزمات الطاقة والمياه تؤثر سلباً على مناطق الحكومة اليمنية ووزارة النفط تعترف بالخلل وتؤكد استيراد الغاز المنزلي – شاشوف
تشهد عدن أزمة خانقة في الكهرباء، الغاز المنزلي، والمياه، مما يزيد الضغوط على السكان في ظل ارتفاع درجات الحرارة. تعاني المدينة من انقطاعات كهربائية تستمر لأكثر من 12 ساعة يومياً، ورغم دعم سعودي لقطاع الكهرباء، لم تتحسن الخدمة. كما يعاني المواطنون من صعوبات للحصول على المياه، ويضطر الكثيرون إلى شراء المياه بأسعار مرتفعة. أزمة الغاز تتسبب في طوابير انتظار طويلة، وارتفاع الأسعار الإجمالية. هذه الأزمات تتداخل مع بعضها، ما يؤدي لتدهور الظروف المعيشية والصحة العامة للسكان، وسط احتجاجات متزايدة تطالب بتحسين الخدمات.
الاقتصاد اليمني | شاشوف
لا تزال مدينة عدن تمر بعاصفة ‘ثورة الفرشان’، حيث تتزامن أزمة الكهرباء الطاحنة مع أزمتين أخريين هما نقص الغاز المنزلي والمياه بصورة غير مسبوقة. هذا الوضع يزيد الضغوط المعيشية على السكان، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة وعجز حكومة عدن عن معالجة التدهور. يعيش مئات الآلاف من المواطنين واقعًا قاسيًا يتمثل في انقطاع الكهرباء لفترات طويلة، وشح المياه، وصعوبة الحصول على الغاز المنزلي، وهو ما ينعكس سلبيًا على الأوضاع الصحية والإنسانية والاقتصادية في المدينة.
تُعتبر أزمة الكهرباء العبء الأكبر على كاهل سكان عدن، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة إلى حوالي 40 درجة مئوية. تستمر انقطاعات الكهرباء لأكثر من 12 ساعة يوميًا في بعض المناطق، بينما يبلغ تبقى زمن التشغيل ساعتين فقط، وفقًا لتقارير من شاشوف. ورغم إعلان السعودية في 31 مايو الماضي عن تقديم منحة بقيمة 150 مليون دولار لدعم قطاع الكهرباء في اليمن حتى نهاية 2026، إلا أن المواطنين لم يشعروا بتحسن ملحوظ في الخدمة، وظلت مشكلة الانقطاع الطويل سمة مُلحّة في الحياة اليومية.
تمتد آثار الأزمة إلى مختلف جوانب الحياة، حيث يؤثر نقص الكهرباء بشكل مباشر على الخدمات الصحية والمعيشية، ويعاني الأطفال وكبار السن والمرضى في ظل ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة. أدى غياب الكهرباء إلى لجوء العديد من الأسر إلى أنظمة الطاقة الشمسية، لكن تكلفتها العالية تجعلها بعيدة المنال بالنسبة لشريحة واسعة من المواطنين، بالإضافة للمخاطر المرتبطة ببعض البطاريات التي تسببت في حرائق منازل في الفترة الأخيرة.
تشير إفادات السكان المحليين إلى تزايد حالات الحميات والأمراض الفيروسية والالتهابات الجلدية، خاصة خلال موجات الحرارة، في حين أصبحت المراكز التجارية والشوارع المكان الوحيد لكثير من الأسر الباحثة عن قدر من البرودة بعد أن تحولت الكهرباء إلى حلم يومي يترقبونه لساعات قبل أن تنقطع مجددًا. كما تسبب توقف محطة الرئيس نتيجة أزمة الوقود في تفاقم الأزمة واستمرار تدهور الخدمات.
اعترفت حكومة عدن بوجود اختلالات واسعة في تسعير وتوزيع الغاز المنزلي في المحافظات الجنوبية، في وقت تتزايد فيه أزمات الوقود والغاز في عدن وتعز وغيرها من المناطق، وسط شكاوى شعبية من الارتفاع الكبير للأسعار وغياب الرقابة الفعّالة على الأسواق ومحطات التوزيع.
اعتراف رسمي بوجود اختلالات في التسعير والتوزيع
في هذا السياق، قال وزير النفط بحكومة عدن، محمد عبدالله بامقاء، في تصريحات تلفزيونية نقلتها شاشوف، إن أسعار الغاز المنزلي لا تصل إلى المواطنين بالسعر الرسمي المحدد، مبرزًا أن هناك ‘خللاً’ في نظام التوزيع والرسوم المفروضة. وأوضح أن السعر الرسمي لأسطوانة الغاز في عدن يبلغ نحو 6,400 ريال، لكنه لا يُطبق فعليًا، بينما تصل الأسعار في تعز إلى أكثر من 15 ألف ريال رغم أن السعر المفترض هناك يبلغ نحو 7,200 ريال.
وأشار الوزير إلى أن الرسوم الإضافية على الغاز تأتي من ‘جهات أخرى’، منها جهات رقابية وسلطات محلية وأطراف عسكرية، مما يدل على وجود تدخلات متعددة تؤثر على وصول الغاز للمستهلك بالسعر الرسمي.
وفي مقابلة مع قناة ‘اليمن’ الرسمية التابعة لحكومة عدن، تحدث الوزير عن توجه حكومي لاستيراد الغاز المنزلي من الخارج، موضحًا أن الإنتاج المحلي لم يعد كافيًا لتغطية احتياجات السوق في المحافظات الجنوبية. إذ يبلغ إنتاج منشأة صافر في مأرب حاليًا نحو 54 مقطورة يوميًا فقط، مقارنة بإنتاج سابق بلغ 128 مقطورة يوميًا قبل قرار صنعاء منع دخول غاز صافر إلى مناطقها والتوجه للاستيراد الخارجي.
وفقًا لبامقاء، كان الإنتاج السابق يغطي السوق اليمنية تقريبًا بما في ذلك مناطق سيطرة حكومة صنعاء. ومع ذلك، أدت التغيرات السياسية والاقتصادية إلى تقليص الكميات المخصصة للاستخدام المحلي، بالإضافة إلى تحويل كميات من الغاز للاستخدام التجاري، مما زاد الضغط على الإمدادات المنزلية.
ورغم حديث وزير النفط عن عدم كفاية الإنتاج المحلي والحاجة إلى الاستيراد، فقد أشار أيضًا إلى تمسك حكومة عدن بمشروع بلحاف لتصدير الغاز الطبيعي المسال. وأضاف أن لقاء جمع الحكومة بالشركة المشغلة وشركاء المشروع في القاهرة الشهر الماضي انتهى إلى تمديد اتفاقية المشروع لعامين إضافيين، مع إعادة النظر في تسعيرة الغاز وتحمل الشركاء خسائر توقف التصدير.
كما تحدث الوزير عن خطة لاستغلال مشروع بلحاف في إنشاء محطة كهرباء غازية بقدرة تصل إلى 1000 ميجاوات، على أن يتم نقل الغاز عبر أنبوب المشروع القائم والاستفادة من وحدة المعالجة التابعة له. وأفاد بأن شركة صافر قد أنجزت نحو 60% من الدراسة الفنية الخاصة بخطوط النقل للمحطة المقترحة.
المياه.. أزمة مرتبطة بانقطاع الكهرباء
تتداخل أزمة المياه بشكل وثيق مع أزمة الكهرباء، حيث يواجه المواطنون صعوبات متزايدة في الحصول على المياه بشكل منتظم. وحسب معلومات من شاشوف، تضطر العديد من الأسر إلى شراء المياه من الصهاريج الخاصة أو الاعتماد على مياه الشرب المعبأة، رغم ارتفاع أسعارها مقارنة بقدرات السكان المالية.
يشكو المواطنون من تأخر وصول المياه إلى منازلهم لفترات طويلة، مما يدفع بعضهم إلى الاعتماد على مياه السبيل أو تعبئة احتياجاتهم من المساجد، خاصة في أحياء مدينة كريتر. وفي المقابل، تؤكد المؤسسة المحلية للمياه والصرف الصحي أن تفاوت وصول المياه بين المديريات يعود إلى اختلاف برامج الضخ وطبيعة التوزيع والظروف التشغيلية.
وفقًا للمؤسسة، تحصل مديرية كريتر على المياه وفق برنامج ضخ يومي يتخلله يوم انقطاع، بينما تصل المياه إلى مديرية المعلا كل أربعة أيام تقريبًا. تعتمد بعض المناطق أيضًا على مضخات أهلية تتأثر بشكل مباشر بانقطاع الكهرباء، مما يزيد من اضطراب الخدمة. وأوضحت المؤسسة، وفقًا لتقرير شاشوف، أن تشغيل منظومة المياه والصرف الصحي يعتمد بشكل كبير على المولدات الكهربائية وعشرات محطات الضخ المنتشرة في المدينة، بينما تستمر حقول المياه الرئيسية في بئر أحمد وبئر ناصر في العمل بصورة مستقرة نسبيًا.
تحصل مديريات المنصورة والشيخ عثمان ودار سعد ومدينة الشعب على المياه يوميًا، في حين تواجه بعض الأحياء المرتفعة في التواهي والمعلا وكريتر وخور مكسر والبريقة صعوبات إضافية بسبب طبيعتها الجغرافية. وأكدت المؤسسة استمرار الجهود لتجنب حدوث أزمات حادة في خدمات المياه والصرف الصحي على الرغم من محدودية الإمكانات.
الغاز المنزلي.. طوابير انتظار وأعباء إضافية
تشمل الأزمة المعيشية أزمة الغاز المنزلي، حيث أصبح الحصول عليه يتطلب ساعات طويلة من الانتظار أمام محطات التعبئة. تشهد عدن طوابير يومية للمواطنين وسائقي المركبات التي تعمل بالغاز، وسط شكاوى من محدودية الكميات المتاحة وارتفاع الأسعار في بعض المحطات التجارية وغير الرسمية.
السعر الرسمي لأسطوانة الغاز في المحطات الحكومية ووكلاء الشركة يبلغ حوالي 9000 ريال، لكن الأسعار ترتفع في بعض المنافذ الأخرى، مما يزيد الأعباء على الأسر محدودة الدخل والعاملين بالأجر اليومي. ويعزو المتابعون استمرار الأزمة لوجود اختلالات في عمليات التوزيع والتلاعب بحصة المحافظة من الغاز، رغم إعلان الشركة اليمنية للغاز في مارس الماضي رفع الحصة الأسبوعية المخصصة لعدن من 32 إلى 65 مقطورة بهدف تحسين الإمدادات.
تنعكس أزمة الغاز بشكل مباشر على قطاع النقل أيضًا، حيث يعتمد عدد كبير من المركبات على الغاز كبديل للوقود التقليدي. يؤكد السائقون أن ساعات الانتظار الطويلة للحصول على الغاز تستنزف جزءًا كبيرًا من وقت العمل والدخل اليومي، بينما تعاني الأسر من صعوبة متزايدة في توفير احتياجاتها المنزلية الأساسية وإعداد وجباتها بصورة طبيعية.
تفاقمت أزمة الغاز والوقود أيضًا خارج عدن. في مدينة تعز، على سبيل المثال، تابع مرصد شاشوف إغلاق العديد من محطات الوقود بعد نفاد المخزونات، بينما اصطفت مئات المركبات أمام المحطات في أمل الحصول على الوقود. يؤكد المواطنون والسائقون أنهم لم يتمكنوا من الحصول على لتر واحد من البنزين، معتبرين أن المحافظة تعاني من تهميش واضح في حصص الوقود والغاز مقارنة بمناطق أخرى.
تسببت الأزمة في شلل جزئي لحركة النقل داخل المدينة وتراجع دخل السائقين الذين يقضون ساعات طويلة في الطوابير بدلًا من العمل. كما تتزايد المخاوف من توسع السوق السوداء في تعز وارتفاع الأسعار بشكل كبير، وسط غياب التدخلات الحاسمة من السلطات المحلية والجهات المختصة لضبط التوزيع ومنع الاحتكار.
تظهر الوقائع الميدانية أن أزمات الكهرباء والمياه والغاز في عدن مترابطة تبدأ من أزمة الوقود التي تؤثر على تشغيل محطات الكهرباء، وتمتد آثارها إلى منظومات المياه والخدمات الأخرى، مما يزيد من تدهور الضغوط المعيشية على المواطنين. ومع استمرار تراجع الخدمات وغياب الحلول الجذرية والمستدامة، يتصاعد السخط الشعبي وتتزايد الدعوات للاحتجاج والتظاهر للمطالبة بتحسين الخدمات وإنهاء المعاناة اليومية التي تبدو الحكومة بعيدة عنها في الوقت الحالي.