آسيا في حالة من الارتباك: تحديات العقوبات الصينية، سباق التخزين، والطرق البديلة للإمداد – بقلم شاشوف


تتجه الدول الآسيوية بسرعة نحو تأمين احتياجاتها من الطاقة بسبب ارتفاع الأسعار وعدم اليقين الجيوسياسي، بما في ذلك تهديدات في مضيق هرمز. تتبنى الاقتصادات الكبرى والناشئة استراتيجيات متنوعة تتضمن تنويع مصادر الطاقة وبناء مخزونات استجابة لتضخم متوقع. تُظهر الصين قوة جديدة برفض العقوبات الأمريكية على النفط الإيراني، بينما تخطط باكستان والسعودية لمرافق تخزين مشتركة. اليابان والهند يعتمدان استراتيجيات جديدة لتأمين إمدادات الطاقة، بينما تتبنى دول أخرى مثل أستراليا وكوريا الجنوبية مسارات شحن بديلة. تعكس هذه التحركات تحول مفهوم الأمن الطاقي في آسيا إلى أداة صراع وتحالفات استراتيجية.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

تسير الدول الآسيوية، من شرق القارة إلى جنوبها، بخطى متسارعة لتأمين احتياجاتها من الطاقة، في ظل بيئة مليئة بعدم اليقين، وزيادة الأسعار، وتهديدات للممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز. هذه الظروف تدفع الاقتصادات الكبرى والناشئة على حد سواء إلى تبنّي استراتيجيات متنوعة تشمل تنويع مصادر الطاقة، وإعادة توجيه مسارات الشحن، وبناء مخزونات استراتيجية، بل وحتى تعديل السياسات النقدية لمواجهة موجة تضخم متوقعة.

يشير تقرير نشرته “بلومبيرغ” واطلعت عليه “شاشوف” إلى أن الصين تعتبر اللاعب الأكثر جرأة، بعد قرارها الغير مسبوق برفض الامتثال للعقوبات الأمريكية المتعلقة بمصافٍ مرتبطة بالنفط الإيراني. تعكس هذه الخطوة تحول بكين من سياسة “الامتثال غير المعلن” إلى مواجهة علنية، مما يضع القطاع المصرفي الصيني في صميم الصراع المالي العالمي.

فالصين، التي كانت سابقاً تسمح لشركاتها بالتخفّي عن العقوبات لتفادي الاحتكاك المباشر مع النظام المالي الأمريكي، تبدو اليوم أكثر استعداداً لتحمل كلفة التحدي، في إطار سعيها لترسيخ استقلالية قرارها الاقتصادي، وتقليل تأثير الأدوات الأمريكية في تنظيم أسواق الطاقة العالمية.

بالتزامن مع هذا التحدي، تسعى باكستان والسعودية لإنشاء خط دفاع نفطي بالتخطيط لبناء مرافق تخزين استراتيجية مشتركة، استجابةً لهشاشة الإمدادات التي أظهرتها الأزمة. فباكستان، التي لا يتجاوز مخزونها الحالي فترة تتراوح بين عشرين وثلاثين يوماً، تفتقر إلى احتياطيات طوارئ قادرة على امتصاص الصدمات، مما يجعلها عرضة لأي انقطاع مفاجئ في تدفقات النفط.

يعكس المشروع المشترك مع السعودية تحولاً جذرياً من نموذج الاعتماد على التدفق المستمر إلى نموذج التخزين الوقائي، وهو تحول يتكرر بصيغ مختلفة في أنحاء القارة، حيث لم يعد تأمين الإمدادات مسألة تجارية بحتة، بل قضية أمن قومي.

خطوات آسيوية لإيجاد بدائل

في سياق البحث المستمر عن البدائل، تتحرك اليابان بخطوات ملحوظة، حيث لجأت إلى شراء النفط الروسي عبر شركة تايو أويل. تعكس هذه الخطوة استعداد طوكيو لكسر بعض القيود التقليدية تحت ضغط الحاجة، فاليابان، التي تعتمد على واردات الطاقة بشكل شبه كامل، تواجه معادلة صعبة بين الالتزامات السياسية والضرورات الاقتصادية، مما يدفعها لتنويع مصادرها بأي وسيلة ممكنة.

أما الهند، فقد تمكنت من تمرير ناقلة غاز عبر مضيق هرمز محملة بنحو 46313 طناً من الغاز البترولي المسال، وهي كمية لا تكفي إلا لنصف يوم من احتياجاتها، لكنها تحمل دلالة رمزية كبيرة، باعتبارها أول شحنة مرتبطة بالهند تعبر منطقة التوتر منذ بدء الحصار، ما يعكس أن تأمين الإمدادات بات يعتمد على “نجاحات جزئية” بدلاً من تدفقات مستقرة.

مع تزايد المخاطر في الممرات التقليدية، بدأت بعض الدول بإعادة رسم خرائط الشحن، حيث لجأت كوريا الجنوبية إلى استخدام البحر الأحمر كمسار بديل لنقل النفط، رغم المخاطر الأمنية المرتبطة بذلك. يعكس هذا التحول أن الدول تبحث عن المسار الأكثر كفاءة والأقل خطورة، في ظل بيئة بحرية مضطربة تمتد من الخليج إلى باب المندب.

في الوقت ذاته، تتحرك أستراليا لتعزيز أمنها الطاقي عبر طرح أراضٍ قرب موانئ رئيسية لبناء مرافق تخزين نفط، في محاولة لتحصين نفسها ضد صدمات مشابهة، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً بأن الاعتماد على الأسواق الفورية لم يعد كافياً في أوقات الأزمات.

أما في جنوب شرق آسيا، فتظهر تداعيات الأزمة بشكل أوضح في المؤشرات الاقتصادية، حيث تسارع التضخم في فيتنام إلى 5.46%، متجاوزاً التوقعات نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وتأثيرها على قطاعات النقل والسلع الأساسية.

وفي تايلاند، تستعد الحكومة للاقتراض بمقدار 400 مليار بات (12.1 مليار دولار) لاحتواء آثار الأزمة، وسط تحذيرات من تباطؤ النمو وارتفاع الضغوط التضخمية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة.

كما تواجه سنغافورة تحديات مباشرة، حيث تعمل مصافيها بنصف طاقتها تقريباً بسبب اعتمادها على نفوط الشرق الأوسط، مما يضغط على أدائها الصناعي وتوقعات النمو. لمواجهة هذه المخاطر، وقعت سنغافورة اتفاقاً مع نيوزيلندا لضمان استمرار تدفق السلع الأساسية خلال الأزمات، في نموذج يعكس صعود مفهوم “التحالفات الاقتصادية الوقائية”.

وفي ماليزيا، يبدو النمو الصناعي القوي الذي تحقق مؤخراً انعكاساً لسلوك دفاعي أكثر منه مؤشراً على انتعاش حقيقي، إذ تسعى الشركات لبناء مخزونات وقائية تحسباً لنقص المواد الخام وارتفاع الأسعار، مما يعني أن هذا النمو قد يكون مؤقتاً وم driven بالقلق من المستقبل بدلاً من كونه نتيجة لطلب مستدام.

في النهاية، تكشف هذه التحركات المتزامنة عن تغيير جذري في مفهوم الأمن الطاقي في آسيا، حيث لم تعد الطاقة مجرد سلعة تُشترى وتُباع، بل أصبحت أداة صراع ومحور تحالفات ومحدداً رئيسياً لمسارات النمو والاستقرار.