خطاب الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير يُعبر عن قلق متزايد في أوروبا بشأن السياسة الخارجية الأمريكية، مشيراً إلى انهيار القيم التي أسست النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية. انتقد شتاينماير سلوك واشنطن، معتبرًا إياه تهديدًا للسلام العالمي، وجعل المقارنة بين الغزو الروسي لأوكرانيا وسلوك الولايات المتحدة دلالة على تحول خطير. تتسم تصريحاته بالشدة، وهو ما يكسر المحظور الأوروبي في الانتقادات المباشرة لأمريكا. تنبه شتاينماير إلى خطر عودة منطق القوة كوسيلة لتصريف السياسة الدولية، داعيًا إلى التفكير في مستقبل يعتمد على القواعد بدلاً من الغرائز.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
لم يكن خطاب الرئيس الألماني الأخير مجرد تدخل بروتوكولي عابر، بل يمثل إعلانًا سياسيًا ثقيل الدلالة عن القلق المتزايد داخل أوروبا تجاه السياسة الخارجية الأمريكية. فعندما يتحدث رئيس الدولة في ألمانيا—حتى وإن كان منصبه شرفياً—بهذه الحدة غير المسبوقة، فإن ذلك يدل على تحول عميق في تقييم أكبر حليف أوروبي لسلوك واشنطن في الساحة الدولية.
وجه الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير انتقادًا قويًا للولايات المتحدة خلال فترة الرئيس دونالد ترامب، محذرًا من أن النظام العالمي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية أصبح مهددًا من الداخل، ليس فقط من أعدائه التقليديين، بل أيضًا من القوى التي شاركت في بنائه وصياغة قواعده.
التصريحات، التي نقلتها رويترز، جاءت بلغة أخلاقية صارمة، حيث شبّه شتاينماير العالم المتجه نحو الفوضى بـ«وكر للصوص»، تشير فيه الدول والمناطق إلى غنائم، وتُدار العلاقات الدولية وفقًا لمنطق القوة المجردة وليس بالقانون أو التوافقات متعددة الأطراف.
تكمن أهمية هذه التصريحات ليس فقط في مضمونها، بل أيضًا في توقيتها ومصدرها. إذ توضح صدورها من دولة تُعتبر ركيزة أساسية في المعسكر الغربي أن الخلاف لم يعد تقنيًا حول سياسات معينة، بل أصبح مسًا بالأسس القيمية للنظام الدولي نفسه، مما يعكس أزمة ثقة تتعمق داخل الغرب.
كسر المحظور الأوروبي في انتقاد واشنطن
لطالما تجنبت القيادات الأوروبية، خاصة الألمانية، توجيه انتقادات مباشرة وشديدة للولايات المتحدة، حتى في ذروة الخلافات السياسية. لكن خطاب شتاينماير كسر هذا المحظور، وخرج عن اللغة الدبلوماسية التقليدية التي تكتفي بالتلميح أو التعبير «الناعم» عن القلق.
الرئيس الألماني، الذي شغل سابقًا منصب وزير الخارجية ويملك خبرة طويلة في إدارة العلاقات الدولية، اختار أن يصنف سلوك واشنطن كخطر بنيوي، وليس مجرد خلاف ظرفي. إذ لم يكن حديثه عن قرار سياسي محدد، بل عن «انهيار في القيم» لدى الشريك الأهم لأوروبا.
وأشار إلى أن الديمقراطية العالمية تتعرض لهجوم غير مسبوق، حيث بدا أن المقصود ليس فقط تصاعد الشعبوية أو الاستبداد في دول أخرى، بل أيضًا استخدام القوة السياسية والاقتصادية لإعادة رسم الخرائط وتغيير الأنظمة خارج الأطر القانونية.
يعكس هذا التحول في الخطاب إدراكًا متزايدًا داخل أوروبا بأن التحالف الغربي لم يعد متماسكًا كما كان، وأن القيم التي شكلت أرضيته المشتركة أصبحت موضع اختبار حقيقي مع عودة منطق الهيمنة الصلبة.
من القرم إلى واشنطن… التصدع يتسع
في خطابه، وضع شتاينماير الغزو الروسي لأوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم كنقطة تحول أولى في النظام العالمي، لكنه لم يتوقف عندها. إذ اعتبر أن السلوك الأمريكي الحالي يمثل «تصدعًا تاريخيًا ثانياً»، وهو توصيف يعكس حجم القلق الألماني.
المقارنة هنا ليست عابرة، فتصنيف الولايات المتحدة—بوصفها مهندسة النظام العالمي منذ 1945—كتهديد لهذا النظام يحمل دلالة سياسية وأخلاقية شديدة الخطورة، مما يعني أن مصدر الخلل لم يعد خارج المنظومة، بل في قلبها.
وتلميح شتاينماير إلى سياسات تغيير الأنظمة والتعامل مع دول بأكملها كملفات نفوذ يعكس انتقادًا مباشرًا لمنطق «القوة أولاً» الذي بات يهيمن على السياسة الخارجية الأمريكية، خصوصاً في عهد ترامب.
هذا التوصيف يعزز القناعة في أوروبا بأن العالم يدخل مرحلة سيولة استراتيجية، حيث تتراجع القواعد وتتصاعد المصالح المجردة، مما يجعل الدول الأصغر عرضة للابتلاع أو التهميش.
غرينلاند وفنزويلا… حين تتحول القوة إلى سياسة معلنة
تأتي تصريحات الرئيس الألماني في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتزامن مع تصعيد غير مسبوق في خطاب الرئيس الأمريكي وأعضاء إدارته بشأن الرغبة العلنية في السيطرة على جزيرة غرينلاند، التي تتمتع بثروات هائلة من النفط والغاز والمعادن النادرة. هذا الخطاب، الذي تجاوز مرحلة التلميح إلى التصريح المباشر، أعاد إلى الواجهة منطق الاستحواذ الجغرافي كأداة سياسية، وهو ما يذكّر بممارسات حقبة ما قبل تأسيس النظام الدولي الحديث.
الحديث الأمريكي المتكرر عن غرينلاند لا يُعتبر في أوروبا نزوة سياسية عابرة، بل إشارة واضحة إلى انتقال واشنطن من الدفاع عن نظام دولي قائم على القواعد، إلى إعادة إنتاج منطق «المجالات الحيوية» والسيطرة على الموارد الاستراتيجية، حتى ولو تعارض ذلك مع سيادة الدول والقانون الدولي. وهذا ما يفسر حدة لهجة شتاينماير، حين حذر من عالم تُعامل فيه الدول والأقاليم كغنائم بيد قوى عظمى محدودة.
ولا يتوقف الأمر عند غرينلاند، إذ تأتي هذه التصريحات أيضًا بعد السيطرة الأمريكية المباشرة على فنزويلا بالقوة، وما رافقها من اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى الولايات المتحدة، في خطوة وصفت في عواصم عديدة بأنها تحدٍ صارخ لكل القوانين والأعراف الدولية. هذا الحدث شكّل، في نظر مراقبين، نقطة تحول خطيرة في السلوك الأمريكي، حيث انتقل من أدوات الضغط والعقوبات إلى الفعل القسري المباشر.
من هذا المنظور، تبدو كلمات الرئيس الألماني أقل رمزية وأكثر واقعية، إذ تعكس قلقاً أوروبياً عميقاً من أن العالم ينزلق فعليًا نحو مرحلة تُدار فيها السياسة الدولية بمنطق القوة العارية، وليس بمنطق الشرعية أو التوازنات المؤسسية.
على الرغم من أن منصب الرئيس الألماني يُعتبر شرفياً إلى حد كبير، فإن هذه الصفة بالذات تمنحه مساحة أكبر للتعبير الصريح، بعيدًا عن حسابات السلطة التنفيذية اليومية. وهذا ما يُعطي تصريحات شتاينماير وزناً خاصاً، لأنها تعكس مزاجًا سياسيًا وأخلاقيًا لا يرتبط مباشرة بالتكتيك الحكومي.
في السياق الألماني، يُستخدم منصب الرئيس غالبًا كمنصة لطرح الأسئلة الكبرى، والتنبيه إلى الانزلاقات الخطيرة في النظام الدولي، وهو ما فعله شتاينماير بوضوح، حين دعا إلى منع انحدار العالم إلى نظام تحكمه الغريزة لا القواعد.
حديثه عن عالم تُدار فيه الدول كـ«ملكيات» لقوى عظمى قليلة، يكشف عن خوف متزايد في أوروبا من عودة منطق ما قبل الحرب العالمية الثانية، حيث تُقسَّم مناطق النفوذ بالقوة، وتُهمَّش الدول الصغيرة والمتوسطة.
وفي هذا السياق، لا يبدو أن الخطاب موجه فقط للولايات المتحدة، بل أيضاً للعالم بأسره، في محاولة لإعادة إحياء فكرة المسؤولية الجماعية عن حماية النظام الدولي قبل انهياره الكامل.
تم نسخ الرابط
