تشهد المنطقة تصاعدًا ملحوظًا في التوترات، مما دفع العديد من السفن التجارية العابرة للبحر الأحمر إلى إرسال رسائل تنفي صلتها بإسرائيل لتفادي الهجمات. وفقًا لبيانات شركة Windward، أرسلت 55 سفينة أكثر من 100 رسالة غير اعتيادية في يونيو، تتنصل من أي ارتباط بإسرائيل. يأتي هذا في ظل تصعيد الحوثيين ضد السفن المتجهة إلى موانئ إسرائيل، مما يفرض تحديات واهتمامات جديدة في الشحن الدولي. كما ارتفعت أقساط التأمين بنسبة 400%، وانخفض حجم الشحن عبر المضيق بنسبة 45%، مما يعكس أزمة شحن عالمية تهدد مفاهيم الحياد والتجارة.
أخبار الشحن | شاشوف
في دلالة واضحة على التحولات الجارية في المنطقة، تواصل عشرات السفن التجارية التي تعبر البحر الأحمر والخليج العربي إرسال رسائل رقمية تنفي ارتباطها بإسرائيل، سعياً لتفادي التعرض لهجمات مسلحة، خاصة مع تصاعد التوترات منذ أواخر عام 2023.
هذه الظاهرة، التي اكتشفتها شركات استخبارات بحرية، تمثل واقعاً جديداً في عالم الشحن الدولي، حيث أصبحت ‘الابتعاد عن العلاقة مع إسرائيل’ وسيلة دفاعية أساسية.
تشير بيانات شركة Windward لتحليل المخاطر إلى أنه خلال الفترة من 12 إلى 24 يونيو فقط، أقدمت 55 سفينة على إرسال أكثر من 100 رسالة هوية بحرية غير معتادة عبر نظام التتبع الآلي (AIS) وفق تقارير شاشوف. بعض السفن زعمت أنها ‘مملوكة للصين’ أو تنقل ‘نفطاً روسياً’، بينما أعلنت أخرى، مثل إحدى السفن المسجلة في سنغافورة، أنها ‘لا تربطها أي صلة بإسرائيل’.
لا يمكن فصل هذا الاتجاه عن التطورات في البحر الأحمر، حيث تستمر قوات صنعاء (الحوثيين) في استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل أو المتجهة إلى موانئها، كجزء من ما تعتبره رداً على العدوان الإسرائيلي في غزة.
وعلى الرغم من أن قدرات الحركة محدودة مقارنة بالقوى الدولية، فإن دقة واستمرارية هجماتها فرضت معادلة ردع غير مسبوقة في المنطقة، مما أعاد تشكيل سلوك السفن التجارية على المستوى العالمي.
الردع البحري يتجاوز نطاق اليمن
تشير مصادر بحرية دولية إلى أن حالة القلق المتزايدة لا ترتبط فقط بالهجمات، بل بالغموض الذي يحيط بقرارات الاستهداف، مما يجعل السفن تشعر بالحاجة للتبرؤ علنًا من أي ارتباط سياسي أو لوجستي بإسرائيل.
في هذا السياق، صرح “آمي دانييل”، الرئيس التنفيذي لشركة Windward، قائلاً: “أصبح مالكو السفن يتعاملون مع مسألة الهوية كخطر وجودي، وفي ظل مشهد شحن دولي معقد يكثر فيه استخدام الشركات القشرية والأعلام المرنة، باتت الرسائل المفتوحة وسيلة دفاع رقمية ضد هجمات غير تقليدية”.
وبجانب الحوثيين، زادت المخاطر أيضاً بسبب التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز، ما قد يعطل نحو 20% من تجارة النفط العالمية حسب البيانات التي تتبعها شاشوف لدى وكالة الطاقة العالمية.
يأتي ذلك في وسط تصعيد إسرائيلي-إيراني، دفع السفن العاملة في المنطقة إلى تعزيز تدابير الحماية، سواء من خلال التمويه أو تغيير المسارات.
أثر مباشر على إسرائيل في التجارة الدولية
الملحوظة هنا أن السفن لم تكتفِ بمحاولة التخفي خلف أعلام دول مثل روسيا أو الصين، بل أصبحت تسعى إلى الإنكار الصريح لأي ارتباط بإسرائيل، مما يُظهر إلى أي مدى أصبحت هذه العلاقة مصدراً محتملاً للخطر.
هذه الديناميكية لا تعكس بالضرورة مواقف سياسية، بل تمثل قراءة براغماتية من الشركات تجاه التهديدات المباشرة، حيث بعد سنوات من صفقات التطبيع والربط اللوجستي بين إسرائيل والأسواق العالمية، وجدت الشركاء التجاريين أنفسهم مضطرين للابتعاد – حتى لفظياً – عن أي علاقة قد تعرضهم للاستهداف.
تشير تقارير الشحن إلى أن بعض السفن المتجهة إلى موانئ في شبه القارة الهندية أو شرق إفريقيا بدأت تبث رسائل تؤكد عدم تورطها مع إسرائيل أو الولايات المتحدة، وهو ما يمكن اعتباره نتيجة مباشرة لتأثير الضغوط العسكرية في البحر الأحمر.
هذا التحول لا يقتصر على اللغة المستخدمة، بل يمتد إلى الاقتصاد، حيث رفعت شركات التأمين البحري أقساط التأمين بنسبة تصل إلى 400% في بعض الممرات حسب متابعة شاشوف، بينما تُفضل شركات النقل الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، رغم كلفته الزمنية والمالية.
إن الردع الذي تفرضه قوات صنعاء لم يُترجم إلى ‘إغلاق رسمي’ للبحر الأحمر، لكنه عمليًا عزل إسرائيل عن أهم ممر مائي في العالم. وتقدر بيانات “كلاركسونز” البحرية أن حجم الشحن عبر المضيق انخفض بأكثر من 45% منذ بداية عام 2024، بينما تراجعت واردات الحاويات إلى موانئ إسرائيل بنسبة 34% خلال النصف الأول من العام، وفقًا لأرقام هيئة الموانئ الإسرائيلية.
في ظل هذه الظروف، باتت شركات الملاحة تتعامل مع البحر الأحمر كمنطقة صراع حقيقية، تختلف فيها قواعد اللعب، حيث تخضع السفن لاختبارات أمنية أكثر من خضوعها لمعايير التجارة.
يزداد القلق من أن تصبح ‘الهوية البحرية’ عبئًا أكثر منها إشارة تشغيلية، في وقت بدأ فيه استخدام هويات السفن كسلاح، سواء للتخفي أو كمعيار للاستهداف.
لا تحمل المشاهد الحالية مؤشرات على قرب الحل، فما بدأ كرد فعل محدود من حركة يمنية على حرب في غزة، تحول إلى أزمة شحن عالمية تعيد تعريف مفاهيم الحياد، وتفرض على الشركات إعادة التفكير ليس فقط في مساراتها، بل وأيضًا في بياناتها وأعلامها.
تم نسخ الرابط
