قرر بنك اليابان المركزي رفع سعر الفائدة الأساسي بمقدار 25 نقطة أساس إلى 0.75%، منهياً فترة طويلة من أسعار الفائدة شبه الصفرية. الهدف من هذا القرار هو دعم التعافي الاقتصادي وضبط التضخم. رغم هذه الخطوة، يستمر تحفيز الأوضاع النقدية. أدى القرار إلى تراجع الين مقابل الدولار، وتوقعات بزيادة التقلبات في الأسواق المالية العالمية. قد يعيد المستثمرون اليابانيون رؤوس أموالهم إلى الداخل، مما يضغط على أسعار السندات الأجنبية. تعتبر هذه الخطوة بداية نهاية التيسير النقدي، مع متابعة دقيقة من البنك لتأثيرها على الاقتصاد المحلي والعالمي.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
في قرار تاريخي غير مسبوق منذ 30 عاماً، قام بنك اليابان المركزي برفع سعر الفائدة الأساسي بمقدار 25 نقطة أساس ليصل إلى 0.75%، منهياً مرحلة طويلة من أسعار الفائدة القريبة من الصفر أو السالبة التي ميزت الاقتصاد الياباني لعقود.
ولم يكن لهذا القرار صدى محلي فحسب، بل أثر أيضًا على الساحة العالمية، نظراً للدور الكبير الذي تلعبه اليابان في الأسواق الدولية، وخاصة في أسواق السندات والاستثمارات المؤسسية.
وقد أوضح محافظ بنك اليابان، كازو أويدا، خلال مؤتمر صحفي تابعته “شاشوف” أن رفع الفائدة جاء لمتابعة التحسن الاقتصادي وضبط التضخم ليتماشى مع توقعات البنك. وأوضح أويدا أن الاقتصاد الياباني يشهد تعافياً معتدلاً، وأن الأوضاع النقدية اللينة ستواصل دعم النشاط الاقتصادي رغم زيادة الفائدة.
تشير تصريحات أويدا إلى عدة نقاط رئيسية، أبرزها إمكانية رفع الفائدة إذا استمر الاقتصاد والأسعار في التحرك كما هو متوقع، ضعف الين الأخير الذي قد يزيد من التضخم الأساسي، والتركيز على التضخم الأساسي بغض النظر عن التضخم العام، وأهمية مراقبة تأثير رفع الفائدة الأخير على الاقتصاد والأسعار قبل اتخاذ أي خطوات مستقبلية.
جاء رفع الفائدة كإشارة على نهاية مرحلة التيسير النقدي الشديد، لكن يتم بشكل تدريجي ومدروس لتجنب حدوث صدمات غير متوقعة للأسواق المحلية والدولية.
رد فعل الأسواق.. والين الياباني يتراجع
تراجع سعر الين الياباني مقابل الدولار الأمريكي إلى 156.53 ين لكل دولار، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 0.6%. ويعود السبب في هذا التراجع إلى عمليات جني الأرباح بعد شراء المستثمرين للين قبل القرار، بالإضافة إلى إعلان البنك أن الزيادات المستقبلية ستكون تدريجية وبطيئة، وأن السياسة النقدية ستظل ميسرة نسبياً.
كما شهدت العملات الأوروبية مثل اليورو والجنيه الاسترليني ارتفاعاً مقابل الين، في حين تأثرت العملات الآسيوية الأخرى بشكل محدود.
وأشار محللون من “شاشوف”، مثل بارت واكاباياشي من “ستيت ستريت”، إلى أن الأسواق بدأت بالفعل بالتفاعل مع احتمالات مزيد من رفع الفائدة تدريجياً.
إن أهمية خطوة بنك اليابان تتجاوز حدودها، فهي تؤثر على الأسواق المالية الدولية بسبب مكانته كأكبر دائن صافٍ في العالم، مع صافي استثمار دولي يبلغ نحو 3.66 تريليون دولار.
لسنوات طويلة، دفع انخفاض الفائدة اليابانية المستثمرين المؤسسيين، بما في ذلك صناديق التقاعد وشركات التأمين، إلى ضخ تريليونات الدولارات في السندات الأمريكية والأوروبية وأسواق الدين الأخرى بحثاً عن عوائد أعلى.
ومع ارتفاع العوائد المحلية في اليابان، يقل الحافز للاستثمار في الخارج، مما قد يؤدي إلى ما يُعرف بـ”إعادة رؤوس الأموال إلى الداخل”، وهو ما قد يخلق فراغاً في أسواق السندات العالمية ويؤدي إلى ارتفاع عوائد السندات في الولايات المتحدة وألمانيا وأوروبا بشكل عام.
فعلياً، بدأ السوق بالفعل في الاستجابة لهذه التغيرات، حيث ارتفع عائد السندات الألمانية لأجل 30 عاماً إلى 3.51%، وهو الأعلى منذ يوليو 2011 حسب مراجعة “شاشوف”.
كما انكمش الفارق بين عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات والسندات الحكومية اليابانية إلى 2.12 نقطة مئوية، مما يعكس ميل المستثمرين اليابانيين للعودة إلى الأصول المحلية.
ماذا عن المستثمرين العالميين؟
ارتفاع العوائد المحلية يجعل الاستثمارات الخارجية أقل جاذبية، مما سيدفعهم لإعادة توجيه جزء من رؤوس الأموال إلى الداخل، وقد يؤدي ذلك إلى انخفاض مشتريات السندات الأجنبية وزيادة تكاليف التمويل للخارج.
أما بالنسبة للبنوك العالمية، فقد تواجه البنوك التي تعتمد على تدفقات رأس المال الياباني ضغوطاً، خاصة في تمويل السندات أو الاقتراض طويل الأجل، حيث يقل تدفق رؤوس الأموال اليابانية ويزيد الطلب على العوائد المحلية.
فيما يخص أسواق السندات العالمية، قد يؤدي ارتفاع العوائد في اليابان إلى زيادة تقلبات الأسواق العالمية، خصوصاً أسواق السندات الأمريكية والأوروبية، وقد يرفع تكلفة الاقتراض ويضغط على الأسعار العالمية للأصول.
وبالنسبة للمستثمرين الأفراد، في حال استمر رفع الفائدة، قد يجد المستثمرون الأفراد اليابانيون خيارات أقل للاستثمار خارج البلاد، بينما ستصبح الأصول اليابانية أكثر جاذبية، بما في ذلك الودائع البنكية والسندات المحلية.
نظرة مستقبلية
تشير تقارير تتبعتها “شاشوف” إلى أن بنك اليابان يتبنى سياسة تدريجية وحذرة، مع مراقبة دقيقة لتأثير أي رفع جديد على الاقتصاد والتضخم.
وقد أكد أويدا أن أي رفع مستقبلي سيكون مرتبطاً بتحسن الاقتصاد وارتفاع الأجور التي يتم تمريرها إلى الأسعار.
تذهب التوقعات إلى أن السياسة النقدية اليابانية ستظل ميسرة نسبياً رغم رفع الفائدة، مع استمرار أسعار الفائدة الحقيقية عند مستويات منخفضة نسبياً. وبالتالي، ستظل الأسواق العالمية في حالة ترقب وحذر من أي خطوات مستقبلية لبنك اليابان وفق ما نقلته “شاشوف”، نظراً للأثر الكبير على رؤوس الأموال والأسواق الدولية.
إن رفع بنك اليابان للفائدة لأول مرة منذ 30 عاماً يُعتبر تحولاً تاريخياً في السياسة النقدية اليابانية، لكنه أيضاً تحذير للأسواق العالمية، حيث يمتد تأثير القرار إلى العملات الأجنبية، وأسواق السندات، والبنوك العالمية، والمستثمرين الأفراد، نظراً لدور اليابان كأكبر دائن صافٍ في العالم.
تؤكد هذه الخطوة على بداية نهاية فترة طويلة من الفائدة الصفرية أو السالبة، لكنها تتم بحذر شديد لتجنب صدمات اقتصادية مفاجئة، مع وعود بنك اليابان بمراقبة دقيقة لتأثيرها على الاقتصاد المحلي والعالمي على حد سواء.
تم نسخ الرابط
