كندا تُعلن انسحابها التدريجي من واشنطن.. كارني: ‘العالم قادر على التقدم دون الولايات المتحدة’ – بقلم شاشوف

كندا تُعلن انسحابها التدريجي من واشنطن كارني العالم قادر على


رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يقدم تحولًا جذريًا في سياسة كندا الخارجية، مع تأكيده أن العالم يمكن أن يتقدم دون الاعتماد على الولايات المتحدة. يشير إلى ضرورة البحث عن استقلالية اقتصادية وسياسية مع تفاقم الاضطرابات السياسية الأمريكية. يُعتبر الانفتاح على الصين أساسيًا لتحقيق ذلك، رغم المخاطر المرتبطة. كما يسعى كارني لتعزيز العلاقات مع الإمارات والهند، مُعتبرًا أنّ تنويع الشركاء ضروري في ظل نظام عالمي متغير. هذه الاستراتيجية تتجه نحو استقلال مرن، مع الحفاظ على العلاقات الحيوية مع واشنطن، بما يمثل بداية جديدة لكندا في الساحة العالمية.

تقارير | شاشوف

في خطوة تعكس لحظة سياسية فارقة، اتجه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني نحو سياسة خارجية تتجاوز التحالف التقليدي مع الولايات المتحدة، معلنًا بأسلوب يشير إلى حدوث تغيير جذري، أن ‘العالم قادر على التقدم دون الولايات المتحدة’.

هذه العبارة، التي نقلتها هيئة البث الكندية ‘سي بي سي’، لم تكن مجرد وجهة نظر فردية، بل كانت بمثابة إعلان عن مرحلة جديدة في الهوية الاستراتيجية لكندا. مرحلة تتسم بالتحول من الاعتماد إلى التوازن، ومن التبعية التجارية إلى السعي نحو استقلال اقتصادي وسياسي أكثر رسوخاً.

تأتي هذه التحولات في وقت تعيش فيه الولايات المتحدة أزمات سياسية عميقة، كما أظهر تقرير اطلع عليه شاشوف من بلومبيرغ، من الانقسامات الحادة داخل الحزب الجمهوري، إلى الشلل التشريعي في الكونغرس، وصولًا إلى تراجع ملحوظ في شعبية الرئيس دونالد ترامب. ومع تفشي هذه الاضطرابات، أدركت أوتاوا أن الاعتماد الكامل على شريك لا يعيش حالة استقرار سياسي لم يعد خيارًا مستدامًا، وأن إعادة التموضع باتت ضرورة تفرضها المتغيرات العالمية.

بينما تتزايد هيمنة القوى الآسيوية، ويتوسع دور اقتصادات الخليج، وتتشكل تحالفات جديدة في الجنوب العالمي، تجد كندا نفسها أمام خريطة جديدة من الفرص والتحديات. هذه اللحظة، حسبما أفاد محللون نقلت عنهم رويترز، قد تمثل بداية ‘فك ارتباط تدريجي’، لا يعني القطيعة مع واشنطن، لكنه يفتح المجال أمام استقلالية طال انتظارها.

شراكة تتغير.. وليس انفصالاً عن الولايات المتحدة

رغم التصريحات الجريئة، لم تغلق كندا أبوابها أمام واشنطن. لكن أسلوب التعامل تغير بشكل كبير.
قال كارني، وفق رويترز، إنه ‘لا توجد قضية ملحة’ تستدعي التواصل مع الرئيس ترامب، وأن بلاده ‘ستستأنف المحادثات عندما يكون الوقت ملائمًا’. تحمل هذه الكلمات رسالة دبلوماسية واضحة: كندا لم تعد تعتبر كل خلاف تجاري أزمة وجودية، أو كل قضية قيد المناقشة أولوية لا بد من حلها.

في الأعوام الأخيرة، أدى فرض الرسوم الأمريكية على الفولاذ والألمنيوم والسيارات إلى إعادة تقييم العلاقة التي كانت قائمة لعقود على الاستقرار والثقة. كما تسبب تعليق ترامب للمفاوضات الشهر الماضي، ردًا على الإعلان الكندي المناهض للرسوم، في إثارة شعور في أوتاوا بأن كندا بحاجة لتعديل مسارها في العلاقة مع أكبر شركائها التجاريين.

تنقل بلومبيرغ صورة قاتمة في واشنطن: انقسامات حزبية ونزاعات داخل الحزب الجمهوري ترافقها تراجع في شعبية الرئيس بنسبة 41%، وفقًا لاطلاع شاشوف. هذه الفوضى السياسية جعلت أي رهانات تجارية على الولايات المتحدة مصحوبة بمخاطر، مما دفع كندا للبحث عن ‘شبكة أمان’ عبر تنويع العلاقات بدلاً من الاعتماد على مسار سياسي غير مستقر.

ومع ذلك، يعرف كارني أن أي انفصال مفاجئ عن الاقتصاد الأمريكي سيكبد كندا تكلفة عالية، لذا فإن المقاربة الراهنة تمزج بين الحذر والمرونة: علاقة مستمرة، لكنها لم تعد تعتمد على التبعية بشكل مطلق.

الصين.. بوابة الفرص الكبرى ومحور التحول الكندي

يمثّل الانفتاح على الصين، رغم تعقيداته، العنصر الأبرز في التحول الكندي. جاء لقاء كارني مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، الذي نقلته ‘سي بي سي’، بعد سنوات من التوتر. لكنه عكس رغبة واضحة في إعادة بناء العلاقة على أسس جديدة، خصوصًا أن بكين تمتلك ما تحتاجه كندا في هذا الزمن: التكنولوجيا، والمعادن النادرة، والأسواق الكبيرة، والاستثمارات الضخمة.

رغم أن الصين تُعد الشريك التجاري الثاني لكندا، فإن نسبة صادرات كندا إليها لا تتجاوز 5%، بينما 75% تتجه نحو الولايات المتحدة. يمثل هذا الخلل الهيكلي، كما يرى كارني، ضعفًا يجب معالجته بسرعة.

لكن الطريق أمام ذلك ليس مفروشًا بالورود. تستمر الحرب التجارية: فرض رسوم كندية بنسبة 100% على السيارات الكهربائية الصينية، ورسوم صينية مضادة على الكانولا والمنتجات البحرية. تقدر خسائر هذه المناوشات، وفق المجلس الكندي للأعمال مع الصين، بمليارات الدولارات سنويًا.

ومع ذلك، يرى مختصون نقلتهم ‘سي بي سي’ أن التعاون مع الصين ليس خيارًا اقتصاديًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية في عالم يتغير. فالصين تعتبر لاعبًا محوريًا في الطاقة المتقدمة، والتكنولوجيا الخضراء، وسلاسل توريد المعادن النادرة، وهي القطاعات التي تعتمد عليها خطط كندا للتحول الصناعي.

غير أن الانفتاح على الصين يتطلب الحذر والانتباه. القضايا الأمنية، حساسيات الرأي العام، والتوازن الدبلوماسي مع الولايات المتحدة كلها عوامل تجعل هذه الخطوة محفوفة بالتحديات الدقيقة.

تحالفات جديدة لتقليل المخاطر

لا تقتصر استراتيجية كارني على الصين فحسب. في أبوظبي، أعلن رئيس الوزراء عن أكبر تعهد استثماري في تاريخ كندا: 70 مليار دولار كندي موجهة لمشاريع التكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية والمعادن. خطوة صنفتها الصحافة الكندية بأنها ‘اختراق استراتيجي’ يمكّن أوتاوا من بناء مصادر التمويل بعيدًا عن الدائرة الأمريكية.

الاستثمارات الإماراتية تمنح كندا القدرة على تطوير قطاع الطاقة المتجددة، وتمويل مشروعات البنية التحتية الثقيلة، وتحديث صناعاتها. وفي الوقت نفسه، توفر الإمارات فرصة لتوسيع نفوذها الاقتصادي في شمال أمريكا.

أما في جنوب أفريقيا، فقد اجتمع كارني مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لإعادة إصلاح علاقة تعرّضت للتوتر منذ أزمة 2023. الهند، التي تمثل اقتصادًا صاعدًا وسوقًا ضخمة، تُعد شريكًا لا يمكن الاستغناء عنه بالنسبة لكندا، خصوصًا وسط التنافس الهندي-الصيني على النفوذ، كما يؤكد الخبراء، إذ تعتبر شريكًا ضروريًا.

تقوم استراتيجية كارني هنا على دمج الصين والهند والإمارات: مزيج يخلق لكندا شبكة اقتصادية لا تعتمد على محور واحد، ويمنحها قدرة أكبر على مواجهة تقلبات واشنطن.

إشارة إلى عالم لم تعد الولايات المتحدة مركزه

أشار كارني في قمة مجموعة العشرين إلى أن القمة ‘مثلت ثلاثة أرباع سكان العالم وثلثي الناتج العالمي… دون الولايات المتحدة’. لم يكن التصريح مجرد توصيف للحدث، وإنما كان إعلانًا صريحًا بأن واشنطن لم تعد محور النظام الدولي كما كانت.

تزايد قوة آسيا، صعود اقتصاد الهند والصين، التقدم التكنولوجي في الإمارات، ودور أفريقيا المتزايد، كلها عوامل تدفع نحو نظام عالمي متعدد المراكز. وكندا — لأول مرة منذ عقود — ترى نفسها قادرة على الحركة داخل هذا العالم المتغير دون الحاجة للانتظار للإشارة الأمريكية المعتادة.

ومع ذلك، فإن هذا المسار ليس خاليًا من التحديات. الصين تقدم الفرص لكنها تحمل مخاطر سياسية، والهند شريك مهم لكنها بحاجة لإعادة بناء الثقة، والإمارات توفر التمويل لكنها تتطلب التزامات طويلة الأمد، ورغم كل شيء، تبقى الولايات المتحدة الشريك الأكبر والأكثر تأثيرًا على الاقتصاد الكندي. هذه المعادلة الجديدة هي ما تسعى كندا لإدارتها بعناية.

وفقًا لما مهد له شاشوف، تتحرك كندا نحو استقلال اقتصادي وسياسي لم تشهده منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لكنها تدرك أيضًا أن هذا الطريق لن يكون سهلاً. فتنويع الشركاء يعد استراتيجية مثمرة، لكنه مكلف، وقد يضع كندا أمام التزامات جديدة تجاه الصين والإمارات والهند، مع المحافظة على حاجتها المستمرة للعلاقة مع الولايات المتحدة.

لكن الحقيقة التي أدركها كارني هي أن الاعتماد على الولايات المتحدة وحدها أصبح ينطوي على مخاطر أكبر من محاولة بناء بدائل. وإذا كانت واشنطن لم تعد قادرة على توفير الاستقرار السياسي والاقتصادي الذي كان الدعامة الرئيسة لعلاقة البلدين، فإن أوتاوا مضطرة لفتح أبواب جديدة، حتى وإن كانت تلك الأبواب تنطوي على تحديات كبيرة.

كندا اليوم لا تقطع علاقتها بأمريكا، لكنها تكسر ‘محور واشنطن’ لأول مرة منذ عقود، لتدخل مرحلة جديدة: مرحلة الاستقلال المرن، والتوازن الدقيق للمصالح في عالم يتغير بوتيرة تفوق توقعات العديد من القوى الكبرى.


تم نسخ الرابط

Exit mobile version