قانون استرداد الودائع المالية: لبنان في مواجهة الانهيار المالي ومحاولات الإنقاذ المتأخرة – بقلم شاشوف

قانون استرداد الودائع المالية لبنان في مواجهة الانهيار المالي ومحاولات


بعد أكثر من ست سنوات من أزمة مالية في لبنان، أقرّت الحكومة مشروع قانون ‘الانتظام المالي واستعادة الودائع’. يهدف هذا القانون إلى هيكلة القطاع المصرفي واستعادة الثقة في النظام المالي. حصل القانون على دعم 13 وزيراً، لكنه واجه معارضة من 9 وزراء. يستهدف استرداد كامل ودائع صغار المودعين الذين تقل ودائعهم عن 100 ألف دولار، مع تحديد فترة سداد لا تزيد عن أربع سنوات. يُتوقع أن يساعد هذا القانون في استئناف التفاوض مع صندوق النقد الدولي ويُعتبر خطوة هامة نحو معالجة الفجوة المالية التي تبلغ حوالي 80 مليار دولار.

الاقتصاد العربي | شاشوف

بعد مرور أكثر من ست سنوات على اندلاع واحدة من أشد الأزمات المالية والاقتصادية في تاريخ لبنان الحديث، قامت الحكومة اللبنانية بإقرار مشروع قانون “الانتظام المالي واستعادة الودائع”، مما يعد خطوة أساسية نحو معالجة الانهيار المالي وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، رغم الانقسام داخل الحكومة وآمال مشروطة في استعادة الثقة على الصعيدين الداخلي والخارجي.

خلال جلسة لمجلس الوزراء عُقدت يوم الخميس، حصل مشروع القانون على موافقة 13 وزيراً، بينما عارضه 9 وزراء، وفقاً لما أفاد به شاشوف. ورغم هذا الانقسام، أُحيل المشروع إلى مجلس النواب اللبناني ليمر بمساره التشريعي، في وقت اعتبره مراقبون اختباراً حقيقياً لإرادة الدولة في مواجهة أكبر فجوة مالية في تاريخها.

رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، خلال مؤتمر صحفي عقب الجلسة، عبّر عن أمله في أن يقرّ مجلس النواب القانون “بأسرع وقت ممكن”، مشدداً على أن إقراره يمثل خطوة حاسمة نحو حل الأزمة المالية التي كبّلت البلاد، ومنعت المودعين من استرداد أموالهم المحتجزة في النظام المصرفي لسنوات.

تفاصيل القانون

يرتكز مشروع قانون “الانتظام المالي واستعادة الودائع” على استرداد كامل ودائع صغار المودعين الذين تقل قيمة ودائعهم عن 100 ألف دولار، على أن يتم السداد خلال فترة لا تتجاوز أربع سنوات.

وفقاً للحكومة اللبنانية، فإن هذه الفئة تمثل نحو 85% من إجمالي المودعين في لبنان، مما يعني أن القانون يستهدف الغالبية العظمى من اللبنانيين المتضررين من الانهيار المصرفي، ويساهم في تسوية ودائع تُقدّر بمليارات الدولارات.

من المفترض أن يحصل صغار المودعين على أموالهم كاملة وبدون أي اقتطاعات، مع الفوائد المتراكمة، خلال الفترة الزمنية المحددة، في تعهد رسمي يُعدّ الأول من نوعه منذ اندلاع الأزمة.

وحسب قراءة شاشوف لتصريحات الحكومة، يُعتبر هذا القانون أهم مشروع إصلاحي في مسار معالجة الانهيار، إذ يهدف إلى تحديد المسؤوليات في فجوة مالية تُقدّر بنحو 80 مليار دولار من أموال المودعين.

ترجع هذه الفجوة، وفقاً لما يورده مشروع القانون، إلى اقتراض الحكومة اللبنانية من مصرف لبنان على مدى سنوات، واعتماد المصرف المركزي على الاستدانة من البنوك المحلية، ثم تخلّف الحكومة عن سداد ديونها للبنك المركزي، مما أدى إلى تحول الأزمة مباشرة إلى المصارف التي لم تعد تمتلك كامل أموال عملائها.

هذا التسلسل الانفجاري فجّر النظام المالي من الداخل، وترك المودعين رهائن داخل المصارف، بلا أفق واضح أو ضمانات قانونية.

أما المودعون المتوسطون والكبار، فينص القانون على حصولهم على 100 ألف دولار نقداً، كما هو الحال مع صغار المودعين، بالإضافة إلى سندات قابلة للتداول بقيمة باقي ودائعهم من دون أي اقتطاع من أصلها. ووفقاً لرئيس الوزراء، هذه السندات مدعومة بعائدات وأصول مصرف لبنان أو ناتج بيع جزء منها، ليست “وعوداً على ورق”، ومدعومة فعلياً بما يصل إلى 50 مليار دولار من موجودات المصرف المركزي، مع جدول سداد واضح يتيح للمودعين استرداد 2% سنوياً من قيمة هذه السندات.

مصادر التمويل

ستعتمد الحكومة اللبنانية، وفق ما ورد في مشروع القانون، على مصرف لبنان وأصوله، والقطاع البنكي اللبناني، لتمويل عملية استرداد الودائع، ضمن مقاربة تشاركية لتحمّل الخسائر.

وقد أشار نواف سلام سابقاً إلى أن الحكومة تتحمّل جزءاً من خسائر المصارف، مع وجود ودائع مشبوهة تخضع للتدقيق، في محاولة للفصل بين الأموال الشرعية وتلك الناتجة عن ممارسات فساد أو تهريب.

يراهن لبنان أن يشكل هذا القانون مدخلاً أساسياً لإعادة فتح قنوات التفاوض مع صندوق النقد الدولي، بعد أن جُمّد الاتفاق المبدئي الموقع في أبريل 2022، الذي تبلغ قيمته 3 مليارات دولار.

قال سلام إن القانون يفتح أبواب صناديق أخرى ودول مانحة، ويساعد على جلب الاستثمارات، مع حاجة لبنان الماسّة إلى تدفقات مالية خارجية لإعادة تشغيل اقتصاده المنهك.

وترغب الحكومة، وفق نص المشروع الذي طالعه شاشوف، في إعادة بناء الثقة بالنظام المالي والمصرفي، من خلال تقييم أصول المصارف وإعادة رسملتها، بما يمكّنها من استعادة دورها في تمويل الاقتصاد، وتحفيز النمو، والحد من تفشي الاقتصاد النقدي والموازي الذي توسّع بشكل غير مسبوق منذ 2019.

يأتي هذا القانون بعد إقرار قوانين أخرى تتعلق برفع السرية المصرفية، وإصلاح القطاع البنكي، في إطار حزمة إصلاحات طال انتظارها.

من انتفاضة 2019 إلى اقتحام المصارف

حسب تقارير “شاشوف”، لا يمكن فهم أهمية هذا القانون دون العودة إلى جذور الأزمة التي انفجرت في 2019، عندما انهار النموذج المالي اللبناني القائم على تثبيت سعر الصرف، واجتذاب الودائع بفوائد مرتفعة، وتمويل عجز الدولة عبر المصارف والمصرف المركزي.

مع شح الدولار، فرضت المصارف قيوداً غير قانونية على السحب والتحويل، مما أدى إلى احتجاجات شعبية عارمة شملت مختلف المناطق اللبنانية، ورفعت شعارات ضد الطبقة السياسية والمصارف على حد سواء.

مع مرور السنوات، وتدهور قيمة الودائع بفعل التضخم وانهيار الليرة، تحوّل الغضب إلى مواجهات مباشرة، واقتحام فروع مصرفية، واحتجاز موظفين لساعات، واسترداد ودائع بالقوة تحت تهديد السلاح أحياناً، في مشاهد صدمت الرأي العام المحلي والدولي.

كانت هذه الحوادث تعبيراً عن انسداد الأفق القانوني وغياب أي حل رسمي يعيد للمودعين حقوقهم.

حالياً، يُنظر إلى مشروع قانون الانتظام المالي واستعادة الودائع باعتباره أول محاولة تشريعية شاملة لمعالجة أزمة الودائع منذ اندلاع الانهيار، إلا أنه يواجه تحديات جسيمة أبرزها تطبيقه فعلياً، وتأمين مصادر التمويل، واستعادة ثقة شعب أنهكته الوعود المؤجلة.

في بلد فقد فيه المواطن ثقته بالمصارف والدولة معاً، يبقى السؤال القائم: هل يشكل هذا القانون بداية الخروج من النفق، أم محطة أخرى في مسار طويل من التسويف؟ ويبقى ذلك رهناً بالسياسة والالتزام والقدرة على تحويل النصوص إلى أفعال، في بلد لم يعد يحتمل مزيداً من الانهيار.


تم نسخ الرابط

(function(d, s, id){
var js, fjs = d.getElementsByTagName(s)[0];
if (d.getElementById(id)) return;
js = d.createElement(s); js.id = id;
js.src = ‘//connect.facebook.net/ar/sdk.js#xfbml=1&version=v3.2’;
fjs.parentNode.insertBefore(js, fjs);
}(document, ‘script’, ‘facebook-jssdk’));

Exit mobile version