عولمة تجارية مشوقة: كيف يتكيف الاقتصاد العالمي مع تحديات الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب؟ – شاشوف

عولمة تجارية مشوقة كيف يتكيف الاقتصاد العالمي مع تحديات الرسوم


تشهد التجارة العالمية تحولات كبيرة نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب، مما أدى إلى إعادة توجيه الشركاء التجاريين والممرات. بدلاً من الانكماش، تعززت التجارة من خلال تشكيل شراكات جديدة، حيث انخفضت صادرات الصين للولايات المتحدة، بينما ارتفعت لصالح دول أخرى. تسعى دول مثل الهند وبيرو إلى استغلال الفرص المتاحة، ووقع الاتحاد الأوروبي اتفاقيات جديدة مع دول آسيوية وأمريكية جنوبية. على الرغم من تلك التحولات، تواجه الدول الصغيرة تحديات كبيرة في ظل نظام تجاري جديد يعتمد على الشراكات. تشير الأحداث إلى أن العولمة لم تنته، بل تغير اتجاهاتها.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

تشهد خريطة التجارة العالمية تحولات سريعة لم يسبق لها مثيل، نتيجة للرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي تُعتبر الأعلى منذ ثلاثينيات القرن الماضي.

بدلاً من الانكماش، تشهد التجارة إعادة تموضع، حيث تشير تقارير بلومبيرغ إلى تشكيل شراكات جديدة وإعادة رسم مسارات التوريد، مع بحث اقتصادات عن بدائل لتفادي الكلفة الأمريكية المرتفعة.

من كندا التي تستورد اليوم سيارات أكثر من المكسيك، إلى الصين التي استبدلت مزارعي فول الصويا الأمريكيين بنظرائهم في أمريكا الجنوبية، هناك اتجاه واضح لإعادة توجيه التجارة بعيداً عن الولايات المتحدة. وفي المقابل، تسعى دولٌ صاعدة كالهند وبيرو وليسوتو لتوسيع علاقاتها بأسواق آسيا وأفريقيا وأوروبا.

رغم موجة الحمائية، أثبتت التجارة العالمية قدرتها على التكيف، حيث رفعت منظمة التجارة العالمية توقعاتها لنمو تجارة السلع لعام 2025 من 0.9% إلى 2.4%. يبدو أن العالم لم يتراجع عن العولمة، بل اكتشف طرقاً جديدة لممارستها.

تحالفات جديدة بعيداً عن الهيمنة الأمريكية والصينية تعيد توجيه التجارة

تُظهر الاتجاهات الأخيرة أن عواصم التجارة بدأت في بناء جسور جديدة بعيدة عن سيطرة الولايات المتحدة. فقد أعلنت مجموعة من 14 دولة، تشمل نيوزيلندا وسنغافورة وسويسرا والإمارات، عن شراكة لتعزيز الاستثمار والتجارة، بينما يسعى الاتحاد الأوروبي لإبرام شراكة استراتيجية شاملة مع السعودية.

كما استأنفت الصين والهند التواصل الاقتصادي المباشر بعد سنوات من التوتر، مع استئناف الرحلات الجوية والتبادل التجاري في المعادن النادرة، مما يشير إلى ظهور محور آسيوي أكثر استقلالية.

في الوقت نفسه، تحركت اقتصادات صغيرة مثل بيرو لتسويق التوت الأزرق في آسيا، فيما أعادت ليسوتو توجيه صادراتها من المنسوجات نحو أوروبا وأفريقيا، مبتعدة عن الأسواق الأمريكية، كما تفيد تقارير شاشوف. وتصف المفوضة الأوروبية السابقة سيسيليا مالمستروم هذه التحالفات بأنها تعكس ‘محاولات واعية لإعادة بناء النظام التجاري العالمي على أسس متعددة الأطراف’.

تشير بيانات أغسطس التي رصدتها شاشوف إلى أن صادرات الصين إلى الولايات المتحدة انخفضت بنسبة 33%، وهو أضعف نمو خلال ستة أشهر. بينما ارتفعت صادراتها إلى رابطة دول جنوب شرق آسيا بنسبة 23%، وإلى الاتحاد الأوروبي 10%، وإلى أفريقيا 26%. ويشير هذا المسار إلى أن ثاني أكبر اقتصاد في العالم يتجه نحو فائض تجاري قياسي يبلغ حدود 1.2 تريليون دولار هذا العام.

لا يقتصر هذا التحول على الأرقام، بل يعيد تشكيل شبكات النقل العالمية. فشركة كلاركسونز المتخصصة في بيانات النقل البحري تتوقع انكماشاً بنسبة 3% في حركة الشحن عبر المحيط الهادئ، الممر الرئيسي بين الصين والولايات المتحدة، في مقابل نمو في الممرات الأخرى التي تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا.

يقول كريستيان غونزاليس، نائب رئيس شركة International Container Terminal Services، إن ‘إعادة رسم خريطة التجارة العالمية قد تكون إيجابية للموانئ والمشغلين في آسيا. التجارة لا تتوقف، إنها فقط تغيّر اتجاهها’.

اندفاع أوروبي نحو أسواق جديدة

على الجانب الأوروبي، تسارعت جهود بروكسل لنسج شراكات واسعة للحد من تأثير الحمائية الأمريكية. ففي سبتمبر الماضي، وقّع الاتحاد الأوروبي اتفاقية تجارة حرة مع إندونيسيا بعد 10 سنوات من المفاوضات، وأعاد تنشيط محادثاته مع أستراليا التي بدأت في 2017. كما اقترب من إتمام اتفاقية مع كتلة ميركوسور في أمريكا الجنوبية، التي تضم أكثر من 780 مليون مستهلك.

تُعتبر هذه الخطوات، وفق الخبير سيمون إيفنت من المعهد الدولي للتنمية الإدارية في لوزان،
‘تحولًا من الاعتماد على سوق واحدة إلى بناء شبكة من الشركاء، وهو الاتجاه الطبيعي في عالم تتراجع فيه الثقة بالنظام التجاري الموحد’.

تصف رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين هذه الاستراتيجية بأنها ‘توسيع ذكي للنفوذ الاقتصادي الأوروبي عبر تعدد الشراكات وعدم مركزيتها’.

لكن هذه الديناميكية ليست خالية من الضحايا، فالانتقال من نظام يحكمه قواعد منظمة التجارة العالمية إلى نظام يعتمد على الاتفاقات الثنائية والإقليمية يجعل الدول الصغيرة أكثر عرضة للضغوط. يُشير أستاذ الاقتصاد في جامعة كورنيل إسوار براساد إلى أن ‘العالم الجديد سيكون أكثر قسوة على الاقتصادات التي تفتقر إلى القدرة التفاوضية’.

تظهر تيمور الشرقية كمثال رمزي: أحدث أعضاء منظمة التجارة العالمية، حيث يبلغ الناتج المحلي للفرد حوالي 1300 دولار. يأمل ممثلها لدى الأمم المتحدة، أنطونيو دا كونسيساو، أن تساعد العضوية في تنويع اقتصاد بلاده المعتمد على النفط من خلال تصدير القهوة والفانيليا، ولكن هذه الطموحات تواجه تحديات في عالم يتسم بالانقسام وتراجع التمويل المتعدد الأطراف.

تأثير الرسوم الأمريكية على الاقتصاد المحلي

في الولايات المتحدة، بدأت تداعيات الرسوم الجمركية تضرب الشركات الصغيرة.

كحالة على سبيل المثال: قام ‘بن كنيبلر’، مالك شركة True Places في بنسلفانيا، التي تصمّم كراسي خارجية تُصنع في كمبوديا، بإيقاف استيراد منتجاته لأن الرسوم جعلت عمله غير مستدام.

والنتيجة أنه يبحث الآن عن عملاء خارج بلاده للحفاظ على نشاطه. ويعبر كنيبلر بمرارة: ‘نفكر أن نكون شركة أمريكية لا تعمل في الولايات المتحدة’.

تجسد هذه القصة الصغيرة أثر السياسات الحمائية عندما تتجه لعكس الاتجاهات؛ فالرسوم التي وُضعت لحماية السوق المحلية تُجبر بعض الشركات الأمريكية على مغادرتها.

رغم التصعيد الأمريكي، لم تنهَر العولمة، بل قامت بتغيير شكلها. التجارة لم تتراجع، بل أعادت توزيع مراكزها: من الغرب إلى الشرق، ومن المركز إلى الأطراف. بينما تتنافس واشنطن وبكين على النفوذ، تنشأ شبكات فرعية تَرُبط آسيا وأوروبا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية في نظام متعدد المحاور.

لكن هذه المرونة لا تعني المساواة، فالدول الكبرى تمتلك حرية الحركة عبر تحالفات وشبكات تمويل ضخمة، بينما تواجه الدول الأصغر خطر التهميش في نظامٍ يتفكك إلى كتل متنافسة.

وفي الداخل الأمريكي، بدأت السياسات الحمائية تبرز آثارها السلبية: ارتفاع التكاليف، وتآكل تنافسية المنتج المحلي، والنتيجة النهائية واضحة: الرسوم تُبطئ التجارة لكنها لا توقفها. يبدو أن العولمة، كما هو الحال اليوم، لم تمت، بل وجدت طريقاً آخر للسير نحو الأمام.


تم نسخ الرابط

Exit mobile version