صراع ضريبي محتدم بين وزارة المالية والمصارف الإسرائيلية: هل هي ضريبة جديدة أم نهاية للأمر؟ – شاشوف

صراع ضريبي محتدم بين وزارة المالية والمصارف الإسرائيلية هل هي


تصاعدت التوترات الاقتصادية في إسرائيل بعد إعلان وزير المالية سموتريتش عن فرض ضريبة خاصة على أكبر البنوك لمدة خمس سنوات، بهدف إعادة جزء من الأرباح الواسعة للجمهور. ترفض البنوك هذه الخطوة، معتبرة أنها تهديد للاقتصاد، وتخطط لمحاربة القرار قانونياً. حققت البنوك أرباحاً كبيرة خلال الحرب، مما أثار جدلاً حول أسباب هذه الأرباح. بينما ترى وزارة المالية أن سلوك البنوك استغلالي في ظل ظروف الحرب، تشير الدراسات إلى أن فرض ضرائب قد يؤدي لزيادة أسعار الفائدة على القروض، ما سيضر المستهلكين. المعركة حول الضريبة قد تمتد إلى المحكمة العليا.

تقارير | شاشوف

تشهد الساحة الاقتصادية في إسرائيل تصعيداً غير مسبوق بين الحكومة والبنوك، إذ أعلن وزير المالية سموتريتش عن خطته لفرض ضريبة خاصة وثابتة على أكبر المصارف الإسرائيلية لمدة خمس سنوات قادمة. برر هذا القرار بقوله إنه يهدف إلى إعادة جزء من ‘الأرباح الهائلة’ التي حصلت عليها البنوك إلى الجمهور، في حين ترى البنوك أن هذه الخطوة تستهدفها بشكل مباشر وتعتبرها تهديداً للاقتصاد والمستهلكين على حد سواء.

أثار هذا الإعلان جدلاً واسعاً خلال الأسبوع الماضي، حيث تمسك سموتريتش بموقفه، بينما ردت رابطة البنوك بعنف، معلنة ‘نضالاً لا هوادة فيه’ بجميع الوسائل القانونية، لإلغاء هذا القرار الذي وصفته بالظالم، مما يوحي بإمكانية نقل المعركة من الكنيست إلى أروقة المحكمة العليا.

في قلب هذا السجال، توجد أرقام ضخمة لا خلاف عليها، حيث حققت البنوك الإسرائيلية في عام 2025 أرباحاً تقدر بحوالي 30 مليار شيكل (9.3 مليارات دولار) وفقاً لمصادر شاشوف من موقع واي نت الإسرائيلي. وتشير التوقعات إلى أن هذه الأرباح قد ترتفع إلى نحو 34 مليار شيكل (10.6 مليار دولار) هذا العام، حتى في ظل الحرب والظروف الاستثنائية التي يعيشها الاقتصاد.

لكن الخلاف الحقيقي لا يتعلق بحجم الأرباح، بل بأسبابها: هل جاءت هذه الأرباح نتيجة استغلال واضح للفجوة بين أسعار الفائدة على القروض والودائع؟ أم أنها نتيجة طبيعية لتوسع حجم الأموال التي تديرها البنوك، إلى جانب سياسات تقشف داخلية شملت تسريح آلاف الموظفين وإغلاق عشرات الفروع؟

أحد كبار المصرفيين حاول تبسيط الصورة عبر تشبيه مثير وفقاً للموقع الإسرائيلي: متجر ملابس استعد لشتاء قاسٍ فباع أضعاف ما باعه في السنة الماضية من المعاطف، دون أن يرفع الأسعار.

كانت النتيجة أرباحاً أعلى بفضل الكميات، وليس بسبب الاستغلال، والسؤال الذي طرحه هو: هل يُعاقَب التاجر لأنه باع أكثر؟

وزارة المالية: سلوك “مخزٍ” في زمن الحرب

على الجانب الآخر، يرى مسؤولون رفيعو المستوى في وزارة المالية وأعضاء في الفريق الذي ناقش مسألة الضريبة المصرفية أن الصورة أكثر قتامة.

فوفقاً لمصادر شاشوف، ارتفع دخل الفوائد كنسبة من إجمالي أصول النظام المصرفي بشكل ملحوظ منذ الربع الثاني من عام 2022، وظل مستمراً في الصعود خلال فترة الحرب.

بينما انخفضت الرسوم المصرفية نسبياً، وصف مسؤول بارز في وزارة المالية الفجوة بين أسعار الفائدة المرتفعة على القروض، والفوائد شبه الصفرية التي منحت للودائع والحسابات الجارية في العامين الماضيين، بأنها ‘سلوك بغيض ومشين تجاه شعب يعيش في ظروف حرب’.

أضاف مسؤول رفيع في وزارة الخزانة أن آلاف العملاء الذين قضوا مئات الأيام في الخدمة الاحتياطية لم يحصلوا من البنوك إلا على تسهيلات محدودة جداً، وُضعت فقط بناءً على توجيهات مباشرة من بنك إسرائيل.

وبدلاً من الالتزام بروح القانون في هذه المرحلة الحرجة، ‘استغلت البنوك الوضع ونهبت عملاءها قدر الإمكان، بينما كان هؤلاء عاجزين عن مواجهة نظام مصرفي منسق ومغلق’، وفق ما أوردته مصادر شاشوف.

حقائق لا خلاف عليها

في خضم هذا الاشتباك، تبرز حقائق يصعب إنكارها، إذ يُعد سعر الفائدة الذي يحدده بنك إسرائيل من بين الأعلى عالمياً، والبنوك هي المستفيد الأكبر من هذا الواقع.

ورغم ارتفاع هوامش الفائدة، إلا أن البيانات المقدمة للجنة الخاصة التي شكلها سموتريتش أظهرت أن هذه الهوامش ليست استثنائية مقارنة بدول أخرى، بل هي أقل مما هو معمول به في عدد من الاقتصادات الأخرى.

كما أن نمو أرباح البنوك، الذي بلغ مليارات الدولارات سنوياً حتى أثناء الحرب وفق التقرير، تزامن مع توسع كبير في حجم الأموال التي تديرها المصارف، بنسبة تزيد عن عشرات النقاط المئوية مقارنة بما كانت عليه قبل عقد، بالإضافة إلى تقليص حاد في النفقات التشغيلية عبر تسريح آلاف الموظفين وإغلاق فروع، مما ساهم في تضخيم الأرباح.

لجنة بلا توصية حاسمة

اللجنة التي عُينت من قبل وزير المالية لدراسة فرض الضريبة لم تتوصل إلى توصية واضحة، حيث عارض نحو نصف أعضائها، ومعظمهم من ممثلي بنك إسرائيل ودائرة الميزانية، فرض ضريبة جديدة على البنوك، محذرين من آثار غير مباشرة قد تنعكس على الجمهور نفسه.

ومن بين المخاوف المطروحة أن أي ضريبة ثابتة على أرباح البنوك ستنعكس سلباً على المدخرين، حيث إن غالبية أسهم البنوك مملوكة للجمهور، سواء عبر صناديق التقاعد أو الادخار قصير ومتوسط الأجل. وبالتالي، فإن تراجع ربحية البنوك قد يؤدي إلى انخفاض قيمة الأسهم، مما يلحق الضرر مباشرة بمدخرات المواطنين.

وأكد أعضاء في اللجنة أن الضريبة الإضافية، حتى لو فرضت بنية إعادة الأرباح إلى الجمهور، قد تُحمّل في النهاية على كاهل المستهلكين، مما يؤدي إلى تدهور أوضاعهم بدلاً من تحسينها.

المستهلك يدفع الثمن

هذا التخوف تدعمه أبحاث دولية، حيث توصل باحثون من البنك المركزي الإيطالي وبنك التسويات الدولية إلى أن فرض ضرائب على أرباح البنوك يؤدي غالباً إلى رفع أسعار الفائدة على القروض، وفق متابعة شاشوف. أي أن البنوك لا تتحمل العبء الضريبي بنفسها، بل تنقله إلى العملاء الذين هم الخاسر الأكبر.

كما أشار تقرير اللجنة إلى أن زيادة الضرائب قد تُضعف عرض الائتمان في السوق، مما ينعكس سلباً على مستوى الاستثمار والنمو الاقتصادي.

وسط هذا الجدل، وجهت مفوضة المنافسة ميخال كوهين انتقادات شديدة للبنوك خلال مؤتمر ‘أوجين’ الذي عُقد بالتعاون مع صحيفة ‘يديعوت أحرونوت’ الإسرائيلية، معتبرة أن هناك عائقاً جوهرياً أمام انتقال العملاء بين البنوك، يتمثل في غياب التفاعل، إذ لا يمتلك معظم العملاء الوقت أو القدرة على مقارنة المنتجات المصرفية.

وأوضحت أن سلوك البنوك يشجع هذا الجمود، إذ تستفيد من بقاء العميل غير نشط، فلا عروض واضحة، ولا منتجات بسيطة، كما أن هناك ربط متعمد بين الخدمات، بحيث تُشترط أسعار معينة لبطاقات الائتمان أو منتجات أخرى.

وأعلنت كوهين أنها تدرس إصدار توجيهات تُلزم البنوك بالشفافية الكاملة في أسعار الودائع، وتمنع التمييز بين عملاء التجزئة، مع إمكانية تصنيف البنوك كمجموعة احتكارية، مما يسمح بفرض لوائح صارمة لتعزيز المنافسة.

وفي المؤتمر نفسه، أعرب المشرف المصرفي دانيال خاتشياشفيلي عن معارضته القاطعة للضريبة المقترحة، محذراً من أنها ستقوض المنافسة التي تسعى الجهات الرقابية لتعزيزها. وأكد أن فرض ضريبة على ‘الربحية الزائدة’ يجب، إذا تم، أن يكون وفق صيغة عامة تُطبق على جميع الشركات وليس على البنوك فقط.

شبح المحكمة العليا

حين أدركت وزارة المالية أن فرض ضريبة مرتفعة على البنوك، دون فرضها على الشركات العملاقة الأخرى والاحتكارات، قد يُسقطها القضاء، طُرحت فكرة توسيع نطاق الضريبة لتشمل الشركات الكبيرة التي حققت أرباحاً استثنائية في السنوات الأخيرة، لكن البيانات المتعلقة بهذا الاقتراح لم تُدرج ضمن تقرير اللجنة.

في النهاية، انتهى التقرير إلى أن الحجج متوازنة بين الطرفين، وأوصى بإحالة القرار النهائي إلى المستوى السياسي، من دون تبنٍ صريح لفرض الضريبة.

بل إن التقرير أشار إلى أنه حتى لو فرضت الضريبة، فإن المعدل المنطقي لا يتجاوز نصف النسبة التي أعلنها سموتريتش، أي أقل بكثير من 15% على 50% من الأرباح الأعلى مقارنة بمتوسط أعوام 2018–2022، مع تحذير واضح من العواقب السلبية المحتملة.

تظل المعركة حول الضريبة الاستثنائية الثابتة، التي يخطط وزير المالية لفرضها حتى عام 2030، في مراحلها الأولى، ومن المتوقع أن تحتدم في الكنيست وربما أمام المحكمة العليا، وخلال هذه الفترة ستستمر البنوك في سياستها المعتادة، أي الفوائد المرتفعة على القروض، والعوائد المنخفضة نسبيًا على الودائع، لضمان استمرار تحقيق أرباح ضخمة في العام المقبل أيضاً.


تم نسخ الرابط

Exit mobile version