سنوات من الضغط: كيف تخطت ‘هواوي’ الصينية العقوبات الأمريكية؟ – شاشوف

سنوات من الضغط كيف تخطت هواوي الصينية العقوبات الأمريكية؟


بعد خمس سنوات من العقوبات الأمريكية القاسية، تواجه شركة ‘هواوي’ الصينية تحديات كبيرة لكنها أظهرت قدرة على الصمود والابتكار. رغم القيود على التكنولوجيا، أعادت ‘هواوي’ تنظيم أعمالها محليًا، محققة إيرادات تاريخية تجاوزت 118 مليار دولار في 2024، مع زيادة الاعتماد على السوق الصينية. الدعم الحكومي كان محورياً في تطوير نظام التشغيل ‘HarmonyOS’ والشرائح المحلية. بينما تتنافس ‘هواوي’ مع ‘أبل’ في السوق، تظل مصدر قلق للولايات المتحدة بسبب مخاوف تتعلق بالأمن. ومع ذلك، تواجه ‘هواوي’ فجوة تقنية مع الغرب، مما يبرز التحديات التي تواجهها في تحقيق الاستقلالية الكاملة.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

بعد مرور أكثر من خمس سنوات على تطبيق إحدى أقسى العقوبات التكنولوجية في العصر الحديث على شركة “هواوي” الصينية، تجد الشركة نفسها اليوم عند مفترق طرق بين صمود استثنائي وتنافس عالمي متصاعد. ورغم القيود الأمريكية التي أعادت تشكيل مشهد أعمالها الدولية، تمكنت “هواوي” من إعادة ترتيب قواها داخلياً، وإنشاء منظومة تكنولوجية موازية، مما يجعل تجربتها مثالاً على قوة التكنولوجيا الصينية في الصمود وسط أعنف صراعات الجيوسياسة الرقمية في العالم.

طبقاً لقراءة مرصد “شاشوف”، بدأت بوادر التحديات بالظهور منذ تقرير لجنة الاستخبارات في مجلس النواب الأمريكي عام 2012، الذي أوضح مخالفات “هواوي” وعلاقاتها مع جيش التحرير الشعبي الصيني. كان هذا التقرير بمثابة إنذار مبكر دفع الشركة إلى أخذ خطوات استباقية وتنويع مصادر إيراداتها في السوق المحلية الصينية.

في 16 مايو 2019، أدرجت وزارة التجارة الأمريكية “هواوي” وشركاتها ضمن قائمة الكيانات المحظورة من الوصول إلى التكنولوجيا والبرمجيات الأمريكية، بما في ذلك خدمات جوجل ونظام أندرويد، دون ترخيص حكومي، مما أثر بشكل مباشر على قدرتها على المنافسة عالمياً، وخاصة في أوروبا وأمريكا الشمالية، بينما حافظت على وجود قوي داخل الصين وأسواق مختارة في آسيا والشرق الأوسط.

الأداء المالي قبل وبعد العقوبات

تشير البيانات الرسمية إلى أن “هواوي” استطاعت الحفاظ على استقرار نسبي في إيراداتها، مع تحول ملحوظ نحو السوق المحلية. في عام 2024، حققت ثاني أكبر إيرادات في تاريخها، متجاوزة 118 مليار دولار. وتُظهر الأرقام التي تتبعها مرصد “شاشوف” تقدماً تدريجياً نحو الاعتماد على السوق المحلية الصينية، حيث ارتفعت نسبة الإيرادات المحلية من 50.5% في 2017 إلى أكثر من 71% في 2024، في حين تراجعت الإيرادات العالمية إلى أقل من 30% من الإجمالي، مما يعكس قدرة “هواوي” على التعافي داخلياً رغم القيود الخارجية.

وكان الدعم الحكومي حجر الزاوية في صمود “هواوي”، حيث حصلت الشركة على حوالي 46 مليار دولار كقروض وتسهيلات ائتمانية من مقرضين حكوميين صينيين، بالإضافة إلى إعفاءات ضريبية بلغت حوالي 25 مليار دولار خلال الفترة من 2008 إلى 2018.

ساهم هذا الدعم في تطوير نظام التشغيل الخاص بها “HarmonyOS” وإنشاء شريحة “Kirin 9000S” محلياً، مما منح الشركة استقلالية تقنية نسبية.

ورفع الإنفاق على البحث والتطوير إلى 20.8% من الإيرادات كان محورياً لتطوير نظام التشغيل الذي يُستخدم اليوم على أكثر من مليار جهاز، والتعاون مع شركة “SMIC” لإنتاج رقائق 7 نانومتر عبر تقنية DUV، وتطوير معالجات “Ascend”.

مكّن هذا الاستثمار الضخم شركة “هواوي” من تقليل الاعتماد على التكنولوجيا الغربية وبناء قدرات محلية في مجالات متعددة مثل المركبات الذكية والحوسبة السحابية.

كما ساعد ولاء المستهلكين المحليين جنباً إلى جنب مع التوسع في السيارات الذكية والطاقة والحوسبة السحابية على تعزيز حصانة الشركة، وساهم التوجه المبكر نحو أسواق أقل تأثراً بالضغط الأمريكي في توفير حماية إضافية ضد الصدمات الاقتصادية والسياسية.

مصدر قلق لأمريكا

تقول وكالة بلومبيرغ في تقرير اطلع عليه شاشوف إن “هواوي” أصبحت مصدر قلق للولايات المتحدة بسبب المخاوف المتعلقة بالتجسس والانتهاكات المحتملة للملكية الفكرية، وعلاقتها بالبنية القانونية الصينية التي تلزم الشركات بالتعاون مع أجهزة الاستخبارات.

وكشف تحقيق لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي عام 2022 أن معدات “هواوي” يمكن أن تعرقل الاتصالات العسكرية الأمريكية، بما في ذلك تلك المتعلقة بالترسانة النووية، مما زاد من مخاوف الأمن القومي الأمريكي.

في المقابل، يرى خبراء أن هذه المخاوف تعكس صراع القيادة التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين بدلاً من أن تكون مسألة أمنية بحتة، وأن العقوبات والسياسات الأمريكية تهدف إلى “الفصل التكنولوجي” وحصر النفوذ الصيني في إطار داخلي.

شهدت السوق الصينية منافسة شرسة بين “هواوي” و”أبل” الأمريكية، حيث استعادت الشركة الصينية المركز الأول بحصة 18% في الربع الثاني من 2025، بينما قفزت “أبل” إلى 25% عالمياً في أكتوبر 2025 لأول مرة منذ ثلاث سنوات.

هذه المنافسة تعكس صراعاً بين نموذجين تقنيين، هما النموذج الغربي بقيادة الولايات المتحدة ونظامها البيئي، والنموذج الصيني بقيادة “هواوي” ونظام “HarmonyOS”.

كما أطلقت “هواوي” هاتف “Mate 60” القابل للطي ثلاث مرات في سبتمبر 2024، قبل 12 ساعة فقط من مؤتمر “أبل”، في خطوة تؤكد المنافسة الاستراتيجية بين العملاقين على مستوى الابتكار وسرعة إطلاق المنتجات.

نفوذ “هواوي” في الشرق الأوسط

تنظر التقارير الأمريكية إلى أن شركة “هواوي” باتت “أداة نفوذ صينية” في منطقة الشرق الأوسط، عبر شبكات الجيل الخامس، والحوسبة السحابية، والمدن الذكية، والتدريب التقني، مع شراكات واتفاقيات مع نحو 11 دولة، أبرزها مصر ودول الخليج.

ساهمت الأسعار التنافسية والتوافق مع استراتيجيات التحول الرقمي في تعزيز الحضور الصيني في المنطقة، بينما باتت التكنولوجيا أداة جيوسياسية تستخدمها القوتان العظميان، الولايات المتحدة والصين، لتحقيق التوازن والتأثير الإقليمي.

ورغم النجاح المحلي، تواجه “هواوي” فجوة تقنية واضحة مع الغرب، خاصة في تصنيع الشرائح الدقيقة (3 نانومتر) مقارنةً بشريحتيها الحالية 7 نانومتر، وتعتمد على معدات ASML الهولندية.

وقد أعلنت الحكومة الصينية التزامها بسد هذه الفجوة بغض النظر عن التكلفة، معتبرة الأمر قضية أمن قومي واستراتيجية حيوية.

تقديرات تشير إلى أن تصنيع الشرائح محلياً يزيد التكاليف بنسبة تتراوح بين 20 و35%، مع انخفاض العوائد بين 40 و50% مقارنة بمنافسيها العالميين، مما يمثل تحدياً حقيقياً لتحقيق استقلالية كاملة، خاصة مع سقف إنتاج محدود قدره 200 ألف رقاقة ذكاء اصطناعي في 2025 مقابل ملايين الوحدات عالمياً.

الشركات الصينية.. قدرة التكيف أمام العقوبات

تجربة “هواوي” تمثل نموذجاً لقدرة الشركات الصينية الكبرى على التكيف أمام العقوبات الأمريكية من خلال تنويع الإيرادات والأسواق وتوجيه النشاط نحو السوق المحلية والأسواق الصديقة بعيداً عن الضغوط الغربية.

كما يُسهم الدعم الحكومي والحوافز في التكيف، عبر التسهيلات المالية والإعفاءات الضريبية، وسهولة الوصول إلى الموارد التقنية، بالإضافة إلى قدرة الشركات على الابتكار المحلي وتطوير أنظمة تشغيل ومعالجات محلية، وبناء منظومة بيئية متكاملة.

ويُضاف إلى ذلك الاستقلالية التدريجية للشركات وتقليل الاعتماد على الموردين الغربيين وإيجاد بدائل محلية في مجال الهواتف والشرائح والحوسبة السحابية.

لكن النجاح يعتمد على ميزات خاصة بالصين، مثل سوق محلي ضخم ودعم حكومي قوي وبنية تصنيع وطنية متقدمة، مما يجعل من الصعب تكرار تجربة “هواوي” عالمياً بنفس المستوى، حتى مع الدعم الحكومي الكبير.

بعد خمس سنوات من العقوبات الأمريكية، يمكن القول إن “هواوي” حققت صموداً استثنائياً، مع وجود تحديات كبيرة على المستوى الدولي. تُظهر قدرتها على الابتكار والتكيف مرونة الشركات الكبرى في الصين، ولكن القيود التقنية والسياسية الغربية لا تزال تحد من نفوذها العالمي، خاصة في الأسواق الغربية. تثبت التجربة أن الابتكار والتنوع والدعم الاستراتيجي يمكن أن يضمنوا البقاء في أوقات الأزمات، لكنها تبقى نموذجاً صعب الاستنساخ عالمياً.


تم نسخ الرابط

Exit mobile version