ثاني أكبر شركة نقل بحري عالمية تستعد للعودة إلى مياه البحر الأحمر – شاشوف

ثاني أكبر شركة نقل بحري عالمية تستعد للعودة إلى مياه


تشهد صناعة الشحن العالمية حالة من الترقب مع احتمال استئناف الملاحة عبر البحر الأحمر وقناة السويس، بعد تحويلات استمرت لأشهر عبر رأس الرجاء الصالح. رغم وجود خطط جاهزة من شركات مثل ‘هاباغ لويد’، يتطلب الاستئناف استقرارًا أمنيًا وضمانات تأمين. تحذيرات من تكدس كبير في الموانئ الأوروبية بسبب الشحنات المتراكمة، مما يعقد العمليات اللوجستية. يُتوقع أن تتزامن العودة مع فترة ركود بعد رأس السنة الصينية، ما يمنح شركات الشحن فرصة لإعادة التنظيم. التحديات الأمنية واللوجستية تشير إلى أن العودة لن تعود بالأمور إلى طبيعتها بل ستفتح فصلًا جديدًا من الأزمات.

أخبار الشحن | شاشوف

تواجه صناعة الشحن العالمية حالة من الترقب غير المسبوقة، مع تزايد التوقعات بإمكانية استئناف الحركة التجارية عبر البحر الأحمر وقناة السويس بعد شهور من التحويلات عبر رأس الرجاء الصالح. ورغم بقاء الوضع الأمني غير مستقر في الممر البحري الأكثر حساسية شرق السويس، فإن أكبر شركات الشحن – وعلى رأسها “هاباغ لويد” الألمانية – تعلن عن استعدادها لاستئناف العبور ‘عندما يكون الوقت مناسبًا’، مما يشير إلى أن العودة متوقعة لكنها لن تكون سهلة أو سريعة.

بينما تعد العودة إلى المسار التقليدي بفرص لتقليص زمن الرحلات والتكاليف، تشير تقديرات خبراء النقل البحري إلى أن استئناف الملاحة عبر السويس سيفتح أمامنا تحديات أخرى لا تقل صعوبة، مثل التكدس الكبير المتوقع في الموانئ الأوروبية، وعودة التوتر إلى سلاسل التوريد، والتدفق غير المنظم لكميات هائلة من الحاويات التي تراكمت خلال فترة التحويل الطويلة.

تأتي هذه التطورات في وقت سجل فيه البحر الأحمر أكثر من 100 هجوم على السفن التجارية المرتبطة بالملاحة الإسرائيلية في الفترة الأخيرة، وفقاً للبيانات التي جمعها مرصد “شاشوف”. مما يجعل شركات التأمين والناقلين أكثر حذرًا بشأن أي تحول سريع نحو هذا الممر المائي، وبذلك تواجه التحديات: رغبة قوية في العودة إلى الوضع الطبيعي، لكنها تصطدم بواقع لوجستي وأمني يشير إلى أن ‘اليوم التالي’ لفتح البحر الأحمر لن يكون أقل تعقيداً من فترة الإغلاق نفسها.

خطة جاهزة… لكن الظروف لم تنضج بعد

صرح الرئيس التنفيذي لشركة هاباغ لويد، رولف هابن جانسن، بأن الشركة وضعت ‘خطة جاهزة على الرف’ لاستئناف العبور عبر البحر الأحمر وقناة السويس، مؤكدًا أن التنفيذ يتوقف فقط على توفر الظروف المناسبة، وأهمها الاستقرار الأمني وضمانات شركات التأمين. ولكنه أشار إلى ضرورة أن تكون العودة ‘منظمة’ لتفادي الصدمات المفاجئة في سلاسل التوريد.

يؤكد مسؤولو اللوجستيات في الشركات العالمية أن الخطط الحالية تعتمد على سيناريوهات دقيقة تتضمن تقييم موقع كل سفينة وموعد إعادة توزيعها على المسارات التقليدية، إلى جانب جدول إعادة التموين والموانئ المستهدفة. ولكن الإشكالية تكمن في كيفية التنفيذ في بيئة مزدحمة ومعقدة.

وبحسب محللين لوجستيين شاركوا في النقاش، فإن استئناف الملاحة عبر السويس سيتطلب فترة اختبار تمتد لأسابيع، تشمل عبورًا تجريبيًا لعدد محدود من السفن ثم رفع العدد تدريجياً، مما يسمح بتقييم المخاطر بشكل عملي، خاصة فيما يتعلق بسلامة الطاقم وموثوقية التأمين البحري.

ويرى الخبراء أن توقيت العودة قد يتزامن مع فترة ما بعد رأس السنة الصينية في مارس المقبل، وهو الوقت الذي عادةً ما يشهد ركودًا موسميًا في الطلب على الشحن، ما يمنح الناقلين فرصة لإعادة تنظيم أسطولهم دون أي صدمات إضافية في الموانئ الأوروبية.

التكدس الأوروبي… أزمة كامنة تنتظر لحظة الانفجار

يحذر خبراء النقل الذين يتعاون معهم “شاشوف” من أن العودة المفاجئة للسفن إلى المسار عبر السويس ستؤدي إلى موجة تكدس ضخمة في الموانئ الأوروبية، خصوصًا في البحر الأبيض المتوسط وشمال أوروبا. فالموانئ ستستقبل خلال أسابيع قليلة كميات مضاعفة من الحاويات بسبب تراكم الشحنات المؤجلة منذ بدء التحويلات عبر رأس الرجاء الصالح.

هذا التكدس سيقترن بضغط كبير على عمليات التفريغ والتحميل، مما قد يؤدي إلى اختناقات لوجستية جديدة داخل الموانئ، خصوصًا تلك التي تعمل بالفعل عند حدود قدرتها التشغيلية. وقد يتسبب ذلك في تأخير الشاحنات والقطارات، الأمر الذي سينعكس مباشرة على جداول التوريد في أوروبا.

كما أن التحليلات تشير إلى أن بعض الخدمات البحرية ستصبح ‘خالية’ من السفن خلال فترة الركود بعد رأس السنة الصينية، مما يجعل إعادة دمج السفن في العمليات أمراً أكثر مرونة، لكن تزامن وصول عشرات السفن في وقت واحد سيبقى يمثل تحدياً كبيراً للمهام التشغيلية.

ووفق تقديرات لوجستية، فإن الخطر الأكبر ليس في وصول السفن ذاتها، بل في تدفق البضائع إلى الموانئ بكميات تفوق قدرة المخازن والساحات على الاستيعاب. فعندما تتضاعف الشحنات بمعدل كبير خلال فترة قصيرة، يجد أصحاب البضائع صعوبة في إخراج الحاويات بسرعة، مما يجلب حالة شلل مؤقت في شبكات التوزيع.

وذكر موقع “لود ستار” البريطاني لتحليلات الشحن، حسب اطلاع شاشوف، أن الاستثمار من جانب المستوردين الأوروبيين وشركات الشحن التابعة لهم في زيادة سعة تخزين الحاويات الداخلية قد يكون عاملًا رئيسيًا في تخفيف احتمالية اندلاع الازدحام في الموانئ، في حالة استئناف حركة المرور في البحر الأحمر وقناة السويس.

موانئ البحر الأحمر… أمن هش وتهديدات متواصلة

أكد جانسن أن البحر الأحمر شهد تقريبًا 100 هجوم على السفن التجارية من جنوب قناة السويس وحتى ميناء جدة السعودي، وهو رقم يعكس هشاشة الوضع الأمني واستمرار المخاطر التي تهدد خطوط الملاحة. ورغم الجهود الدولية لحماية الممر، فإن شركات النقل ترى أن الأمن ‘لم يصل بعد إلى المستوى الذي يسمح بالعودة الآمنة’.

وتتردد شركات التأمين في تقديم تغطيات منخفضة التكلفة لعبور السفن، مما يعني أن العودة عبر البحر الأحمر ستظل مُكلفة في المدى القريب، حتى لو تحسنت الظروف. هذا العامل المالي يمثل ضغطًا إضافيًا على شركات الشحن التي تسعى لتحقيق التوازن بين التكلفة والمخاطرة.

تشير التحليلات إلى أن أي عملية استئناف للملاحة ستتضمن مرحلة مراقبة موسعة، تتطلب تقييمات أمنية دورية، وتأمينات خاصة، وربما مرافقة بحرية لبعض السفن في الأسابيع الأولى. وهذا يزيد من تعقيد عودة الملاحة، ويجعلها عملية تدريجية وليست شاملة.

في هذا السياق، يبدو أن خطوط الملاحة تميل إلى العمل وفق سيناريوهات ‘إدارة المخاطر’ بدلاً من ‘العودة الكاملة’، مع التوقع بأن يستمر جزء من الأسطول العالمي في التوجه عبر رأس الرجاء الصالح حتى عند إعادة فتح الممر، تجنبًا لأي صدمات أمنية.

سلاسل التوريد العالمية… اختبارات جديدة في الأفق

عودة الملاحة عبر السويس ستعيد تشكيل خريطة التجارة بين آسيا وأوروبا، لكنها أيضاً ستدخل الأسواق في مرحلة جديدة من الاضطراب. فالتغيير المفاجئ في مسارات النقل سيؤثر على جداول التوريد التي أعيد تنظيمها خلال الأشهر الأخيرة وفقًا للطرق الالتفافية.

ستحتاج الشركات الأوروبية والمستوردون إلى التكيف مع ‘موجة توريد’ كبيرة ستصل في فترة قصيرة، مما يعيد إلى الأذهان مشاهد التكدس التي شهدتها موانئ العالم خلال جائحة كورونا. هذه الموجة ستختبر قدرة سلاسل التوريد على استيعاب الصدمات المتعاقبة.

تتوقع الشركات أيضًا ارتفاع تكاليف الخدمات اللوجستية على المدى القصير، بسبب الحاجة إلى موارد إضافية من العمالة والمعدات، إلى جانب إعادة جدولة عمليات النقل الداخلي بالشاحنات والقطارات، مما قد ينعكس على أسعار السلع في الأسواق الأوروبية.

تشير تقديرات طالعها شاشوف إلى أن الفترة الانتقالية قد تستمر بين 6 إلى 12 أسبوعًا، وهي فترة كافية لظهور الارتباك في تدفق البضائع داخل أوروبا. ومن المتوقع أن تحتاج الشركات إلى أشهر إضافية لإعادة ضبط مخزوناتها ومواعيد شحنها وفق النظام الجديد.

تظهر التحركات الأخيرة لشركات النقل أن العالم يقترب من مرحلة إعادة فتح البحر الأحمر، ولكن هذه العودة لن تعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل الأزمة. فالتحديات الأمنية واللوجستية والمينائية تجعل من ‘اليوم التالي’ عبئاً ثقيلاً على صناعة الشحن، خصوصًا مع التوقعات بحدوث تكدس كبير في الموانئ الأوروبية وتدفق غير مسيطر عليه للحاويات.

في النهاية، يمكن القول إن العودة إلى قناة السويس ليست نهاية الأزمة، بل بداية فصل جديد منها؛ فصل يتطلب إدارة دقيقة وتخطيط متدرج واستعداد طويل الأمد لضمان استقرار سلاسل التوريد العالمية في واحدة من أكثر الممرات المائية حساسية في العالم.


تم نسخ الرابط

Exit mobile version