تمثال ملكي فريد يغادر اليمن بهدوء.. تعرض قطعة من المرمر ومجوهرات تاريخية في مزادات النخبة في باريس ولندن – شاشوف

تمثال ملكي فريد يغادر اليمن بهدوء تعرض قطعة من المرمر


كشف الباحث عبدالله محسن عن عرض تمثال نادر يعود لحضارة قتبان في مزادات عالمية، يمثل شخصية نسائية ملكية من القرن الثالث قبل الميلاد. التمثال، الذي غادر اليمن قبل عام 1970، يُظهر دلالات ثقافية هامة عن الحياة الاجتماعية والدينية في تلك الحقبة. يعكس الوضع الحالي كيف تحولت الآثار اليمنية إلى سلع فنية تُباع عبر الأسواق العالمية، وسط غياب جهود رسمية لاستعادتها. الحرب المستمرة منذ 2015 زادت من نهب التراث اليمني، بينما تعاني البلاد من فوضى وفساد، مما يهدد اقتصادها وثقافتها. تُثار تساؤلات حول مسؤولية المجتمع الدولي في الحفاظ على هذه الكنوز.

الاقتصاد اليمني | شاشوف

في ظل صمت رسمي صارم واستمرار الانحدار في التراث الثقافي اليمني، أظهرت دراسة حديثة للباحث اليمني المتخصص في الآثار، عبدالله محسن، عرض تمثال فريد ونادر للغاية من الآثار القديمة في اليمن، يمثل شخصية نسائية ملكية من حضارة قتبان، في إطار سلسلة من المزادات والمعارض الفنية العالمية التي أصبحت منفذاً رئيسيا لبيع الآثار اليمنية المنهوبة.

يُعتبر هذا التمثال النادر، الذي يعود تاريخه إلى القرن الثالث قبل الميلاد – أي منذ حوالي 2300 عام – من أكثر القطع الأثرية اليمنية اكتمالاً وندرة، حيث يُجسّد شخصية نسائية بارزة من مدينة ‘تمنع’ القتبانية، وهي عاصمة مملكة قتبان القديمة، واحدة من أبرز حضارات جنوب الجزيرة العربية.

يتسم هذا التمثال بدمجه بين المرمر النقي والمجوهرات المصنوعة من البرونز، ويعتبر مثالاً نادراً عن التكامل المادي في النحت اليمني القديم.

وفقاً للوصف الفني الذي قدمته مؤسسة ‘فينيكس للفن القديم’ حيث عُرض التمثال، تظهر القطعة امرأة واقفة بثبات على قاعدة صغيرة، وقدماها العاريتان تستقران على الأرض، ترتدي فستاناً طويلاً مع تاج برونزي، وتُزيّن أذنيها أقراط معدنية كبيرة على شكل صدفة، كما تمتد أساور على هيئة أفاعٍ حول معصميها، وقد نُحت شعرها بدقة كضفيرة طويلة تتدلّى خلف الرأس، ويُشكل التاج البرونزي الجزء الأمامي من تسريحة شعرها الملكية.

تمتاز ملامح الوجه بدقة بارزة، مع عيون كبيرة تحددها مادة داكنة – ربما البيتومين – ونقوش دقيقة للحاجبين والأنف والشفتين، تعكس هيبة ملكية وسمات دينية، بينما يُوحي وضع اليدين المختلف – واحدة ممدودة والأخرى مضغوطة تمسك شيئاً غير معروف – بوضع تعبّدي ديني كان شائعًا في الرموز الجنائزية اليمنية القديمة، وفقاً لمعلومات مرصد شاشوف.

من اليمن إلى باريس.. رحلة تمثال

من المثير في قصة التمثال، وفقًا للباحث عبدالله محسن، أن التمثال غادر اليمن قبل عام 1970 في ظروف غير واضحة، ليستقر لاحقاً في فرنسا، ثم انتقل إلى سويسرا، قبل أن يُعرض في معرض ‘باد لندن’ الشهير في ساحة بيركلي من 02 إلى 08 أكتوبر 2017.

يُعد هذا المعرض السنوي أحد أبرز الفعاليات الفنية في أوروبا، وقد تأسس عام 2007 على يد تاجر التحف الباريسي ‘باتريك بيرين’، ويُعتبر النسخة الشقيقة لمعرض ‘باد باريس’ الذي يقام في حديقة التويلري بين متحف اللوفر وساحة الكونكورد.

يعكس العرض الدولي لهذا التمثال كيف تحولت القطع اليمنية من شواهد حضارية إلى سلع فنية قيمة تجوب العواصم الأوروبية، وتُعرض تحت إضاءات ناعمة في صالات المزادات، بعيداً عن أي سياق ثقافي أو إنساني، في ظل غياب أي تحرك رسمي لاستعادتها أو حتى تسجيل موقف قانوني بشأنها.

حلقة جديدة في سلسلة النهب المنظم

هذا التمثال النادر لا يمثل سوى حلقة في سلسلة متواصلة من تسريب وبيع الآثار اليمنية، التي تسارعت بشكل كارثي منذ اندلاع الحرب في عام 2015. فقد عرض مزاد أمريكي منذ أسابيع خاتماً ذهبياً نادراً من ‘الإلكتروم’ – مزيج طبيعي من الذهب والفضة – يعود للقرن الأول قبل الميلاد، منقوش عليه نص مسندي كامل، ووُصف بأنه من أندر القطع اليمنية التي ظهرت في مزاد عالمي. ووفقاً لمتابعات ‘شاشوف’، فقد بُيع الختم في الولايات المتحدة بعد مروره بمعرض فني خاص في نيويورك.

كما تابعت ‘شاشوف’ إعلان دار ‘أبولو للفنون’ البريطانية نيتها عرض خمس قطع أثرية يمنية نادرة في يوليو 2025، تعود لحضارات سبأ ومعين وقطبان، ويُعتقد أنها نُهبت خلال فترات الاضطراب الأمني.

ما وراء الجمال: قيمة معرفية وثقافية مهدورة

إلى جانب الجمالية المتقنة في تصميمه، يحمل تمثال المرأة ذات التاج والمجوهرات دلالات ثقافية ومعرفية عميقة، وفقاً لمختصين في فنون جنوب الجزيرة العربية.

فهو يقدم معلومات بصرية دقيقة عن الملابس، والحلي، وتسريحات الشعر، والرموز الجنائزية التي استخدمها اليمنيون القدماء، مما يساعد في رسم صورة أوضح لطبيعة الحياة الاجتماعية والدينية في ممالك اليمن القديمة.

ويؤكد باحثون أن معظم هذه القطع كانت تُوضع في المقابر وغالبًا ما وُجدت عليها نقوش تدل على أنها تُجسد صور المتوفين، وهو ما يعزز أهميتها في فهم الطقوس الجنائزية والمعتقدات المتعلقة بالحياة بعد الموت في تلك الحقبة.

غياب الدولة.. وتواطؤ السوق الفنية العالمية

رغم توقيع اليمن على اتفاقية 1970 الخاصة بمنع الاتجار غير المشروع بالآثار، فإن غياب الإرادة السياسية وغياب التنسيق المؤسسي مكّن السوق السوداء العالمية من الاستمرار في بيع هذه الكنوز.

تشير رصدات ‘شاشوف’ إلى أن أكثر من 1000 قطعة أثرية يمنية معروضة أو معروفة في مزادات أو مجموعات خاصة في أوروبا وأمريكا، دون أي ردع قانوني فعّال.

وشهدت مؤسسات دولية مثل ‘اليونسكو’ تحمل جزءاً من المسؤولية، إذ لم تصدر أي مواقف جادة أو عمليات تتبّع علنية لمثل هذه القطع، في حين نجحت دول عربية أخرى، مثل مصر والعراق، في استعادة عشرات القطع الأثرية باستخدام الأدوات القانونية الدولية.

تمثال المرمر النادر والختم الذهبي من الإلكتروم يجسد قصة مأساوية: حضارة عظيمة تُنهب أمام أعين العالم، بلا رقيب ولا حسيب، وتُعرض كشواهد فنية دون سياق، بينما يتآكل الاقتصاد اليمني وتُسرق تاريخه تحت وطأة الفوضى والفساد.

بينما تُصنع ميداليات نوبل من معدن الإلكتروم نفسه، يُنهب الختم الذي استخدمه اليمنيون قبل ألفي عام، وفي الوقت الذي تتزين فيه المعارض الأوروبية بتماثيل يمنية لنساء ملكيات، تبقى متاحف اليمن خاوية، ويُحرم الشعب من تاريخه وثقافته. فهل سيفيق الضمير العالمي أم تبقى هذه الكنوز مطوية في ألبومات المزادات، وكأنها لا تعني أحداً؟


تم نسخ الرابط

Exit mobile version