يسعى ترامب لجذب استثمارات بقيمة 100 مليار دولار من شركات النفط الأمريكية لإعادة بناء قطاع النفط الفنزويلي، مع التركيز على خفض أسعار الخام محلياً. ومع ذلك، تواجه هذه الخطة صعوبات، إذ تعاني فنزويلا من بنية تحتية متهلة وإطار قانوني غير جذاب، فضلاً عن كون النفط خاماً ثقيلاً يتطلب أسعاراً مرتفعة لتحقيق الربحية. الشركات الكبرى مثل إكسون موبيل عبّرت عن عدم جاهزيتها للاستثمار بسبب المخاطر القانونية، بينما قد يؤثر انحسارها سلباً على مصداقية الخطة الاستثمارية. التحركات الأمريكية قد تهدد استقرار النفط الصخري المحلي وتزيد من التعقيدات السياسية والاقتصادية.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
يطمح ترامب إلى جذب شركات النفط الأمريكية للاستثمار بمبلغ لا يقل عن 100 مليار دولار لإعادة تأهيل قطاع النفط في فنزويلا واستغلاله بالكامل، وذلك ضمن رؤية شاملة تهدف إلى فتح النفط الفنزويلي أمام السوق العالمية، وخفض أسعار الخام والبنزين محلياً، بما يساهم في تحقيق أهداف سياسية وانتخابية فورية.
يقدم ترامب هذا الخطاب كفرصة استراتيجية، متعهداً بتوفير ضمانات أمنية للشركات، ومؤكداً وفق متابعات ‘شاشوف’ أن التعامل سيكون ‘مباشرة مع واشنطن’ وليس بالطرق التقليدية عبر الدولة الفنزويلية، في محاولة لتجاوز آثار التأميم والمصادرات وعدم الاستقرار القانوني.
ومع ذلك، تواجه هذه الرؤية واقعاً معقداً، فرغم اعتزاز فنزويلا باحتياطياتها النفطية الضخمة، تعاني من بنية تحتية متداعية، وإطار قانوني غير جذاب، وديون متراكمة، فضلاً عن تاريخ طويل من مصادرة الأصول والعقوبات الأمريكية الوخيمة، مما يجعل رفع الإنتاج إلى مستوياته التاريخية (3.5 ملايين برميل يومياً كما كان في أواخر التسعينيات) يحتاج إلى استثمارات تفوق بكثير سقف الـ100 مليار دولار وعلى مدى عقد أو أكثر، في وقت لا يتجاوز فيه الإنتاج الحالي نحو 800 ألف برميل يومياً، وفق البيانات التي جمعها شاشوف.
عقدة النفط الفنزويلي الثقيل
على الرغم من وعود ترامب باستثمار مليارات الدولارات لإعادة بناء قطاع النفط الفنزويلي، مشيراً إلى أن ذلك سيساهم في خلق ثروة هائلة، إلا أن الواقع مختلف تماماً، إذ أن معظم الخام الفنزويلي هو نوع ثقيل، ويحتاج إلى تكلفة أعلى للاستخراج والمعالجة مقارنة بالنفط الخفيف.
تشير بيانات شركة ريستاد إنرجي إلى أن سعر التعادل (أي الحد الأدنى للسعر الذي يجعل إنتاج البرميل مربحاً) يتراوح بين 80 و90 دولاراً للبرميل بالنسبة للنفط الثقيل في حزام أورينوكو، وهذا الرقم أكبر بكثير من سعر خام ‘برنت’، المعيار الدولي، الذي يزيد قليلاً عن 60 دولاراً، مما يجعل إنتاج النفط في فنزويلا مكلفاً وغير جذاب اقتصادياً في الظروف الحالية.
بمعنى آخر، يعتبر النفط الفنزويلي غير قادر على المنافسة اقتصادياً حالياً، فطالما بقي سعر برنت دون 80 دولاراً، فإن استخراج الخام الثقيل من حزام أورينوكو ليس مربحاً تجارياً، مما يعني أن خطة ترامب تواجه اعتبارات عملية كبيرة.
الشركات العملاقة.. و”فيتو” إكسون موبيل
عقد ترامب اجتماعاً مؤخراً مع حوالي 20 من التنفيذيين البارزين في قطاع النفط، حيث أظهر الفجوة الواضحة بين تطلعات البيت الأبيض وأرقام الشركات، فرغم الترحيب اللفظي بالفرص، أبدت شركات مثل “إكسون موبيل” و”كونوكو فيليبس” و”شيفرون” تحفظات كبيرة تتعلق بغياب الحماية القانونية المستدامة، والحاجة إلى تغيير جذري في قوانين الهيدروكربون الفنزويلية، وإعادة هيكلة الديون، وتأمين التمويل المصرفي.
وكان موقف شركة “إكسون موبيل” الأكثر وضوحاً حدة، حيث وصف رئيسها التنفيذي دارين وودز فنزويلا بأنها “غير قابلة للاستثمار” في ظل الظروف الحالية، مذكراً بأن أصول الشركة تم مصادرتها مرتين من قبل، وهو الأمر الذي أغضب ترامب، الذي أشار إلى أنه قد يستبعد الشركة من أي مشاريع مستقبلية، معتبراً ردها “مراوغاً” و”زائداً عن اللزوم”.
في المقابل، كانت شركة “شيفرون”، التي تعتبر الشركة الأمريكية الوحيدة العاملة حالياً في فنزويلا، تحافظ على حذر شديد، مع التركيز على سلامة موظفيها والامتثال الصارم للقوانين والعقوبات، بينما أبدت بعض الشركات المستقلة الصغيرة استعداداً أكبر لمخاطر جديدة، مثل “هيلكورب للطاقة”، التي أكدت التزامها بإعادة بناء البنية التحتية، رغم أن هذا الاستعداد لا يعكس بالضرورة القدرة المالية أو التقنية التي تتمتع بها الشركات الكبرى.
صراع في المعسكر النفطي الأمريكي
الانخراط الأمريكي القوي في فنزويلا أثار موجة من الغضب داخل قطاع النفط الصخري الأمريكي، خصوصاً في ولايات مثل تكساس، حيث يُعد المنتجون المستقلون من أبرز الداعمين السياسيين لترامب، ويرى هؤلاء أن فتح النفط الفنزويلي يمثل تحوّلاً خطيراً من سياسة حماية الإنتاج المحلي إلى التحكم في السوق عبر زيادة العرض، مما يهدد نموذج النفط الصخري بالكامل.
تعزز هذه المخاوف أرقام مقلقة، فأرقام إدارة معلومات الطاقة الأمريكية تتوقع، وفق بيانات قام بمراجعتها ‘شاشوف’، أن يتراجع إنتاج النفط الأمريكي بنحو 100 ألف برميل يومياً في عام 2026، وهو الانخفاض السنوي الأول منذ جائحة كورونا، مع تراجع عدد منصات الحفر بنسبة 15%.
ويحتاج منتجو النفط الصخري إلى سعر يزيد عن 60 دولاراً لبرميل خام غرب تكساس لتحقيق الربحية، وذلك طبقاً لقراءة ‘شاشوف’، في الوقت الذي انخفضت فيه الأسعار إلى ما دون 56 دولاراً، مع توقعات بمتوسط 51 دولاراً خلال العام، بالتزامن مع زيادة إنتاج ‘أوبك’ وعلى رأسها السعودية.
كانت النتيجة انعكاساً فورياً في الأسواق، حيث تراجعت أسهم شركات نفط صخري مستقلة مثل “دايموندباك إنرجي” و”إيه بي إيه كورب” و”ديفون إنرجي” بنحو 9%، وسط رهانات المستثمرين على أن أي تدفق إضافي للنفط الفنزويلي سيضغط أكثر على الأرباح والحصص السوقية.
ضرب الخطط الأمريكية.. ماذا بعد إقصاء “إكسون موبيل”؟
في حال استبعاد “إكسون موبيل”، كما يُشير ترامب، ستكون له تداعيات جسيمة على مستويات متعددة، فهو يعتبر ضربة للمصداقية الاستثمارية نظراً لأن “إكسون موبيل” ليست مجرد شركة نفط، بل تُعتبر معيار ثقة للأسواق، وغيابها عن مشروع فنزويلا سيعزز الانطباع بأن المخاطر السياسية والقانونية لا تزال مرتفعة، وقد يدفع شركات أخرى للتأني أو تقليص طموحاتها الاستثمارية.
كما يضعف استبعادها من المشروع القدرة التقنية والمالية اللازمة، حيث تتطلب إعادة بناء قطاع النفط الفنزويلي كفاءات رأس المال والتكنولوجيا التي لا تملكها سوى الشركات الكبرى، مما يعني الاعتماد على شركات أقل قدرة أو شركات أوروبية لا تزال تخضع للعقوبات، ما قد يبطئ عملية التعافي.
ويعزز إقصاؤها الانقسام داخل قطاع الطاقة الأمريكي، ففيما يرى منتجو النفط الصخري أن إقصاء “إكسون موبيل” قد يلجم تدفق النفط الفنزويلي ويخفف الضغط على الأسعار، قد تعتبر الشركات الكبرى هذه الخطوة إشارة سياسية مقلقة لتسييس قرارات الاستثمار، مما قد يؤثر سلباً على العلاقة بين الإدارة والقطاع.
وقد يفتح غياب “إكسون موبيل” المجال أمام شركات أخرى، أمريكية أو غير أمريكية، لتولي زمام الأمور، ما قد يقلل من الهيمنة الأمريكية التي يسعى ترامب إلى تعزيزها، أو يجعلها أقل تماسكاً.
ومع ذلك، فإن أي زيادة جوهرية في الإنتاج الفنزويلي حتى مع استبعاد “إكسون” تحتاج لسنوات، مما يعني أن الأثر الفوري على الأسعار قد يكون أقل مما يتوقعه ترامب، بينما تبقى الضغوط على النفط الصخري قائمة بسبب العوامل العالمية الأخرى.
في الواقع، تكشف خطة ترامب تجاه فنزويلا ونفطها الضخم عن مفارقة مركزية، فهي تسعى لتعزيز النفوذ الأمريكي عالمياً من خلال السيطرة على الموارد النفطية الخارجية وخفض الأسعار داخلياً، لكنها تهدد أيضاً أحد أعمدة القوة الاقتصادية الأمريكية وهو قطاع النفط الصخري المستقل، وتدخل في صدام مع أكبر شركات الطاقة بسبب مخاطر لا يمكن التغلب عليها بالخطاب السياسي وحده.
ويبقى إقصاء شركة عملاقة مثل “إكسون موبيل” سيفاً ذا حدين، فقد يُرضي بعض المنتجين المحليين الغاضبين، لكنه يضعف الأساس الاستثماري لمشروع إعادة إحياء النفط الفنزويلي، مما يجعل الطريق لتحقيق أهداف ترامب أكثر تعقيداً وأطول زمناً مما يُنتظر.
تم نسخ الرابط
