يواجه اليمن أزمة نقل وشحن معقدة أثرت سلباً على الحياة الاقتصادية والاجتماعية. تعيق التعقيدات الإدارية والبنية التحتية الهشة وتدهور الاقتصاد حركة البضائع، ما يؤدي إلى خسائر تقدر بعشرات الملايين من الدولارات سنوياً. يعاني التجار من إجراءات جمركية طويلة وضرائب متعددة، ما يرفع أسعار السلع بنسبة 50% قبل وصولها للمستهلك. الطرق المدمرة تزيد من التكاليف والمخاطر، وتعكس أزمة الشحن الانقسام السياسي والفساد. تتطلب الحلول إصلاحاً شاملاً لمنظومة النقل والتجارة، وتوحيد الإجراءات لتحسين الوضع الاقتصادي في البلاد.
الاقتصاد اليمني | شاشوف
تمر اليمن بأحد أعقد أزمات النقل والشحن، حيث تتداخل التعقيدات الإدارية والجبايات المتعددة مع تدهور البنية التحتية والانقسام السياسي، مما يؤدي إلى أزمة لا تقتصر على بطء حركة بضائع فحسب، بل تؤثر سلباً على كل جانب من جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، بدءًا من ارتفاع الأسعار وانتهاءً بتآكل القدرة الشرائية للمواطن.
يشير المصرفي علي أحمد التويتي إلى أن التجار يتحدثون عن خسائر كبيرة تعرضوا لها وما زالوا يعانون منها في المنافذ البرية والبحرية، حيث تُقدَّر هذه الخسائر بعشرات الملايين من الدولارات سنويًا نتيجة للإجراءات المطولة والمعقدة والجبايات المفروضة على الشحنات التجارية.
على الرغم من أن تكلفة النقل إلى اليمن مرتفعة بسبب تأمين الملاحة إلى موانئها، فإن الأعباء الإضافية الناجمة عن التعقيدات المحلية تضاعف التكلفة بشكل غير مسبوق.
من المنفذ إلى المخزن… عام من الانتظار
يصف التويتي في منشور له عبر شاشوف أن رحلة البضائع تعتبر ‘رحلة عذاب’ تستمر لأشهر طويلة، تبدأ من منفذ شحن الحدودي شرق البلاد، حيث تُحتجز الشاحنات لمدة قد تتجاوز الشهر بسبب إجراءات الجمرك، ويتم خلالها دفع رسوم وغرامات كبيرة.
بعدها تسلك البضائع طريقًا طويلًا مليئًا بالمخاطر، وتتخطى نقاط تفتيش متعددة وجبايات تُفرض عند كل نقطة مرور.
عند الوصول إلى مناطق حكومة صنعاء، تبدأ دورة جديدة من الضرائب والفحوصات والقيود التنظيمية التي تؤخر البضائع لعدة أشهر إضافية.
التجار كذلك يُجبرون على دفع ضمانات للجودة والمقاييس قبل أن يُسمح لهم ببيع سلعهم، وغالبًا ما تمتد فترة الفحص إلى أشهر، خصوصًا في محافظة ذمار. وخلال هذه المدة الطويلة، تُعطل الأموال وتتعرض البضائع للتلف بسبب طول الانتظار.
تكاليف إضافية وبنية تحتية منهارة
الطرق المتهالكة تزيد من تعقيد الأزمة، فالشاحنات تدفع رسوم ‘تحسين’ تتراوح بين 200 إلى 350 ألف ريال لكل رحلة، ومع ذلك تمر عبر طرق خراب مليئة بالحفر والمنعطفات الخطرة.
يقول التويتي إن ‘الشاحنات قد تنقلب في النقيل المكسر وتتلف البضاعة بالكامل، وغالبًا ما يتعرض السائقون للخطر’. ويُضيف أن الشاحنات التي تنجو من الحوادث تواجه تلف الإطارات وقطع الغيار بسبب سوء جودة الطرق.
وبالتالي، تُدفع رسومات تحسين لا تُجدي نفعًا، مما يُبرز مشكلة الإدارة وسوء الرقابة على أموال التحسين المخصصة لصيانة الطرق والبنية التحتية.
الأثر الاقتصادي: من التاجر إلى المواطن
ما يتحمله التاجر من تكاليف إضافية وغرامات وتأخيرات يُنقل في النهاية إلى المواطن. فارتفاع تكلفة النقل والتخزين والفحوصات ينعكس بشكل مباشر على أسعار السلع في الأسواق.
تشير تقديرات غير رسمية إلى أن أسعار السلع ترتفع بنسبة لا تقل عن 50% قبل وصولها إلى المستهلك النهائي بسبب تراكم هذه التكاليف.
وفي ظل انقطاع الرواتب وتآكل الدخل وانعدام الخدمات، يجد المواطن نفسه يدفع ثمن الفساد والازدواج الضريبي وسوء الإدارة، بينما تبقى الدولة عاجزة عن التحكم في مواردها أو توحيد سلطتها المالية والإدارية.
تعكس أزمة الشحن الانقسام العميق بين السلطات المختلفة في اليمن، حيث تُفرض كل منطقة تحت سلطة مختلفة رسومها وجباياتها الخاصة، مما يجعل نقل البضائع بين المحافظات معركة بيروقراطية مكلفة.
تحولت المنافذ البرية والبحرية إلى جزر مالية مستقلة تجبي الأموال دون توريدها إلى الخزينة العامة، ما يُفقد الدولة القدرة على التخطيط الاقتصادي ويعزز الفساد المنظم.
كما أن آثار الأزمة تتجاوز الجانب التجاري لتصل إلى الأمن الغذائي ذاته، فطول مدة الشحن والتخزين يؤدي إلى تلف العديد من السلع، خاصة المواد الغذائية والأدوية التي تتأثر بمرور الوقت وبظروف التخزين السيئة.
أيضًا، يؤثر تأخر وصول المواد الخام سلبًا على القطاع الصناعي المحدود في البلاد، مما يجعل الإنتاج المحلي أكثر تكلفة وأقل تنافسية.
بسبب الجبايات: إضراب السائقين في سيئون
في هذا السياق، دخل سائقو الشاحنات على الخط الدولي الرابط بين سلطنة عمان واليمن في حضرموت في احتجاج مفتوح ضد فرض مبالغ مالية غير قانونية من قِبل نقطة أمنية بالمنطقة.
تُفرض مبالغ لا تقل عن 150 ألف ريال على كل شاحنة مقابل السماح لها بالمرور، وفقًا لما ذكرته تقارير شاشوف، ما دفع السائقين إلى إيقاف حركة الشاحنات بالكامل.
ورفض السائقون دفع هذه المبالغ غير القانونية، فتوقفت شاحناتهم في الطريق، بينما اضطر آخرون للدفع خوفًا من تلف البضائع بسبب طول التوقف، مشيرين إلى أن هذا الإجراء يتكرر على الرغم من أن بضائعهم تم فحصها بالكامل في منفذ شحن الحدودي مع سلطنة عمان، ودفعوا الرسوم بنسبة 100% وفق الإجراءات الرسمية.
التجار بين الإفلاس والمخاطرة
خيار الشحن في اليمن دفع التجار إلى زيادة رؤوس أموالهم أربع مرات لتغطية الدورة التجارية الواحدة، وفقًا لما ذكره التويتي، وهو ما لا يتاح إلا لقلة قليله من كبار التجار، بينما ينسحبت الشركات الصغيرة من السوق أو تفلس.
هذا الوضع يخلق حالة احتكار غير معلنة ويزيد من هشاشة السوق اليمنية التي تعاني بالفعل من الركود وضعف الطلب.
وباتت أزمة الشحن تجسد الأزمة الاقتصادية والسياسية العامة التي تضرب البلاد، فغياب التنسيق بين السلطات وازدواج الجبايات وضعف البنية التحتية والفساد أدت جميعها إلى تحويل التجارة إلى مغامرة خاسرة، ولتترك آثارها الثقيلة على حياة المواطن اليمني.
اقتصاديًا، لا يمكن لأي حلول مؤقتة أن تعالج المشكلة دون إصلاح شامل لمنظومة النقل والتجارة وتوحيد الإجراءات الجمركية والضريبية، وتحسين الطرق والمنافذ، وإعادة الاعتبار لهيبة الدولة كمؤسسة قادرة على إدارة اقتصادها بعدالة وكفاءة.
تم نسخ الرابط
