تتعرض القطع الأثرية اليمنية للنهب والتهريب المنظم في غياب الرقابة الحكومية، حيث تم عرض تحف نادرة في مزاد في فيينا بقيم تصل لمئات الملايين من الدولارات. تشمل التحف آثاراً تعود إلى فترات تاريخية قديمة، مثل تمثال أميرة من مملكة سبأ. تشير التقديرات إلى أن أكثر من 23 ألف قطعة أثرية يمنية خارج سلطة الدولة، مما يعكس فقداناً كبيراً للتراث. تزايدت عمليات التهريب منذ عام 2015، ويعاني التراث اليمني من غياب الحماية الفعالة، وهو ما يتطلب سياسات عاجلة لإستعادة وحماية هذا التراث المهدد.
تقارير | شاشوف
في ظل استمرار نهب وتهريب القطع الأثرية اليمنية النادرة، بسبب غياب الرقابة الحكومية الفاعلة، تم الكشف عن عرض مجموعة من التحف اليمنية النادرة للبيع في مزاد ‘القطع التاريخية النادرة حول العالم’ بالعاصمة النمساوية ‘فيينا’ في 21 نوفمبر 2025، بأسعار تصل لمئات الملايين من الدولارات.
تشمل التحف آثاراً تعود لعصور تمتد من القرن العاشر قبل الميلاد حتى القرن الثالث الميلادي، ومن أبرزها بروتوم ثور من المرمر، الذي كان جزءاً من مجموعة فرنسوا أنتونوفيتش، وقد استعادت اليمن بالفعل 16 قطعة من هذه المجموعة.
بالإضافة إلى رأس منحوت من المرمر الذي بيع في مزاد سابق (2023) ويعود جزء كبير منه إلى محافظة الجوف، حيث تشهد مواقعها عمليات حفر غير قانونية، وتمثال أميرة من مملكة سبأ يعود إلى القرن العاشر قبل الميلاد ويستمر حتى عام 275م، مستمد من مواقع محافظة مأرب، ولوح برونزي مزخرف بخط المسند عُرض سابقاً في سوق لندن خلال التسعينيات.
وفقاً لتقارير الباحث عبدالله محسن، تتضمن ‘رؤوس المرمر’ جبساً مثبتاً على لوحات من الحجر الجيري، ويستخدم كعلامات قبور أو في الآثار الجنائزية، وتحوي تجاويف للعيون وحواجب كبيرة لترصيعها بالزجاج أو اللازورد، وهي سمات موثقة في رؤوس جنوب شبه الجزيرة العربية في المتحف البريطاني.
تشير التقديرات إلى أن أكثر من 23 ألف قطعة أثرية يمنية لا تزال خارج نطاق الدولة، بما في ذلك تماثيل وشواهد جنائزية ونقوش ومجوهرات، ومعظمها متواجد في أسواق عالمية أو مجموعات خاصة، مما يعكس الفقد الكبير للتراث اليمني.
الأهمية التاريخية والاقتصادية
تلعب هذه القطع الأثرية دوراً مهماً في فهم تاريخ اليمن القديم وحضاراته، خاصة مملكة سبأ ومملكة قتبان.
كان لمملكة سبأ القديمة السيطرة على طرق البخور والمر من جنوب شبه الجزيرة العربية إلى البحر الأبيض المتوسط، مستفيدة من التجارة التي أقرتها المعابد لتزويد الأسواق الرومانية والنبطية والمصرية، مرت بمراحل صعود وقوة الحميريين والحملات الرومانية الفاشلة (مثل حملة إيليوس غالوس 26-24 قبل الميلاد) كما أشار محسن.
أشار المحسن إلى أن مملكة قتبان نشأت في وادي بيحان، وامتدت أراضيها شرقاً إلى البحر الأحمر وغرباً، ومن ذمار شمالاً إلى البحر العربي جنوباً. خاضت حروباً ضد حضرموت، حيث ادعى القتبانيون تدمير أكثر من 300 مدينة تابعة لها، وعرفت مراكزها الدينية والثقافية ازدهاراً كبيراً، يظهر من خلال اكتشاف معبد يشهل في تمنع، الذي يعود تاريخه إلى الفترة بين القرون الثلاثة قبل الميلاد والقرنين الأول والثاني بعد الميلاد، والذي يصل طوله إلى 23.5 متراً.
تشير هذه الاكتشافات إلى أن اليمن كان مركزاً استراتيجياً للتجارة والثقافة في جنوب الجزيرة العربية، وأن الحضارات اليمنية القديمة أسست نظم إدارة تجارية ودينية متطورة، لا تزال آثارها موجودة في المسلات والنقوش.
نهب الآثار وتهريبها
تزايدت عمليات التهريب المنظم منذ بدء الحرب في عام 2015، حيث استغل تجار الآثار المحليون والدوليون الفراغ الأمني للوصول إلى المواقع الأثرية في مأرب وشبوة والجوف وإب، مستخدمين وسائل مثل الجرافات للتنقيب عن القطع الثمينة والعملات الذهبية.
تتضمن عمليات النهب المواقع الأثرية الكبرى كالتي في تمنع بوادي بيحان، مركز الدولة القتبانية وقوانين التجارة الأولى في العالم، وشبوة القديمة، عاصمة حضارات كبرى تعرضت للتجريف، ومواقع أخرى في مأرب والجوف وإب تحتوي على شواهد وتماثيل جنائزية تعكس فنون النحت والتجارة والدين في الحضارات القديمة.
في هذه الأوقات، تظل حكومة عدن غائبة عن حماية التراث، فضعف الحماية الأمنية زاد من تجريف المواقع ونهبها بصورة ممنهجة.
حسب تحليل شاشوف، لا تتدخل الجهات المسؤولة بشكل فعال لمنع عمليات السرقة، واستعادة القطع المنهوبة تعتمد على قدرة السلطات على التعامل مع التحديات الداخلية المعقدة، وهو أمر صعب في ظل الأوضاع الحربية والاضطرابات السياسية.
تشير الأوضاع الراهنة إلى أن نهب الآثار اليمنية يمثل فقداناً لهوية البلاد الحضارية والتاريخية، في غياب الدولة عن حماية التراث وغياب التشريعات الفاعلة والرقابة الأمنية، مما جعل اليمن ساحة خصبة لتجار الآثار، وأدى إلى فقدان آلاف القطع التاريخية التي تؤرخ لأعرق الحضارات الإنسانية في جنوب شبه الجزيرة العربية.
تتطلب استعادة هذه القطع وحماية المواقع الأثرية اتخاذ سياسات وطنية ودولية عاجلة، وإجراءات متقدمة للتوثيق والمراقبة، قبل أن تذهب كنوز اليمن إلى الأسواق العالمية إلى الأبد.
تم نسخ الرابط
