لا يزال الجدل قائمًا بشأن قرار الرئيس ترامب بفرض رسوم قدرها 100 ألف دولار على تأشيرات ‘إتش-1 بي’، التي تسمح بجذب العمالة الأجنبية المتخصصة. يأتي هذا القرار في إطار توترات تتعلق بسوق العمل والاقتصاد. بينما يؤكد البعض أن ذلك سيحفز توظيف الأمريكيين، يخشى آخرون من تراجع تنافسية الولايات المتحدة. تشكل الهند والصين أكبر حصتين من التأشيرات، بينما تمثل الدول العربية نسبة ضئيلة. تمتاز مجالات التكنولوجيا بأعلى نسبة من التأشيرات، ويُتوقع أن يؤدي القرار إلى هجرة عكسية للموهوبين نحو دول أخرى مثل كندا.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
لا يزال الجدال محتدماً في الولايات المتحدة وخارجها بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المفاجئ بفرض رسوم قدرها 100 ألف دولار على تأشيرات العمل المعروفة بـ ‘إتش-1 بي’. هذه التأشيرة، التي سمحت لأكثر من ثلاثة عقود للشركات الأمريكية بجذب عمال ذوي مهارات عالية من الخارج لسد الشواغر المؤقتة، حين لا تتوفر المهارات المطلوبة محلياً، أصبحت اليوم مركزاً لخلافات تتعلق بسوق العمل والاقتصاد والتعليم والهجرة والعلاقات الدولية.
على الرغم من تأكيد إدارة ترامب أن الرسوم الجديدة لن تُطبق بأثر رجعي على حاملي التأشيرات الحالية أو أولئك الذين يسعون لتجديدها، فإن حالة من القلق والترقب تسيطر على الشركات المعتمدة على العمالة الأجنبية، بالإضافة إلى آلاف العاملين سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها.
يخشى الكثيرون أن يؤدي هذا القرار إلى اضطراب في سوق العمل الأمريكية وتقليل قدرة الشركات على جذب الكفاءات العالمية.
تتباين الآراء بين العامة والدوائر الاقتصادية والسياسية بشأن هذا القرار؛ فبينما يرى البعض أنه يساهم في تعزيز سوق العمل الأمريكية من خلال تشجيع الشركات على توظيف العمال المحليين والاستثمار في تدريبهم، يعتقد آخرون أنه قد يضعف القدرة التنافسية للولايات المتحدة على المستوى العالمي، وقد يدفع الشركات إلى نقل الوظائف إلى الخارج لتفادي التكاليف المرتفعة.
الهنود في الصدارة وحصة العرب محدودة
تشير البيانات الرسمية من وزارة الأمن الداخلي ودائرة الهجرة والجنسية الأمريكية إلى أن عدد حاملي تأشيرات ‘إتش-1 بي’ في الولايات المتحدة يتجاوز 500 ألف شخص.
خلال السنة المالية 2024 (من أكتوبر 2023 إلى سبتمبر 2024)، تصدرت الهند قائمة الدول بعدد الحاصلين على هذه التأشيرة، حيث بلغ عددهم 283,755 شخصاً، ما يعادل 71% من إجمالي التأشيرات.
وجاءت الصين في المرتبة الثانية بـ 46,722 شخصاً (11.7%)، تلتها الفلبين بـ 5,258، ثم كندا بـ 4,227. تكشف هذه الأرقام عن التركيز الكبير في جنسيات المستفيدين، خصوصاً في مجال التكنولوجيا الذي يهيمن عليه مهندسون وخبراء هنود وصينيون.
أما الدول العربية، فقد حصل مواطنوها على 3,793 تأشيرة عمل أمريكية، حيث تصدرت مصر بـ 817 تأشيرة، تليها السعودية بـ 811، ثم لبنان بـ 586، والإمارات بـ 460، والأردن بـ 448، والكويت بـ 196، والمغرب بـ 176، وسوريا بـ 148، والعراق بـ 120، وتونس بـ 85، وليبيا بـ 79، والبحرين بـ 69، والسودان بـ 65، والجزائر وقطر بـ 57 لكل منهما، واليمن بـ 26، وفلسطين بـ 21، والصومال بـ 12، وموريتانيا بـ 5، وجيبوتي بـ 3 فقط.
التكنولوجيا تستحوذ على الحصة الأكبر
تظهر بيانات التأشيرات أن المهن المرتبطة بالحاسوب استحوذت على الحصة الأكبر من وظائف حاملي تأشيرات العمل في السنة المالية 2024. حيث تم إصدار 399,395 تأشيرة عمل إجمالاً، منها 255,250 تأشيرة في مجال علوم الكمبيوتر، ما يعادل 64% من الإجمالي.
تلتها التخصصات الهندسية بـ 40,669 تأشيرة (10%)، ثم التخصصات التعليمية بـ 23,778 تأشيرة (6%). وتوزعت باقي التأشيرات على مجالات الإدارة والطب والصحة والرياضيات والعلوم الفيزيائية وغيرها.
تستفيد شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى بشكل كبير من برنامج تأشيرات العمل، حيث جاءت أمازون في المرتبة الأولى بتوظيف 10,044 شخصاً، تليها تاتا للاستشارات بـ 5,505، ثم مايكروسوفت بـ 5,189، وميتا بـ 5,123، وآبل بـ 4,202، وغوغل بـ 4,181.
تظل هذه الشركات تعتمد بشكل كبير على جذب مهندسين ومبرمجين وعلماء بيانات من الخارج لتلبية احتياجاتها التكنولوجية المتزايدة. وأي تغييرات في شروط التأشيرات، مثل فرض رسوم إضافية، قد تنعكس مباشرة على هيكل تكاليفها وقدرتها التنافسية أمام الشركات الناشئة في آسيا وأوروبا.
تأثيرات اقتصادية وهجرة عكسية محتملة
تشير البيانات إلى أن أعلى متوسطات الرواتب بين حاملي تأشيرات العمل كانت في التخصصات القانونية، حيث يبلغ متوسط الدخل السنوي للمستفيدين الجدد 207 ألف دولار، ولذوي الخبرة 230 ألف دولار.
وتتبعها مجالات الإدارة والوظائف التدبيرية بمتوسط دخل سنوي يبلغ 125 ألف دولار للمستفيدين الجدد، و162 ألف دولار لمن لديهم خبرة. أما في تكنولوجيا المعلومات، فيبلغ متوسط دخل العاملين الجدد 101 ألف دولار، و135 ألف دولار لأصحاب الخبرة.
يُعتبر قرار ترامب بفرض رسوم على تأشيرات العمل جزءاً من سياسات تهدف لتقليل الاعتماد على الكفاءات الأجنبية. لكن اقتصاديين حذروا من أن هذه السياسات قد تؤدي إلى زيادة ظاهرة الهجرة العكسية للكفاءات، أي انتقال العقول الماهرة من الولايات المتحدة إلى دول أخرى.
بدأت دول مثل كندا، ألمانيا، والصين في استقطاب هذه الفئات عبر برامج هجرة مبسطة وبيئات تنظيمية أقل تعقيداً. ونقلت وكالة رويترز عن أحد خريجي الهندسة في تكساس قوله: ‘سأنتقل إلى كندا أو أوروبا… أي مكان يرحب بنا حقاً’.
وحذّر موقع ‘سي إن بي سي’ من أن الولايات المتحدة قد تواجه موجة من الهجرة العكسية للمهندسين والأطباء والمبتكرين، مما قد يُضعف قدرتها التنافسية في المجالات التكنولوجية والبحث العلمي والصناعات المتقدمة.
القرار الرئاسي يمثل تحولًا في نظرة أمريكا للهجرة الاقتصادية. بعد أكثر من 30 عاماً من اعتبار تأشيرات العمل أداة جذب رئيسية، أصبحت هذه السياسة الآن أمام اختبار حقيقي. بين من يرى فيها وسيلة لحماية سوق العمل المحلي، ومن يحذر من فقدان الولايات المتحدة لمركزها كوجهة أساسية للكفاءات العالمية.
إن نتائج القرار تبقى مرتبطة بما إذا كانت الشركات الأمريكية قادرة على التكيف، وبتوجهات الدول الأخرى لاستغلال الفراغ المحتمل في سوق الكفاءات الدولية.
تم نسخ الرابط
