مع اقتراب شهر رمضان، يعاني اليمنيون من أزمات اقتصادية متزايدة، حيث يرتفع التضخم والغلاء بشكل كبير وسط انقطاع الرواتب وكسارة القدرة الشرائية. يوضح الموظف ‘عبدالله الجبري’ معاناة المواطن في توفير المواد الأساسية ومتطلبات رمضان، مُشيرًا إلى عدم اهتمام السلطات بأوضاع الناس. رغم الإعلان عن توفر مخزون غذائي كافٍ، فإن ضعف القدرة الشرائية يُفاقم الأزمة، متسببًا في تفاقم معاناة الأسر التي تعتمد على المساعدات أو الديون. يحتاج الحل إلى رقابة فعالة وإجراءات نقدية عاجلة لدعم الفئات الأشد فقرًا في هذا السياق المعيشي الصعب.
الاقتصاد اليمني | شاشوف
يتساءل الموظف “عبدالله الجبري”: “هل أصبح من نصيب اليمني استقبال شهر رمضان بوجه مُعكر يسيطر عليه همّ توفير الالتزامات ووجبات المائدة الرمضانية؟”. ثم يصف نفسه بـ”الموظف المُعدَم” ويعدّ على أصابعه -أمام محرر مرصد “شاشوف”- ويقول: “سكر، رز، دقيق، زيت، وغيرها، مع الإيجار والفواتير وكسوة الأولاد، إلى آخر قائمة لا تنتهي”، ويضيف: “لا أحد يشعر بوجعنا”.
وبلهجة مُتهكمة، يرى الجبري أن السلطات “إذا كان في مقدورها أن تُصوِّمنا رمضان كاملاً بلا أكل أو شرب لفعلت”. ويخلص في حديثه إلى أن السلطات لا تعبأ بمعاناة المواطن، وتُمعن في إخراجه من حدود “الحياة الكريمة”، ويتهمها بالتسبب في “قهر الناس” و”اللامبالاة” بأحوالهم، دون تحمل أي مسؤوليات. ويقول: “قائمة احتياجات رمضان تطول، والألف ريال لم يعد لها قيمة لكننا نحسب لها ألف حساب، والغلاء لا يرحم أحداً سوى أصحاب البذخ” على حد تعبيره.
وليس الجبري إلا نموذجاً لمعاناة ملايين اليمنيين الذين يشكون ويحذّرون من مخاطر الأوضاع المعيشية. فمع اقتراب شهر رمضان المبارك، يتكرر المشهد في اليمن بصورة أكثر قسوة من كل عام: أسواق مزدحمة بلا قدرة شرائية، وأسعار تتصاعد، ورواتب منقطعة وضئيلة القيمة، وأزمات خدمية متلاحقة، وانقسام إداري ومالي يعيق معاناة الناس، لكن يبدو أن رمضان 2026 يأتي في سياق اقتصادي أكثر هشاشة، حيث تتقاطع أزمة الغلاء مع أزمات أخرى مثل الغاز وضعف الرقابة وارتفاع الأسعار المستمر، ليشكل واقعاً معيشياً خانقاً أكثر من أي وقت مضى.
في مختلف المحافظات اليمنية، يُلاحظ الارتفاع الملحوظ في أسعار السلع الأساسية قبيل رمضان، رغم الاستقرار النسبي في أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الريال اليمني، وهذا التناقض يطرح تساؤلات واسعة حول أسباب موجة الغلاء الجديدة.
المحلل الاقتصادي “أحمد الحمادي” قال لـ”شاشوف” إن ذلك يعود إلى عدة عوامل على أرض الواقع، أبرزها غياب الرقابة الحكومية الفعالة، وعدم وجود حملات تفتيش ميدانية منتظمة كانت تُساعد في ضبط السوق جزئياً، واستغلال بعض التجار لموسم رمضان باعتباره ذروة الطلب الاستهلاكي لرفع الأسعار دون مبرر حقيقي.
كما أشار إلى الضبابية السياسية رغم تشكيل الحكومة الجديدة الموسعة التي تقول إنها ستعود للعمل من عدن قريباً، ما يعمق -وفقاً للحمادي- الفجوة الرقابية والإدارية التي تشجع الفوضى السعرية. ويضيف أنه لا يزال هناك ضرائب وجمارك متعددة تُفرض على السلع، سواء كانت في مناطق حكومة عدن أو حكومة صنعاء، وهذه تؤثر مباشرة على الأسعار النهائية.
من جانبه، يرى الصحفي الاقتصادي “ماجد الداعري” أن غياب الحملات الميدانية والرقابة الصارمة أفسح المجال لموجة ارتفاع غير منضبطة، مشيراً إلى أن استمرار الوضع دون تدخل حاسم سيجعل الأسعار تواصل الارتفاع طوال الشهر.
أزمة القدرة الشرائية لا أزمة السلع
في المقابل، تؤكد الجهات الرسمية في مناطق حكومة عدن أن المخزون الغذائي “مطمئن” ويغطي الاحتياجات الأساسية خلال رمضان. كما أعلنت اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الواردات أنها أقرت تمويلات بقيمة 600 مليون دولار خلال شهر يناير الماضي فقط، وفق اطلاع “شاشوف” على تحديثات اللجنة، ليرتفع إجمالي التمويلات منذ بدء عملها إلى أكثر من 3 مليارات دولار.
تشير هذه البيانات إلى عدم وجود أزمة اختناقات حادة في الأسواق، ما يدل على أن جوهر المشكلة، كما يؤكد محللون، يكمن في ضعف القدرة الشرائية، لا في نقص المعروض.
يعاني الموظفون في مناطق السلطتين من انقطاع الرواتب وتآكل قيمتها، ومع تراجع فرص العمل وركود الأنشطة التجارية، تتسع فجوة الأمن الغذائي، إلى أن وجود السلع في السوق يصبح بلا معنى إذا كان المستهلك عاجزاً عن شرائها.
في صنعاء، يشكو المواطنون من ركود حاد وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع معدلات البطالة، في الوقت الذي يتم فيه صرف نصف راتب يُعتبر غير كافٍ لتغطية التزامات جوهرية، بينما تُصرف رواتب كاملة لجهات مثل مجلسي النواب والشورى والمجلس الأعلى للقضاء وغيرهم.
وعلى الجانب الآخر، يؤكد المواطنون في عدن على صعوبة الموقف المعيشي في حين تنفصل حكومة عدن عن الواقع وتغيب أولويات الرقابة والشفافية. مثلاً، يصل سعر كيس الدقيق الأبيض (50 كيلوغراماً) في مدينة عدن إلى ما يقارب 50 ألف ريال، وهو ما يعادل راتب موظف مدني أو عسكري، حيث يتراوح الراتب بين 50 و65 ألف ريال تقريباً.
قبل حلول شهر رمضان، تفاقمت أزمة الغاز المنزلي في مدن رئيسية مثل عدن وتعز، ما أضاف عبئاً جديداً على الأسر. ورغم أن شركة صافر في مأرب تُنتج ما يقارب 170 ألف أسطوانة يومياً لتغطية محافظات حكومة عدن، إلا أن الأزمة تعود إلى عدة أسباب منها قطع طرق من قبل مسلحين قبليين في مأرب وأبين، وتلاعب بعض المحطات غير المرخصة وتخزين الكميات، وغياب الشفافية بشأن حصص كل محافظة، وضعف التنسيق بين السلطات المحلية والشركة الموردة.
امتدت الأزمة لتشمل المركبات العاملة بالغاز، مما أجبر بعض سائقي الحافلات على التوقف عن العمل، وبالتالي فقدان مصدر دخلهم اليومي. وهكذا تحولت أزمة الخدمة إلى أزمة معيشة متكاملة الأركان.
الانقسام السياسي والإداري في اليمن خلق منظومتين ماليتين ورقابيتين مختلفتين، لكل منهما سياساتها الضريبية والجمركية، مما أدى إلى ازدواج الرسوم على السلع المنقولة بين مناطق النفوذ، وارتفاع تكاليف النقل والشحن، وتفاوت الأسعار بين محافظة وأخرى، وبيئة استثمارية طاردة.
في هذا السياق، يتحمل المستهلك النهائي العبء الأكبر، إذ تُحمَّل عليه كافة الرسوم والجبايات والتكاليف الإضافية، وفقاً للاقتصادي الحمادي.
وبالعودة إلى بيانات “صندوق النقد الدولي”، لا تزال اليمن واحدة من أكثر البلدان تأثراً بموجات التضخم الحادة، حيث ارتفع معدل التضخم العام الماضي إلى نحو 35% على أساس سنوي، قبل أن ينخفض نسبياً منذ أغسطس بعد إجراءات حكومة عدن لتحقيق استقرار في سعر الصرف الذي انخفض بنسبة 43%. ويُعزى هذا الارتفاع إلى تراجع قيمة الريال اليمني بنحو 30% منذ بداية 2025، نتيجة محدودية تدفقات النقد الأجنبي، وتوقف صادرات النفط، وتراجع الثقة الاقتصادية في بيئة تعاني أصلاً من اختلالات هيكلية عميقة.
وعلى صعيد النشاط الاقتصادي، انكمش الاقتصاد اليمني للعام الثالث على التوالي في 2024 بنسبة 1.5%، متأثراً بتراجع إنتاج النفط والغاز المسال، وتدهور الصادرات، وتراجع الاستهلاك المحلي في ظل احتواء الأجور العامة وارتفاع الأسعار. وكان التضخم قد بلغ 27% في 2024، قبل أن يقفز إلى أكثر من 35% بحلول يوليو 2025، مدفوعاً بتردّي العملة وتآكل الثقة.
ينوّه الصحفي الاقتصادي “وفيق صالح” إلى أن هذا الواقع ساهم في تآكل القدرة الشرائية بشكل غير مسبوق، خاصة في ظل جمود أو تأخر الرواتب الحكومية وانخفاض الدخل الثابت، مضيفاً أن هذا التدهور يؤدي إلى تغيير سلوكيات الاستهلاك، مثل التحول إلى السلع الرديئة ورخيصة الثمن.
خصوصية الأزمة الرمضانية
يؤكد المواطنون أن موائد رمضان تتقلص لدى الأسر الفقيرة والمتوسطة، نتيجة لتآكل القدرة على توفير متطلبات كانت يسيرة في الماضي، حيث لا تستطيع الأسر في هذه الظروف شراء العديد من الأصناف التي تُعتبر ضرورية في شهر رمضان.
ويقول المصرفي في عدن “سليم مبارك” لـ”شاشوف” إن شهر رمضان هو موسم اجتماعي واقتصادي خاص، حيث تزداد فيه النفقات الأسرية على الغذاء والملابس والصدقات، لكن هذا العام بالتحديد -بعد تراكم الأزمات والتقلبات خلال العام الماضي 2025- تدخل معظم الأسر الشهر الكريم مثقلة برواتب منقطعة أو متآكلة، وارتفاع أسعار الغذاء، وأزمات خدمية، وفرص عمل ضئيلة، وتضخم مستمر.
وأشار إلى أن كثيراً من العائلات تعتمد على التحويلات الخارجية من أقارب مغتربين، أو على المساعدات الإنسانية، أو تأمين احتياجاتها بالدَّين من البقالات، أو الاقتراض، ومنهم من يضطر لبيع الممتلكات لتغطية الالتزامات المعيشية، مؤكداً: “الناس يستقبلون الشهر الكريم هذا العام مع تصاعد الديون والهموم”.
تشير المعطيات إلى أن المشكلة لم تعد موسمية، بل هيكلية، فضعف الدخل مقابل ارتفاع تكاليف المعيشة يزيد فجوة الأمن الغذائي. ومع كل موسم ديني أو أزمة خدمية، تتعمق الهشاشة الاقتصادية. وحتى مع وجود مخزون غذائي كافٍ، فإن استمرار الركود وضعف الإقبال على الشراء يعكس حقيقة أن الأسواق مليئة بالسلع لكنها خالية من المشترين القادرين.
في الأثناء، يرى الاقتصاديون أن معالجة الأزمة تتطلب تفعيل رقابة حقيقية ومنتظمة على الأسواق، وتوحيد الإجراءات الجمركية والضريبية أو على الأقل تنسيقها لتقليل الازدواج، وتوفير الرواتب بانتظام باعتبارها المحرك الأساسي للطلب المحلي.
كما يحتاج الوضع الراهن إلى ضبط قطاع الغاز وتوفير شفافية في الحصص والتوزيع، ووقف الجبايات غير القانونية في مختلف مناطق اليمن، ودعم الفئات الأشد فقراً ببرامج تحويلات نقدية عاجلة.
رمضان بين الصبر والقدرة
يدخل اليمنيون رمضان هذا العام بقلوب تتطلع إلى السكينة، لكن الجيوب مثقلة بالعجز، في أزمة تعبّر عن اختلالات في بنية الاقتصاد المنقسم، وغياب الاستقرار المؤسسي، واستمرار الحرب بأساليب مختلفة.
وفي بلد يعتمد بنسبة تقارب 90% على الاستيراد لتأمين غذائه، ويعاني من انقطاع الرواتب وتراجع الإنتاج المحلي، يصبح الغلاء نتيجة طبيعية لمسار طويل من التدهور. وبين التصريحات الرسمية حول وفرة المخزون وشكاوى المواطنين من عجز الشراء، يبقى المواطن اليمني الحلقة الأضعف في معادلة اقتصادية مأزومة، ينتظر انفراجة قد لا تأتي قريباً.
ويبقى السؤال المحوري مطروحاً في بيوت يمنية كثيرة: ما الحل للخروج من هذا الغلاء؟ وكيف يستقبل المواطن الشهر الكريم بينما باتت موائده ومتطلباته عبئاً ثقيلاً على كاهل الأسر؟
تم نسخ الرابط

اترك تعليقاً إلغاء الرد