اليمن يواجه أزمة اقتصادية خانقة: نقص التمويل الإنساني يؤدي إلى تفاقم أزمة الغذاء والصحة والخدمات – شاشوف

اليمن يواجه أزمة اقتصادية خانقة نقص التمويل الإنساني يؤدي إلى


تظهر نشرة التحديث الإنساني – ديسمبر 2025 عن الوضع في اليمن أن الأزمة الإنسانية بدأت تؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد، حيث انخفض تمويل خطة الاحتياجات إلى 25% فقط. هذا النقص في التمويل أدى إلى تقليص الخدمات الأساسية، ما زاد من انعدام الأمن الغذائي ليشمل حوالي 17.1 مليون شخص. القطاع الصحي يعاني أيضاً، مع إغلاق العديد من المنشآت الصحية. التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة تساهم في تفاقم الوضع. تشير التقارير إلى أن المساعدات النقدية يمكن أن تساعد الأسر في مواجهة الأزمات، وتحفظ السوق المحلية، مما يبرز أهمية التمويل المستدام لتحسين الظروف المعيشية والاستجابة للأزمات.

الاقتصاد اليمني | شاشوف

تشير نشرة التحديث الإنساني – ديسمبر 2025 التي أصدرها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في اليمن إلى أن الأزمة الإنسانية لم تعد مجرد ‘ملف إغاثة’، بل أصبحت مؤشرًا اقتصاديًا مباشرًا على تراجع القدرة الشرائية وتآكل الخدمات العامة، بعد أن هبط تمويل خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية وفق تتبُّع مرصد ‘شاشوف’ إلى 25% فقط خلال عام 2025.

هذا العجز المالي أثر بسرعة على الدورة الاقتصادية اليومية: إغلاق خدمات، تراجع في التغطية، وزيادة مخاطر ‘التكاليف الخفية’ على الأسر. وقد اضطرت القطاعات الإنسانية إلى تقليص خدمات أساسية رغم تزايد الطلب، مما يعني فعليًا انتقال العبء من المؤسسات إلى الجيوب المثقلة.

في صميم المشهد، يبرز القطاع الصحي كأحد أكبر ‘المخاطر الاقتصادية’ غير المرئية: فقد واجهت 453 منشأة صحية إغلاقات جزئية أو وشيكة في 22 محافظة، مع وجود تعطل واسع في مناطق تحكم سلطات الأمر الواقع ومناطق الحكومة المعترف بها دولياً.

أما في مجال الغذاء والتغذية، فقد أصبحا مرآة للركود التضخمي: يواجه نحو 17.1 مليون شخص، أي تقريبًا 49% من السكان، انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي (المرحلة الثالثة أو أسوأ وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي)، مع توقع ارتفاع هذا العدد إلى 18.1 مليون شخص بين سبتمبر 2025 وفبراير 2026، في حين تدخل عشرات الآلاف من الأسر في مناطق سلطات الأمر الواقع ضمن ظروف ‘شبيهة بالمجاعة’.

فجوة التمويل… حين تصبح الإغاثة ضحية الاقتصاد

تتجلى الفكرة المركزية في النشرة بوضوح: التمويل ليس مجرد رقم محاسبي، إنما هو شبكة أمان اقتصادية. فعند تخفيض تمويل الخطة إلى 25% فقط، تُجبر جميع ‘العناقيد’ على خفض خدماتها، مما يترجم إلى تقليص حصص الغذاء، ووقف خدمات المياه والصرف الصحي، وتعليق خدمات الرعاية الصحية والحماية، وتخفيض دعم التغذية وتأخر ترميم المأوى.

تُظهر بيانات الصحة التي استعرضها شاشوف أن هذا القطاع يعمل عند حد الانكسار، إذ بلغ التمويل المتاح لعنقود الصحة 47.5% فقط، مع وجود فعلي لـ43% من المستهدفين، مما يعني أن فجوة التمويل تتحول مباشرة إلى فجوة في الخدمة، والتكلفة، والإنتاجية المجتمعية.

أما قطاع الحماية، فالانكماش هنا ليس اجتماعيًا فحسب بل اقتصادي أيضًا، إذ لم يتجاوز تمويله 28%، مع انخفاض عدد الشركاء النشطين بنسبة 33% وتراجع التغطية الجغرافية للمديريات بنسبة 71%، مما ترك أكثر من مليوني شخص بعيدين عن خدمات الحماية الأساسية ودفع الأسر نحو استنزاف مواردها عبر مخاطر العنف والنزوح وفقدان الوثائق.

العملة والتوريد يصنعان “التضخم اليومي”

ترتبط النشرة بين تدهور الأمن الغذائي وسلسلة اقتصادية واضحة تتمثل في اقتصاد يقترب من الانهيار، وعملة غير مستقرة، وأجور ثابتة، وتضخم يلتهم القدرة الشرائية حتى في الفترات التي شهدت تحسنًا مؤقتًا في سعر الصرف في بعض المناطق.

تتعقد الأزمة أكثر لأن أكثر من 90% من السلع الغذائية الأساسية مستوردة، وبسبب نقص الوقود وارتفاع تكاليف النقل وإعادة توجيه الواردات وتعدد الجبايات، تتحول الأسعار إلى ما يُشبه ‘ضريبة صامتة’ تُفرض على الاستهلاك اليومي للأسر.

تشير النشرة إلى أن أزمة سلاسل الإمداد كانت حادة خلال أكتوبر 2025، مما أدى إلى انخفاض واردات الغذاء والوقود عبر الموانئ الشمالية، بالإضافة إلى أن ضوابط الأسعار في مناطق سلطات الأمر الواقع أدت إلى ما وصفته بـ’التضخم المخفي’، مما يشمل نقص السلع، والتلاعب بالكميات، وتدهور الجودة، وما يترتب على ذلك من تحميل المستهلك تكاليف غير معلنة.

من الإغاثة إلى الاستثمار الإنساني… النقد كأداة إنقاذ سوقية

في مواجهة هذه القيود، تبرز أدوات التدخل النقدي كحل اقتصادي سريع التأثير. ففي استجابة لفيضانات مأرب خلال ربيع 2025، تضررت حوالي 14,900 أسرة، واعتُبرت المساعدات النقدية متعددة الأغراض الأداة الأكثر فعالية وكفاءة وسرعة لتحقيق الاستقرار والتعافي، من خلال تمكين الأسر من شراء احتياجاتها وإصلاح المأوى وتوفير الغذاء والدواء حسب أولوياتها.

توضح النشرة أن حوالي 4,500 أسرة تلقت من جولة واحدة إلى ثلاث جولات من الدعم النقدي عبر مزودي خدمات مالية محليين، مما ساعد في الحفاظ على دوران النقد داخل الأسواق المحلية ومساعدة الأسر في إدارة الصدمة دون الانزلاق إلى استراتيجيات سلبية للبقاء.

وفي منتصف الصورة التمويلية، يبرز الصندوق الإنساني لليمن كرافعة تمويلية انتقائية، حيث خصص ثلاث حزم تمويلية بإجمالي 42.6 مليون دولار من 15 مانحاً، تشمل مخصصات للاستجابة المبكرة، وتحسين خدمات المياه في تعز، ومعالجة الوفيات الزائدة والمخاطر الحادة المرتبطة بالجوع وسوء التغذية.

اقتصاديًا، توثق نشرة ديسمبر 2025 معادلة قاسية تفيد بأن عجز التمويل الإنساني يؤدي إلى عجز في الخدمات، مما يتحول إلى زيادة كلفة المعيشة وانخفاض رأس المال البشري في مجالات الصحة والتعليم والحماية، مما يعني أن تقليص الإغاثة ليس إجراءً محايدًا، بل يُحفز دورة فقر أعمق.

أزمة الغذاء في اليمن لم تعد مجرد مسألة سلال غذائية، بل تمثل أزمة قدرة شراء واستقرار توريد، في بلد يعتمد على الاستيراد لمعظم غذائه، حيث تنتقل أي صدمة في الوقود أو النقل أو الموانئ مباشرة إلى أسعار التجزئة، مما يؤثر على صحة الأطفال والنساء واستقرار المجتمع.

بالإضافة إلى ذلك، تظهر المساعدات النقدية متعددة الأغراض أن التدخل الإنساني يمكن أن يؤدي دور إجراء استقرار اقتصادي مصغر إذا تم تنفيذه ضمن مقاربة متعددة القطاعات، مما يُساعد في الحفاظ على الطلب المحلي ويمنح الأسر مرونة في تخصيص إنفاقها خلال الأزمات.

الخلاصة أن استمرار تمويل خطة الاستجابة بمستويات منخفضة يُضاعف كلفة المستقبل، لأن تكلفة انهيار الصحة والحماية والتغذية أعلى بكثير من تكلفة تمويلها اليوم، وهذه هي الرسالة الرئيسية التي تضعها نشرة التحديث الإنساني – ديسمبر 2025 الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في اليمن أمام المانحين وصناع القرار.


تم نسخ الرابط

Exit mobile version