الصين تُعيد فتح اقتصادها المغلق: إصلاحات اقتصادية لتعزيز الاستثمار الخاص – شاشوف

الصين تُعيد فتح اقتصادها المغلق إصلاحات اقتصادية لتعزيز الاستثمار الخاص


أعلنت الصين عن حزمة من 13 إجراءً تهدف لتعزيز الاستثمارات الخاصة في قطاعات كانت تاريخيًا تحت سيطرة الدولة مثل الطاقة النووية والبنية التحتية. جاءت هذه الخطوة في ظل تراجع الاستثمارات الأجنبية والطلب المحلي، مما جعل دعم القطاع الخاص أولوية اقتصادية. تشمل الإصلاحات السماح للأعمال الخاصة بزيادة حصصها في مشاريع مؤهلة وإزالة القيود التي تعيق دخولهم. كما تم تخصيص 500 مليار يوان لدعم هذه الشركات، مما يُشجع على الابتكار ويعزز الثقة في الاقتصاد. تهدف الصين من هذه الخطوات إلى تحويل النمو من الاعتماد على الدولة إلى شراكة أكثر مرونة مع القطاع الخاص.

تقارير | شاشوف

في خطوة تعكس طموحات بكين في تحفيز النشاط الاقتصادي المحلي، أعلنت الصين عن مجموعة من 13 إجراءً جديداً تهدف إلى زيادة دور الاستثمار الخاص في قطاعات كانت لسنوات تحت سيطرة الدولة، مثل الطاقة النووية والبنية التحتية والاتصالات.

تأتي هذه الخطوة، التي أعلن عنها مجلس الدولة الصيني، في وقت تمر فيه البلاد بتراجع في الاستثمارات الأجنبية وتراجع ملحوظ في الطلب الوطني، مما جعل تنشيط القطاع الخاص أولوية ملحة في السياسة الاقتصادية.

لطالما كان القطاع العام في الصين محوراً أساسياً في الصناعات الكبرى، لكن الإصلاحات الجديدة تدل على تحول جذري في التفكير الاقتصادي، حيث لم تكتفِ الحكومة بالإعلان عن نواياها، بل وضعت خطة تنفيذ دقيقة.

تشمل هذه الخطة، حسب ما ورد في مرصد ‘شاشوف’، رفع حدود ملكية الشركات الخاصة في المشاريع المؤهلة لأكثر من 10%، وإزالة القيود الإدارية والتنظيمية التي كانت تحد من دخول المستثمرين المحليين من القطاع الخاص، بالإضافة إلى تشجيع رؤوس الأموال المحلية على اقتحام مجالات جديدة مثل الطاقة النووية والاتصالات عبر الأقمار الصناعية، و’اقتصاد الارتفاعات المنخفضة’ المتعلق بالطيران التجاري الخفيف والأنشطة الجوية دون 1000 متر.

مع هذه الخطوات، يبدو أن بكين تعيد رسم معالم الاقتصاد الوطني، حيث تجعل الملكية المشتركة بين الدولة والقطاع الخاص أساساً جديداً للنمو، بدلاً من الاعتماد الكثيف على المؤسسات الحكومية.

أزمة ثقة واستثمارات راكدة

جاءت هذه الحزمة في أعقاب انخفاض حاد في الاستثمارات الأجنبية المباشرة، حيث تراجعت التدفقات الجديدة بأكثر من 10% خلال الأشهر التسعة الأولى من هذا العام وفقاً لمراجعة شاشوف، ويعاني القطاع الخاص من أطول فترة انكماش اقتصادي منذ عقود، بالإضافة إلى تراجع الأرباح وزيادة القيود المفروضة على الصادرات الصينية في الأسواق الغربية.

يُنظر اليوم إلى هذه الإجراءات باعتبارها محاولة من الصين لاستعادة الثقة المفقودة لدى المستثمرين المحليين بعد سنوات من التشديد الرقابي والرقابة الحكومية، حيث أدركت الحكومة أن القطاع الخاص ليس فقط محركًا للنمو، بل أيضًا حلاً للأزمات الاقتصادية الكلية في مواجهة التباطؤ والعقوبات التجارية الغربية.

وفقاً لصحيفة Economic Information Daily، بدأت الخطوات العملية الأولى في هذا الاتجاه منذ أغسطس 2024، عندما سمحت الحكومة للشركات الخاصة برفع حصصها في خمسة مشاريع للطاقة النووية من 2% إلى 10%.
ورغم أن هذه النسبة تبدو رمزية في ظاهرها، إلا أنها تفتح الباب أمام حرية أكبر للقطاع الخاص في مجال كان مغلقاً لعقود نظراً لحساسيته الاستراتيجية.

تقول وكالة بلومبيرغ إن إدخال المستثمرين المحليين إلى هذا القطاع سيخلق بيئة تنافسية أكثر كفاءة، مما يساهم في تسريع الابتكار التكنولوجي وتقليل تكاليف الإنتاج، خاصة في مجالات الطاقة النظيفة والمفاعلات الصغيرة الآمنة.

إنعاش القطاع الصغير والمتوسط: محرك النمو المحلي

لم تنسَ الحكومة الصينية الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي، حيث تم تخصيص 40% من ميزانية المشاريع المؤهلة (أكثر من 4 ملايين يوان) لهذه الشركات، كما ستحصل على دفعات أولية تتجاوز 30% من قيمة العقود الحكومية، وذلك بهدف تحسين السيولة وتعزيز قدرة هذه الشركات على الاستمرار والنمو.

كما أعلنت بكين عن تخصيص 500 مليار يوان (حوالي 70 مليار دولار) كوسيلة تمويلية جديدة لمساعدة القطاع الخاص على زيادة استثماراته في المجالات الحيوية، وهو ما سيساهم في إطلاق دورة استثمارية متتابعة تنعش سوق العمل وترفع الطلب المحلي على السلع والخدمات.

وأكد البيان الحكومي أن فرض أي شروط إضافية أو تمييزية ضد الشركات الخاصة عند تقدمها بالعطاءات أصبح ‘ممنوعاً منعاً باتاً’، مشيراً إلى ضرورة إزالة المتطلبات السابقة التي كانت تعرقل المنافسة.

وهذا يعني أن بكين تتجه نحو تحقيق تسوية فعلية في الملعب الاقتصادي بين القطاعين العام والخاص، وهو ما قد يخلق بيئة استثمارية أكثر عدلاً وشفافية.

واعدت الحكومة بتحسين سياسات دخول السوق أمام الاستثمارات الخاصة في مجال الاتصالات الفضائية والتكنولوجيا المتقدمة، كما ستمنح لها الفرصة لقيادة برامج البحث العلمي الوطنية الكبرى، الأمر الذي قد يسرع من تحول الصين إلى مركز عالمي للابتكار.

من إنعاش الثقة إلى تحفيز النمو

يُقدّر أن يسهم القطاع الخاص حالياً بما يزيد عن 60% من الناتج المحلي الإجمالي، و50% من الإيرادات الضريبية، و80% من الوظائف في المدن الصينية.

لكن ضعف الطلب المحلي والتحديات التجارية الخارجية أسهمت في تراجع هذا القطاع، مما أثر على الاقتصاد الوطني بشكل عام. ومن المتوقع أن تؤدي الحزمة الجديدة إلى تحسين بيئة الأعمال عبر ضخ استثمارات جديدة في القطاعات الإنتاجية، وزيادة معدلات التوظيف وتحسين مستوى دخل الطبقة المتوسطة، إضافة إلى تحفيز الابتكار الصناعي والتكنولوجي من خلال شراكات بين الدولة والشركات الخاصة.

كما ستعزز هذه الإجراءات من الثقة المحلية والدولية في الاقتصاد الصيني بعد سنوات من التباطؤ والركود، وستدعم العملة الصينية اليوان من خلال زيادة النشاط الإنتاجي والاستثمارات.

في النهاية، تسعى الصين من خلال هذه الإجراءات إلى تحفيز العجلة الاقتصادية من الداخل، في ظل ما تواجهه من تحديات خارجية قوية وتراجع في الصادرات والاستثمارات الأجنبية.

يمثل فتح القطاعات الكبرى أمام الاستثمار الخاص تحولاً في الفلسفة التنموية نفسها، من ‘الدولة القائدة’ إلى ‘الدولة الشريكة’، ومن اقتصاد موجه إلى اقتصاد أكثر مرونة وتنافسية.

على الرغم من أن تنفيذ هذه الإصلاحات يتطلب وقتاً وثقة متبادلة بين الحكومة والمستثمرين، إلا أن الصين تؤكد أن القطاع الخاص قد عاد ليكون محور النمو، وأن بكين جادة في إعادة بناء اقتصادها على أسس أكثر انفتاحاً وتوازناً واستدامة.


تم نسخ الرابط

Exit mobile version