تدخل العلاقات التجارية بين أمريكا والصين مرحلة جديدة من التصعيد مع فرض رسوم وعقوبات متبادلة، مما أدى إلى تكدس غير مسبوق في الموانئ الصينية وزيادة أوقات انتظار ناقلات السلع. حذرت إدارة ترامب من اتخاذ بكين إجراءات انتقامية ضد الشركات الأجنبية، في حين ردت الصين بفرض قيود على صادرات المعادن النادرة. يهدد هذا التصعيد بارتفاع تكاليف الشحن والأسعار العالمية للسلع والطاقة، ما قد يؤدي إلى اضطرابات في سلسلة الإمداد. من المتوقع أن يشهد العالم تحولًا في مسارات التجارة، وتجدد التوترات الجيوسياسية قد ينعكس سلبًا على الاستقرار الاقتصادي.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
تشهد العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين مرحلة جديدة من التوتر، حيث تبادلت الدولتان، وهما أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، فرض الرسوم والعقوبات التي مست قطاعات النقل البحري والطاقة وصناعة السفن، مما أثر بشكل سريع على حركة التجارة العالمية. وقد شهدت الموانئ الصينية مستويات غير مسبوقة من التكدس، كما ارتفعت أوقات انتظار ناقلات السلع الأساسية إلى أعلى مستوى لها هذا العام.
وفي أحدث تطورات هذه المواجهة، حذرت إدارة ترامب الصين من اتخاذ إجراءات انتقامية ضد الشركات الأجنبية التي تدعم الولايات المتحدة في تطوير صناعاتها الحيوية. جاء هذا التحذير بعد أن فرضت بكين عقوبات على الوحدات الأمريكية التابعة لشركة الشحن الكورية الجنوبية “هانوا أوشن” بسبب خططها للاستثمار في القطاع البحري الأمريكي، وفقاً لمرصد “شاشوف”.
واتهمت إدارة ترامب بكين بممارسة ‘الإكراه الاقتصادي’ بحق الشركات الأجنبية التي تتعاون مع واشنطن في تعزيز صناعاتها، خاصةً في مجال بناء السفن.
ويعتبر هذا التحذير الأمريكي أحدث إجراء في سلسلة طويلة من النزاعات البحرية بين واشنطن وبكين، التي تنتج أكثر من نصف السفن في العالم، وسعت في السنوات الأخيرة لتعزيز هيمنتها على بحر الصين الجنوبي الاستراتيجي. هذه المواجهة تؤثر على الاقتصاد العالمي، حيث تُنقل أكثر من 80% من التجارة الدولية عبر السفن.
هدد ترامب في تصريحات حديثة بفرض رسوم جمركية تصل إلى 175% على الصين، مشيراً إلى أنه استغل الرسوم لتحقيق مصالح أمريكا، كما أضاف أن ‘الولايات المتحدة تتفوق على الصين في كل شيء عدا عدد السفن الحربية’، معتبراً أن ‘الرسوم الجمركية تمنحنا قوة هائلة، وأعتقد أن الصين ستأتي لطاولة المفاوضات لعقد صفقة معنا’.
بالرغم من أن أمريكا تمتلك أقوى أسطول بحري، إلا أن إمكانياتها في بناء السفن تبقى محدودة نسبياً، لذلك تسعى إدارة ترامب لتعزيز صناعة بناء السفن الأمريكية من خلال جذب الاستثمارات من كوريا الجنوبية، ثاني أكبر دولة لبناء السفن في العالم.
ولم تقتصر الرسوم المتبادلة بين الجانبين على السفن فحسب، بل شملت أيضاً توسيع واشنطن لقيودها على تصدير الرقائق الإلكترونية إلى الصين، بالإضافة إلى تهديدها بفرض رسوم بنسبة 100% على واردات المعدات المينائية الصينية، واحتمالية رفعها إلى 150% على معدات مناولة البضائع.
وفي المقابل، ردّت بكين بتشديد قيودها على صادرات المعادن النادرة، التي تعتمد عليها الصناعات الأمريكية الحديثة، مما قد يؤدي إلى تعطل بعض خطوط الإنتاج في مجالات التكنولوجيا والطاقة النظيفة والدفاع.
لم يكن التصعيد الاقتصادي بمعزل عن التوتر السياسي، حيث أعلن ترامب أنه سيناقش مع نظيره الصيني شي جين بينغ في قمة “أبيك” (التي تُعقد في كوريا الجنوبية من الثلاثاء إلى الخميس) مسألة ‘الطموحات الإقليمية الصينية بشأن تايوان’.
من المتوقع أن تستخدم الصين أدواتها الاقتصادية كوسيلة ضغط في أي مفاوضات سياسية محتملة حول الجزيرة، في حين تسعى واشنطن لاستغلال العقوبات التجارية للحد من نفوذ بكين في بحر الصين الجنوبي وفي الموانئ الحيوية حول العالم، بما في ذلك قرب قناة بنما.
تكدّس السفن أمام موانئ الصين
تغيرت معادلة التجارة البحرية بعد فرض بكين رسوماً إضافية على السفن المرتبطة بالولايات المتحدة، وردت واشنطن بفرض عقوبات على محطة نفط صينية رئيسية في مدينة ريتشاو شرق البلاد، في إطار حملة أمريكية أوسع لتعطيل تدفق النفط الإيراني إلى الصين.
تشير بيانات منصة ‘كبلر’، التي تتبعها ‘شاشوف’، إلى أن متوسط أوقات انتظار ناقلات السلع في الموانئ الصينية ارتفع إلى 2.66 يوم خلال الأسبوع المنتهي في 19 أكتوبر، بزيادة 17% عن الأسبوع السابق، وهي الأطول منذ بداية العام.
في موانئ النفط، بلغ متوسط الانتظار في ميناء دونغجياكو 2.79 يوم، وفي ميناء يانتاي 2.7 يوم مقارنة بـ1.8 يوم فقط في الأسبوع السابق.
يعكس هذا التكدس اضطراباً واضحاً في سلاسل الإمداد العالمية، خاصةً مع كون الصين أكبر مستورد للسلع الأساسية في العالم، وأي اختناق في موانئها قد يمتد تأثيره إلى مختلف الأسواق، من النفط الخام إلى خام الحديد والحبوب.
ماذا بعد؟
يشير التصعيد الحالي إلى أن الحرب التجارية بين واشنطن وبكين قد خرجت من نطاق الرسوم الجمركية التقليدية إلى مواجهة استراتيجية متعددة الأبعاد تشمل النقل البحري والطاقة والمعادن والتكنولوجيا.
وعلى المدى القصير، يُتوقع أن يساهم الوضع الراهن في اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، حيث إن استمرار التكدس في الموانئ الصينية سيؤخر تسليم الشحنات ويرفع كلفة النقل، مما سينعكس على أسعار السلع والطاقة عالمياً، وقد يؤدي ذلك إلى زيادة موجة التضخم في الاقتصاد العالمي.
كما يمثل التصعيد تهديداً لارتفاع تكاليف الشحن وأسعار النفط، مع زيادة رسوم الموانئ الصينية وتباطؤ حركة السفن، مما سيجبر شركات الشحن على فرض رسوم إضافية على العملاء، ما سيرفع أسعار النفط والسلع الأساسية.
يشير ذلك إلى تحول جغرافي في مسارات التجارة، حيث قد يبدأ بعض الدول والشركات في تحويل مساراتها التجارية نحو موانئ بديلة في فيتنام أو ماليزيا أو الهند لتفادي الموانئ الصينية، مما قد يعيد رسم خريطة التجارة البحرية في آسيا.
وفقاً لتوقعات ‘شاشوف’، فإن استمرار التوتر العسكري دون حلول دبلوماسية قد يؤدي إلى ركود تجاري عالمي، ويضغط على عملات الأسواق الناشئة، ويُضعف الثقة في استقرار سلاسل الإمداد، لا سيما في قطاع الطاقة.
إن الصراع التجاري بين واشنطن وبكين يؤكد أن أدوات الصراع الجيوسياسي الشامل تمس التجارة العالمية وأمن الطاقة وسلاسل التوريد والتوازنات الإقليمية في آسيا، ويبدو أن العالم مقبل على مرحلة جديدة من إعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية الدولية، حيث يسعى كل طرف لفرض رؤيته على قواعد التجارة العالمية، مما قد تؤثر نتائجه على كل ميناء وسفينة في العالم.
تم نسخ الرابط
