دخلت الولايات المتحدة في إغلاق حكومي بسبب الانقسامات الحزبية، مما يؤثر على آلاف الموظفين ويهدد بفقدان وظائف. يتسبب الإغلاق، الذي يعد الخامس عشر منذ 1981، في تأخير تصاريح، معلقًا رواتب الفيدراليين، مؤثرًا على مقدمي الخدمات العامة. تمتد آثار الأزمة إلى الاقتصاد الأوروبي، حيث يُقدر أن إغلاقًا يستمر أسبوعين قد يكلف الاتحاد الأوروبي حوالي 4 مليارات يورو، مما يزيد من ضغوط سلاسل التموين. يعكس الوضع عدم استقرار كبير ويؤثر على الثقة في الدولار والأسواق العالمية، مما يهدد الاستقرار الاقتصادي في الداخل والخارج.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
دخلت الولايات المتحدة الأمريكية اليوم الأربعاء في مرحلة إغلاق حكومي لمجموعة من المكاتب والعمليات، نتيجة الانقسامات الحزبية الحادة التي حالت دون توصل الكونجرس والبيت الأبيض إلى اتفاق بشأن التمويل، مما أدى إلى أزمة قد تكون طويلة ومؤلمة وربما تؤثر على آلاف الوظائف.
ووفقاً لمرصد “شاشوف” وإبلاغ من “رويترز”، فإن مسار الخروج من هذا المأزق ليس واضحاً، فيما تحذر الوكالات من أن الإغلاق الحكومي الخامس عشر منذ عام 1981 سيعوق إصدار تقرير الوظائف لشهر سبتمبر 2025 الذي يحظى بمتابعة دقيقة، وسيؤدي إلى إبطاء الحركة الجوية، وتعليق البحث العلمي، وتأخير رواتب القوات الأمريكية، مع تسريح 750 ألف موظف اتحادي بتكلفة يومية تبلغ 400 مليون دولار.
من جهة أخرى، تواصل حملة ترامب على تغيير الحكومة الفيدرالية دفعها للأمام، بهدف تسريح حوالي 300 ألف موظف بحلول ديسمبر 2025، محذراً الديمقراطيين في الكونجرس من أن إغلاق الحكومة سيتيح لإدارته اتخاذ إجراءات “لا رجعة فيها” تشمل إنهاء برامج ووظائف حيوية لهم.
بدأ الإغلاق بعد ساعات من رفض مجلس الشيوخ مشروع قانون يتعلق بتمويل قصير الأجل كان من شأنه أن يحافظ على استمرار العمليات الحكومية حتى 21 نوفمبر المقبل. عارض الديمقراطيون التشريع بسبب رفض الجمهوريين تمديد فترة استحقاقات الرعاية الصحية لملايين الأمريكيين التي من المقرر أن تنتهي بنهاية العام، فيما يرى الجمهوريون أنه يجب معالجة هذه القضية بشكل مستقل.
يتركز خلاف التمويل الحكومي على تخصيص 1.7 تريليون دولار لعمليات الوكالات الحكومية، وهو ما يعادل تقريباً ربع إجمالي ميزانية الحكومة التي تبلغ سبعة تريليونات دولار. ويخصص جزء كبير من المبلغ المتبقي لبرامج الرعاية الصحية والتقاعد ولمدفوعات فوائد الدين المتزايد البالغ 37.5 تريليون دولار وفقاً لما أفاد به مرصد “شاشوف”.
تراجع الدولار اليوم إلى أدنى مستوياته خلال أسبوع، بنسبة 0.2% مقارنة بست عملات رئيسية، بما في ذلك اليورو والين.
ضربات الإغلاق
يحذر محللون لـ”رويترز” من أن الإغلاق الحكومي قد يستمر لفترة أطول من الإغلاقات السابقة التي كانت تتعلق بالميزانية، بعد تهديد ترامب ومسؤولي البيت الأبيض بمعاقبة الديمقراطيين عبر تخفيضات في البرامج الحكومية ورواتب الحكومة.
وفقاً لتقديرات “شاشوف”، فإن الإغلاق الحكومي سيمس الخدمات العامة والاقتصاد الأمريكي بشكل أوسع، حيث ستتوقف أو تقلل الكثير من الوكالات الفيدرالية التي تعتمد على تمويل سنوي نشاطها، مما يؤدي إلى تأخير المعاملات والإجراءات الحكومية، بما في ذلك منح التصاريح، ومراجعة المستندات، والمعاملات المرتبطة بوكالات فيدرالية.
قالت جينجر تشابمان، عضو الحزب الجمهوري، إن الولايات المتحدة دخلت في أزمة حقيقية بعد بدء تنفيذ الإغلاق الحكومي رسمياً إثر فشل تمرير مشروع قانون التمويل في مجلس الشيوخ، مضيفة أن الوضع هذه المرة أكثر تعقيداً من أي إغلاق سابق، حيث يسعى ترامب إلى تصعيد الموقف وإطالة أمد الإغلاق إذا لم يتم الوصول إلى تسوية عاجلة بين الجمهوريين والديمقراطيين.
أكدت أن القانون الحالي يسمح بتمويل الأنشطة الحكومية حتى نوفمبر فقط، أي لمدة 6 أسابيع، بينما يسعى الديمقراطيون إلى تمرير إنفاق بقيمة تريليون دولار خلال هذه الفترة، وهو ما يرفضه الجمهوريون بشدة، خاصة أن جزءاً من هذا الإنفاق يتعلق بملفات حساسة مثل الرعاية الصحية والهجرة.
هذا الوضع يضع ضغوطاً متزايدة على دافعي الضرائب الأمريكيين الذين يزداد غضبهم من حرمانهم من خدمات اجتماعية معينة، فيما تهدد الخلافات بفقدان أكثر من 200 ألف شخص لوظائفهم إذا استمر الجمود في الكونجرس.
تشير وكالة “أسوشيتد برس” إلى أن إجازات الموظفين وتسريح العمال المحتملين ستوقف بعض الأنشطة الحكومية، في حين ستستمر وظائف أخرى، مثل بعثات ناسا الفضائية، وحملة الرئيس ترامب على الهجرة، وبعض أعمال الصحة العامة في إدارة الغذاء والدواء الأمريكية ووزارة الزراعة الأمريكية.
في وزارة الأمن الداخلي، سيتوقف نحو 14,000 موظف من إجمالي عددهم البالغ حوالي 271,000، مع الإبقاء على الغالبية العظمى من الضباط والموظفين في الجمارك وحماية الحدود، وإنفاذ قوانين الهجرة، وإدارة النقل والأمن، وخدمات المواطنة والهجرة، والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ.
ووفقاً لرصد “شاشوف”، فإن أبرز المؤسسات المتأثرة بالإغلاق تشمل مصلحة الضرائب ووزارة الخزانة الأمريكية والكونغرس ووزارة الإسكان والمتاحف والمتنزهات، بينما تبقى المحاكم الفيدرالية ومجلس الاحتياطي الفيدرالي مفتوحة.
يمكن أن يؤدي الإغلاق إلى استنفاد صندوق الإغاثة من الكوارث الحالي التابع لوكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية، والبالغ حوالي 10 مليارات دولار. وحذر رئيس مجلس النواب “مايك جونسون” من أن الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ “لن يتم تمويلها” خلال فترة الإغلاق.
وسيقلل عرقلة تمويل الحكومة الأمريكية من قدرة واشنطن على التواصل والدعم الدبلوماسي الفوري، وقد يربك شركاءها الاستراتيجيين في ملفات أمنية واقتصادية إذا استمر الإغلاق.
16 مليار يورو خسائر لأوروبا
أثار الإغلاق الحكومي الأمريكي قلق الأوساط الأوروبية من أن تجلب تداعياته السلبية على اقتصاد القارة العجوز، حيث تعتبر الولايات المتحدة المحرك الرئيسي للتجارة العالمية وشرياناً حيوياً للشركات الأوروبية.
تقدّر تحليلات الاقتصاديين الأوروبيين أن إغلاقاً يستمر أسبوعين قد يكلف الاتحاد الأوروبي نحو 4 مليارات يورو من الناتج المحلي الإجمالي حسبما أفادت “شاشوف”، فيما قد تتضاعف الخسائر إلى 16 مليار يورو إذا استمر الإغلاق لمدة ثمانية أسابيع. تكشف هذه الأرقام حجم الترابط بين الاقتصادين الأمريكي والأوروبي، وأي اضطراب في واشنطن يرسل صدى فوري عبر الأطلسي.
من المحتمل أن يبطئ تعطيل القروض الفيدرالية أو التصاريح التجارية حركة الاستيراد والتصدير، مما يضع المصدرين الأوروبيين في موقف حرج، خاصة في قطاعات مثل الآلات ومكونات السيارات والكيماويات، كما أن تقليص عدد الموظفين في الموانئ والجمارك الأمريكية سيؤدي إلى تأخير وصول البضائع وزيادة تكاليف النقل، مع ما يترتب على ذلك من ضغوط إضافية على سلاسل التوريد العالمية.
لا تقتصر التداعيات على التجارة فقط، بل قد تهز غياب الاتفاق في الكونجرس ثقة المستثمرين في السندات الأمريكية، ما قد يؤدي إلى رفع أسعار الفائدة عالمياً. ويحذر محللون من أن الأزمة تحمل أيضاً أبعاداً جيوسياسية، إذ أن فشل واشنطن في تمرير الموازنة قد يعوق قدرتها على تمويل التزاماتها ودعم بعض الحلفاء، مما يزيد من هشاشة المشهد الدولي ويعمق حالة عدم اليقين لدى المستثمرين.
تشير الشبكة الأوروبية إلى أن أوروبا تواجه مرة أخرى أزمة مصدرها الآخر عبر الأطلسي، بينما يبقى مصيرها معلقاً بناءً على مدى قدرة السياسيين الأمريكيين على تجاوز الجمود الحالي والحفاظ على صورة الولايات المتحدة كركيزة للاستقرار الاقتصادي العالمي.
في الختام، لا يمثل الإغلاق الحكومي الأمريكي أزمة سياسية فحسب، بل يمتد تأثيره ليخلق عبئاً اقتصادياً واسع النطاق داخلياً وخارجياً، ففي الداخل، يؤدي إلى تعطيل الخدمات العامة ووقف صرف الرواتب لمئات الآلاف من الموظفين الفدراليين، مما يضعف القدرة الشرائية ويؤثر على الاستهلاك، الذي يُعتبر المحرك الرئيسي للاقتصاد الأمريكي. كما يتسبب في إبطاء المشاريع والبنية التحتية، ويضع ضغوطًا على القطاعات المرتبطة بالحكومة مثل الطيران والأمن والصحة.
أما خارجياً، فإن الاضطراب المالي الناتج عن الشلل الحكومي ينعكس على الأسواق العالمية، ويؤدي إلى تراجع ثقة المستثمرين في الاقتصاد الأمريكي والدولار كسند آمن، مما يجعل من الإغلاق عاملاً يهدد الاستقرار الاقتصادي ليس فقط للولايات المتحدة، بل للنظام المالي العالمي بأسره.
تم نسخ الرابط
