اقتراب حل أطول إغلاق حكومي في تاريخ الولايات المتحدة.. هل تنقضي التحديات الاقتصادية؟ – شاشوف

اقتراب حل أطول إغلاق حكومي في تاريخ الولايات المتحدة هل


بعد أكثر من 40 يومًا من الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة، وافق مجلس الشيوخ على اتفاق لإنهاء الأزمة بأغلبية 60 صوتًا مقابل 40. تعود أسباب الإغلاق إلى عدم الاتفاق على ميزانية تشمل تمديد إعانات ‘أوباماكير’. التأثيرات الاقتصادية كانت مدمرة، حيث خسرت البلاد حوالي 60 مليار دولار، وتم تسريح العديد من الموظفين. يتيح الاتفاق إعادة الموظفين وصرف رواتبهم المتأخرة، لكنه لا يزال معلقًا بموافقة مجلس النواب. تأثيرات الإغلاق ستستمر حتى بعد انتهائه، مما يشير إلى تباطؤ التعافي الاقتصادي ووضع أعباء إضافية على الأسواق والطيران والخدمات الاجتماعية.

تقارير | شاشوف

بعد مرور أكثر من أربعين يوماً من الشلل الكبير الذي أصاب الإدارة والاقتصاد الأمريكي، صوّت مجلس الشيوخ الأمريكي (ذو الأغلبية الجمهورية) بأغلبية 60 صوتاً مقابل 40 لصالح اتفاق مبدئي لإنهاء أطول إغلاق حكومي في تاريخ الولايات المتحدة.

جاء هذا الاتفاق بعد ضغوط اقتصادية هائلة وتداعيات اجتماعية متفاقمة، من أبرزها توقف رواتب مئات الآلاف من الموظفين الحكوميين في أمريكا، وضرب قطاعات حيوية كالنقل الجوي والخدمات الاجتماعية، بالإضافة إلى اهتزاز الاقتصاد الكلي الأمريكي الذي يخسر، وفق متابعات شاشوف، حوالي 15 مليار دولار أسبوعياً نتيجة الإغلاق.

بدأ الإغلاق الحكومي في الأول من أكتوبر بسبب فشل الكونغرس في تمرير ميزانية شاملة للعام المالي الجديد، وسط خلافات حادة بين الجمهوريين والديمقراطيين بشأن تمديد إعانات التأمين الصحي ضمن برنامج “أوباماكير”، وهو البند الذي رفض الجمهوريون إدراجه في مشروع التمويل.

طالب الديمقراطيون بتمديد الإعانات لعام إضافي وإلغاء التخفيضات السابقة في برنامج “ميديكيد”، بينما أصر الجمهوريون على تمرير مشروع تمويل مؤقت يخلو من تلك البنود.

تكررت محاولات التوصل إلى تسوية منذ سبتمبر الماضي، إلا أن الجمود السياسي المستمر جعل الحكومة تدخل في حالة تعطيل طويلة لم تشهد البلاد مثلها منذ إغلاق إدارة ترامب عام 2018 الذي استمر 35 يوماً.

ملامح الاتفاق السياسي

الاتفاق الذي أقره مجلس الشيوخ مساء الأحد يمثل تمويلاً جزئياً للحكومة، يشمل وزارات الزراعة، وشؤون المحاربين القدامى، والكونغرس نفسه، بينما يمتد التمويل لباقي الوكالات حتى 30 يناير 2026.

يسمح الاتفاق بإعادة الموظفين المفصولين، وصرف رواتبهم المتأخرة، واستئناف المدفوعات الفدرالية للولايات والبلديات.

ومع ذلك، يبقى مصير الاتفاق معلقاً بقرار مجلس النواب، حيث أعلن الديمقراطيون بقيادة “حكيم جيفريز” معارضتهم لأي اتفاق لا يتضمن تمديد إعانات “أوباماكير”. في المقابل، حصلت مجموعة من الديمقراطيين المعتدلين على وعد من زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ “جون ثيون” بطرح تصويت لاحق على تمديد الإعانات قبل نهاية العام، مما شكل مخرجاً مؤقتاً من الأزمة.

الضربة الاقتصادية

وفق تقديرات اقتصادية أولية، تسبب الإغلاق الذي تجاوز 40 يوماً بخسائر مباشرة تقارب 60 مليار دولار، بمعدل 15 مليار دولار أسبوعياً، نتيجة توقف رواتب الموظفين الفيدراليين، وتعطل آلاف العقود الحكومية، وتأجيل المشروعات العامة والخاصة التي تعتمد على التمويل الفيدرالي.

تراجعت ثقة المستهلكين الأمريكيين إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2020، وفق مؤشرات جامعة ميشيغان التي تتبعها مرصد شاشوف، بسبب القلق من عدم انتظام الدخل لدى مئات الآلاف من الأسر العاملة في القطاع العام، وتراجع الإنفاق الشخصي، مما أثر سلباً على مبيعات التجزئة والمطاعم والخدمات.

قطاع الطيران كان من أكثر المتضررين من هذا الإغلاق، حيث أعلنت إدارة الطيران الفدرالية (FAA) فرض قيود جديدة على الطيران الخاص والأعمال في 12 مطاراً رئيسياً، بما في ذلك نيويورك ولوس أنجلوس وشيكاغو وأتلانتا وسياتل، نتيجة النقص الحاد في مراقبي الحركة الجوية الذين يعملون دون رواتب.

في الوقت نفسه، طُلب من شركات الطيران التجارية تقليص رحلاتها بنسبة 4% بداية هذا الأسبوع، على أن تصل إلى 10% قريباً، مما أدى إلى إلغاء أكثر من 4500 رحلة وتأجيل أكثر من 17 ألف رحلة خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي فقط، وفق بيانات طالعها شاشوف من FlightAware.

يأتي هذا في وقت حساس قبيل عطلة عيد الشكر التي تعد عادةً ذروة السفر الداخلي في الولايات المتحدة.

إد بولين، رئيس الرابطة الوطنية للطيران الخاص، قال إن السلامة هي حجر الزاوية في الطيران الخاص، لكن استمرار الإغلاق جعل التشغيل في المطارات الكبرى محفوفاً بالمخاطر، مما يفرض قرارات صعبة على المشغلين.

لم تؤثر الأزمة فقط على قطاع النقل، بل طالت أيضاً الشركات التي تعتمد على الرحلات الخاصة لعقد الاجتماعات وإبرام الصفقات، مما أدى إلى تأجيل صفقات تجارية واستثمارية، وزيادة الضغط على سلاسل التوريد.

الخسائر لم تقتصر على قطاع الطيران فقط، إذ تأثرت مكاتب الضرائب والوكالات الصحية والخدمات الاجتماعية، وتأخرت برامج المساعدات للفقراء والمتقاعدين.

اضطر كثير من الموظفين للعمل دون رواتب، فيما لجأ آخرون إلى الاقتراض لتغطية نفقاتهم المعيشية، مما رفع معدلات الديون الشخصية وزيادة حالات التخلف عن سداد القروض قصيرة الأجل.

تشير تقديرات وزارة الخزانة التي اطلع عليها شاشوف إلى أن كل أسبوع إضافي من الإغلاق يقلص الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.1%، مما يعني أن الإغلاق الحالي قد اقتطع ما يقرب من 0.6 إلى 0.7% من نمو الاقتصاد الأمريكي خلال الربع الأخير من 2025.

مساوئ الإغلاق لا تنتهي بإنهائه

لن تنتهي تأثيرات الإغلاق الأطول في تاريخ أمريكا بمجرد إنهائه، وستبقى التداعيات السلبية قائمة، حيث سيتجه الموظفون الذين عانوا من انقطاع الدخل نحو تقليص الإنفاق الشخصي، وستستغرق الشركات عدة شهور لإعادة تفعيل العقود المتوقفة.

تآكل ثقة المستثمرين في استقرار الإدارة الأميركية سيؤثر أيضاً على أسواق المال، خصوصاً في قطاعي الطيران والطاقة، اللذين شهدا تقلبات حادة خلال الأزمة.

هذا يعني أن إنهاء الإغلاق لن يكون “نقطة عودة فورية” إلى النمو، بل بداية عملية تعافٍ بطيئة تعتمد على قدرة الحكومة على استعادة الثقة، وضمان استقرار التمويل الفيدرالي حتى نهاية السنة المالية.

أكد هذا الإغلاق عمق الانقسام السياسي بين الحزبين، واستمرار توظيف القضايا الاجتماعية -كالرعاية الصحية- كورقة ضغط في المفاوضات المالية.

بينما أظهر الإغلاق أن أدوات الضغط، مثل تعطيل الحكومة، تفقد فاعليتها السياسية تدريجياً، إذ لا يحقق أي حزب مكاسب حقيقية في النهاية، بينما يدفع المواطن والاقتصاد الثمن الأكبر.

يعتقد المحللون أن الرئيس ترامب قد يخرج من الأزمة بأقل الخسائر، حيث حافظ على موقفه الرافض لتوسيع “أوباماكير”، لكنه اضطر في النهاية للقبول باتفاق محدود التمويل لتفادي مزيد من التدهور الاقتصادي.

أما الديمقراطيون، فقد نجحوا في إعادة تسليط الضوء على أهمية الرعاية الصحية العامة كملف انتخابي رئيسي قبيل انتخابات التجديد النصفي لعام 2026.

كيف ستتفاعل الأسواق بعد إنهاء الإغلاق؟

في هذا السياق، وبالنظر إلى بيانات السوق، فإن أسعار الذهب ترتفع حالياً متجاوزةً مستوى 4070 دولاراً للأونصة، في ظل الأنباء بشأن التقدم نحو إنهاء الإغلاق الحكومي الأمريكي. وعلى الرغم من أنها تراجعت بنسبة 8% منذ أن سجلت مستوى قياسياً فوق 4380 دولاراً للأونصة في منتصف أكتوبر، إلا أنها لا تزال مرتفعة بأكثر من النصف منذ بداية العام.

يرى المتداولون أن الأسواق من المرجح أن تتنفس الصعداء بعد إنهاء الإغلاق، معتبرين أن المشكلة سياسية بقدر ما كانت فنية، حيث يتداولون خلال الإغلاق “في فراغ”، مع توقف التقارير الاقتصادية الحيوية التي يعتمد عليها الفيدرالي والأسواق لتقييم صحة الاقتصاد، وهو ما يفسر الأداء الباهت للدولار مقابل ارتفاع الذهب.

إنهاء الإغلاق سيمكن من نشر البيانات الاقتصادية الحكومية الرئيسية، وإذا كانت هذه البيانات قوية، فإنها ستقلل من احتمالات خفض الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، مما يمثل ضغطاً هابطاً على الذهب.

من المرجح أن يؤدي إنهاء الإغلاق الحكومي إلى جني أرباح مؤقتة أو تصحيح طفيف في أسعار الذهب، خاصة بعد أن وصل إلى مستويات قياسية، لكن أي تراجع محتمل قد يكون محدوداً وقصير الأمد. المحرك الرئيسي الحالي للذهب هو توقعات خفض أسعار الفائدة وضعف الدولار، وإذا استمرت الأسواق في تسعير خفض الفائدة، فمن المتوقع أن يجد الذهب دعماً قوياً ويستأنف مساره الصعودي.

عادةً ما تتفاعل سوق العملات المشفرة، وخاصة البيتكوين، بشكل إيجابي مع إنهاء الإغلاق الحكومي الأمريكي، حيث يتلاشى عدم اليقين الاقتصادي وتستقر أوضاع السيولة. لكن المحرك الرئيسي لسوق الكريبتو يبقى مرتبطاً بالاحتياطي الفيدرالي.

إذا أظهرت البيانات الأمريكية القادمة بعد إنهاء الإغلاق ضعفاً اقتصادياً يعزز توقعات خفض الفائدة، فهذا يمثل دعماً قوياً جداً لسوق العملات المشفرة.

باختصار، يشير اقتراب نهاية الإغلاق الحكومي الأطول في تاريخ الولايات المتحدة إلى بداية فصل جديد في اختبار التوازن بين السياسة والاقتصاد. بينما يسعى الكونغرس والرئيس إلى حفظ ماء الوجه سياسياً، سيستغرق الاقتصاد الأمريكي عدة أشهر لاستعادة زخمه الطبيعي بعد خسائر تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات وتداعيات طالت قطاعات الطيران والخدمات والاستهلاك وثقة المستثمرين.


تم نسخ الرابط

Exit mobile version