قبل انتهاء الهدنة التجارية بين الولايات المتحدة والصين في نوفمبر 2025، أعاد ترامب تأجيج التوتر بتحديد ثلاثة شروط لاستئناف المحادثات: ضبط صادرات الفنتانيل، وقف استخدام المعادن النادرة كورقة ضغط، واستئناف شراء فول الصويا الأمريكي. تتزايد القيود الأمريكية على التكنولوجيا الصينية، مما يؤجج الصراع حول المعادن النادرة، التي تمثل أساس الصناعات العسكرية. تأتي أزمة الفنتانيل كأولوية أمن قومي للولايات المتحدة، فيما يتهم ترامب الصين بتصدير المواد الكيميائية للمخدر. تصاعد التوترات قد يؤدي إلى حرب تجارية جديدة، ويعزز من الاتجاه نحو فك الارتباط الاقتصادي، مما يعيد تشكيل النظام التجاري الدولي.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
مع اقتراب انتهاء الهدنة التجارية الهشة بين الولايات المتحدة والصين في 10 نوفمبر 2025، أعاد ترامب إشعال التوتر مجددًا من خلال وضع ثلاثة شروط رئيسية لاستئناف المحادثات التجارية مع بكين.
الشروط كما ورد في تقارير “بلومبيرغ” التي اطلع عليها مرصد “شاشوف”، تشمل ضبط صادرات الفنتانيل، وقف استخدام الصين للمعادن الأرضية النادرة كوسيلة ضغط، واستئناف شراء فول الصويا الأمريكي. وقد ظهرت هذه المطالب في ظل تزايد القيود الأمريكية على التكنولوجيا الصينية، وتوسيع الهوة بين البلدين في ما يخص الأمن الاقتصادي وسلاسل التوريد العالمية.
مغزى المطالب الأمريكية
تعتبر المعادن الأرضية النادرة محور الصراع الصناعي، إذ تُعد أساس العديد من الصناعات التكنولوجية والعسكرية الأمريكية، بدءًا من الهواتف الذكية إلى الطائرات الحربية. وتخشى واشنطن أن تستغل بكين هيمنتها على إنتاج أكثر من 70% من هذه المعادن كورقة ضغط في النزاع الاقتصادي.
وأشارت متابعات شاشوف إلى أن فرض الصين لضوابط جديدة على تصدير المعادن دفع ترامب إلى التهديد بفرض رسوم جمركية تصل إلى 100% على الشحنات القادمة من الصين، مما يعكس استعداد واشنطن للرد بقوة اقتصادية.
أما ملف “الفنتانيل”، فهو من أكثر الملفات حساسية في الداخل الأمريكي، إذ تتهم واشنطن بكين بأنها المصدر الرئيسي للمواد الكيميائية المستخدمة في تصنيع هذا المخدر القاتل.
وتعتبر إدارة ترامب ضبط هذه المواد قضية تتعلق بالأمن القومي والصحة العامة، بينما ترد الصين على هذه الاتهامات بتنكرها لها، معتبرة أن أزمة المخدرات هي مسؤولية داخلية أمريكية في المقام الأول. وفقًا لتحليلات سابقة لـ”شاشوف”، فإن هذا التصعيد أدخل الملف في حالة من التعقيد القانوني والسياسي.
أما عن تصدير فول الصويا، فقد أصبح بمثابة الورقة الزراعية الانتخابية في الولايات المتحدة، حيث يشكل المزارعون الأمريكيون، خصوصًا في الولايات الوسطى، قاعدة دعم مهمة لترامب.
بعد أن كانت الصين أكبر مشترٍ لفول الصويا الأمريكي (بقيمة 12.6 مليار دولار عام 2024، وفق مراجعة شاشوف للبيانات)، أوقفت شراءه وتحولت إلى أمريكا الجنوبية، ما أدى إلى خسائر كبيرة للمزارعين الأمريكيين، وسط تصاعد التوترات التجارية.
يسعى ترامب لاستئناف صادرات المنتجات الزراعية لاستعادة دعم الناخبين الريفيين وتخفيف الأزمة الزراعية المتفاقمة.
تصعيد متبادل تحت ستار المفاوضات
من المقرر أن تُعقد جولة جديدة من المحادثات بين الجانبين هذا الأسبوع في ماليزيا، بعد اتصالات بين وزير الخزانة الأمريكي “سكوت بيسنت” ونائب رئيس الوزراء الصيني “هي ليفينغ”.
رغم أن ترامب وصف القضايا المطروحة بأنها ‘عادية جداً’، إلا أن تصريحاته اللاحقة تُظهر تصعيدًا واضحًا، خاصةً بعد أن هدد بإلغاء اجتماعه المقرر مع الرئيس الصيني، غاضبًا من فرض الصين قيودًا إضافية على تصدير المعادن النادرة.
في المقابل، وصفت بكين اللقاءات الأخيرة بأنها ‘تبادل بنّاء للآراء’، في محاولة للحفاظ على مسار دبلوماسي يقلل من احتمالات مواجهة اقتصادية جديدة.
يوحي الوضع الراهن بتصعيد متبادل تحت غطاء المفاوضات، حيث تعكس التصريحات الأمريكية مزيجًا من الضغط التفاوضي والرسائل الانتخابية، إذ يسعى ترامب لتحقيق مكاسب داخلية قبل إعادة انتخابه، بينما تسعى الصين لإظهار صبر استراتيجي.
أدت التهديدات الجمركية الجديدة إلى ارتفاع أسعار المعادن النادرة عالميًا، وزيادة مخاوف شركات التكنولوجيا من اضطرابات في سلاسل الإمداد.
كما تأثرت أسواق الزراعة والطاقة سلبًا بسبب المخاوف من حرب تجارية جديدة قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتقلص التجارة العالمية.
وقد حذر وزير الخزانة الأمريكي من أن القيود الصينية على المعادن قد تدفع واشنطن إلى ‘فك الارتباط’ مع الصين، مما يمثل تحولًا استراتيجيًا بالغ الخطورة. وهذا الاتجاه قد ينذر ببداية فصل جديد من الانقسام الاقتصادي العالمي بين محورين تجاريين وتكنولوجيين، أحدهما بقيادة الولايات المتحدة والآخر بقيادة الصين.
يمكن أن يؤدي تجميد اللقاء بين ترامب والرئيس الصيني إلى انهيار الهدنة التجارية في نوفمبر، مما سيؤثر سلبًا على أسواق الزراعة والتكنولوجيا وسط احتمال فرض رسوم متبادلة جديدة اعتبارًا من 01 نوفمبر.
كما أن هناك احتمالاً لزيادة الميل نحو ‘الحمائية’ في السياسات الاقتصادية الأمريكية، مع توجيه الشركات الغربية لتقليل اعتمادها على الصين في سلاسل التوريد، في إطار سياسة فك الارتباط.
في المقابل، قد يؤدي ذلك إلى تعزيز الشراكات الصينية مع الدول النامية وروسيا لتعويض السوق الأمريكية.
كل ذلك يرسخ الانقسام الاقتصادي العالمي إلى معسكرين متنافسين، مما قد يؤثر على النظام التجاري الدولي برمته، ويعيد رسم الخريطة الجيوسياسية بناءً على السيطرة على الموارد والمعادن الحيوية، مع احتمال دخول الاقتصاد العالمي في مرحلة جديدة من عدم الاستقرار الهيكلي.
تم نسخ الرابط
