أقرت الحكومة اليمنية تحرير سعر الدولار الجمركي، ما أثار موجة احتجاجات شعبية بسبب توقع ارتفاع الأسعار. القرار يعكس عجز الحكومة عن إدارة الموارد، في وقت يعاني فيه اليمن من أوضاع اقتصادية صعبة وتدهور مستويات المعيشة. الخبراء يرون أن رفع الدولار الجمركي سيكون عبئاً إضافياً على المواطنين، وسيعزز الفقر ويدمر أي استقرار اقتصادي. يُذكر أن 80% من الإيرادات لا تصل للبنك المركزي، مما يزيد من حدة الأزمة. وتأتي هذه الخطوة في ظل غياب سياسات اقتصادية شاملة، ما يشير إلى أزمة عميقة تتجاوز الجوانب الاقتصادية إلى جوانب سياسية وأمنية.
الاقتصاد اليمني | شاشوف
بعد أن كانت حكومة عدن قد نفت -في وقت سابق من هذا العام- وجود نية لرفع سعر الدولار الجمركي، أقر المجلس الرئاسي بشكل رسمي تحرير الدولار الجمركي خلال مدة لا تتجاوز أسبوعين، كجزء من ما أُعلن عنه بـ’خطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة’، مما أثار استياء الشارع اليمني.
يبدو أن ارتفاع الأسعار أصبح حتمياً بالنسبة لليمن، نتيجة لرفع سعر الدولار الجمركي المزمع، ويأتي هذا القرار في وقت يشهد فيه المواطنون غلياناً شعبياً واسعاً بسبب الأوضاع المعيشية الصعبة وارتفاع الأسعار، حيث سيؤدي هذا الرفع إلى زيادة الأعباء على المواطنين نتيجة ارتفاع كلفة السلع المستوردة.
وأصدر المجلس الرئاسي قرار رقم (11) لعام 2025، الذي يتضمن ‘معالجة الاختلالات الحالية في تحصيل وتوريد الموارد العامة من المحافظات: عدن، مأرب، حضرموت، المهرة، تعز، من خلال توريد جميع الإيرادات المركزية إلى حساب الحكومة في بنك عدن المركزي، وإلزام المحافظين بعدم التدخل في أعمال المنافذ الجمركية، وإلغاء الرسوم غير القانونية المفروضة من المحافظين أو الوزارات أو تحصيل أي رسوم بسندات غير قانونية’، وفقاً لمصادر ‘شاشوف’.
وتشمل الخطة إجراءات لتوحيد الحسابات الحكومية، وإلغاء الحسابات الموازية في البنوك التجارية، وتعزيز الرقابة على الموارد العامة، بالإضافة إلى وضع آليات جديدة لتحسين التحصيل المالي وضمان الشفافية في إدارة الأموال العامة.
تطبيق بند ‘الدولار الجمركي’ فقط
لكن ناشطين وصحفيين وخبراء اقتصاد أشاروا إلى أن البند الوحيد الذي سيتم تطبيقه سيكون بند تحرير سعر الدولار الجمركي فقط، متجاهلين بقية البنود المتعلقة بتوحيد الإيرادات وتوريدها من جميع المحافظات إلى حساب الحكومة العام في بنك عدن المركزي.
الصحفي فتحي بن لزرق، رئيس تحرير صحيفة عدن الغد، صرح بأن ‘البارد الوحيد الذي سيُنفذ من قرارات المجلس الرئاسي هو رفع الدولار الجمركي، لأنه البند الذي سيتحمله المواطن مباشرةً’.
وطالب الإعلاميين والناشطين برفض ما وصفه بـ’المسرحية الهزلية’، مؤكداً أن ‘هذا القرار سينهي الاستقرار الاقتصادي الهش ويعيد البلاد إلى نقطة اللاعودة’.
كما أشار إلى أن المشكلة ليست في قلة الموارد، بل في خروجها من خزينة الدولة، حيث إن 80% من الإيرادات لا تصل إلى بنك عدن المركزي، مما يجعل قرار رفع الدولار الجمركي عبئاً إضافياً على المواطن، وليس على الفاسدين، على حد قوله.
كما أن بنود القرار ركزت فقط على ضبط الموارد المحلية وزيادتها من خلال رفع سعر الدولار الجمركي، بينما أغفلت الحكومة قضايا سنوية مثل استئناف تصدير النفط والغاز وإقرار الموازنة العامة وترشيد النفقات، مما يعكس الانجراف نحو الحلول السريعة على حساب المواطن.
ورغم الحديث عن أن بعض السلع الأساسية مثل الأرز والقمح تكون شبه معفاة من الرسوم الجمركية والضرائب، إلا أن أسعارها ترتفع بشكل دوري بسبب ارتباطها ببقية السلع والخدمات. فرفع الدولار الجمركي سيؤدي إلى زيادة الرسوم على المشتقات النفطية والضرائب المرتبطة بها، مما سيؤثر على تكاليف النقل لجميع السلع المستوردة والمحلية، وحتى على تعرفة نقل الركاب.
بناءً على المعطيات الحالية، يبدو أن ارتفاع الأسعار سيكون المصير المتوقع، خاصةً في ظل غياب سياسات اقتصادية شاملة توازن بين الإيرادات والنفقات، وتعالج المشاكل الرئيسية مثل تسرب الموارد وضعف الرقابة على المنافذ وتعدد الجبايات غير القانونية.
ويرى الاقتصاديون أن الحكومة اعتمدت على خيار رفع الدولار الجمركي كحل مؤقت، لكنه سيؤدي في النهاية إلى زيادة الفقر وتآكل الطبقة الوسطى، وتراجع الثقة بالسلطات المالية.
وذكر الدكتور مساعد القطيبي، أستاذ الاقتصاد في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة عدن، أن قرار المجلس الرئاسي لن يكون فعالاً ما لم يُنفذ بجميع بنوده دون استثناء أو تأجيل، خاصة في ظل تدهور الأجور والخدمات الأساسية، مؤكداً أن أي تأخير في تنفيذ جميع البنود سيزيد من معاناة المواطنين ويعمق نقص الخدمات.
حالياً، يُناقش رفع سعر الدولار الجمركي في عدن من مستواه الحالي البالغ 750 ريالاً إلى 1500 ريال للدولار الواحد. وفي أكتوبر الماضي، انتشرت شائعات تفيد بأن رئيس وزراء حكومة عدن، سالم بن بريك، يرفض رفع سعر الدولار الجمركي، بينما يدفع آخرون نحو هذا الخيار كحل لفشل الحكومة في معالجة الالتزامات، وسط استمرار عجز الحكومة عن فرض توريد الإيرادات إلى البنك المركزي.
كارثة سعرية.. ماذا بعد رفع الدولار الجمركي؟
إن رفع سعر الدولار الجمركي، الذي يُستخدم لحساب الرسوم الجمركية، سيؤدي إلى زيادة موجة التضخم المستوردة التي ستؤثر على أسعار السلع، مما سيضغط على تكاليف النقل والطاقة، ويقلل القدرة الشرائية للطبقات الفقيرة والمتوسطة.
وبالاستناد إلى تجارب سابقة، فإذا لم يرافق هذه الخطوة إجراءات شفافة في تحصيل الإيرادات وضبط المنافذ وقوانين لاستئناف النشاط التصديري وإدارة النفقات، فسيكون من المتوقع زيادة الفقر وتأزم الأوضاع الاجتماعية وفشل تحقيق أهداف الإيرادات على المدى المتوسط.
طبعًا، فإن التغير في سعر الصرف أو سعر الحساب الجمركي ينتقل إما جزئيًا أو كليًا إلى أسعار التجزئة، خصوصًا في الاقتصادات التي تستورد السلع الأساسية أو تلك التي تمتلك قدرة تنافسية محلية محدودة. ومعدل تمرير التكاليف متغير حسب القطاع، ولكنه غالباً ما يكون مرتفعاً في السلع الغذائية والوقود والخدمات اللوجستية.
كما أن رفع الدولار الجمركي يضرب الإصلاحات الاقتصادية الحكومية التي أدت إلى انخفاض سعر الصرف إلى 1600 ريال للدولار، ويؤكد فشل الحكومة في معالجة مشاكلها المالية.
الخبير الاقتصادي أحمد الحمادي، في حديث لـ’شاشوف’، علق بأن استمرار الحكومة في تبني رفع الدولار الجمركي كحل للأزمات يبرز عدم فاعلية سياساتها الاقتصادية وقدرتها على التعامل مع الصدمات الاقتصادية، مشيراً إلى ضرورة إلزام كافة المؤسسات الإيرادية التي يزيد عددها عن 200 مؤسسة ببدء تحويل الإيرادات دون تأخير، وأن تعمل الحكومة على تحفيز قطاع التصدير بدلاً من تحميله عبئاً إضافياً من الرسوم.
وأعتبر الحمادي أن اللجوء الرسمي لرفع الدولار الجمركي هو ‘طرح عبثي’، وأن على الدولة استرداد مواردها بالقانون بدلاً من فرض الأعباء على المواطنين، مؤكدًا أن تحويل الإيرادات إلى البنك المركزي في عدن أصبح صعباً بسبب تقسيم مناطق النفوذ بين المجلس الانتقالي في عدن، وحزب الإصلاح في مأرب وتعز، وقوات عضو المجلس الرئاسي طارق صالح في المخا، حيث يحتكر كل طرف الإيرادات والمنافذ، ومن غير المرجح إقناع الجميع بتنفيذ القرار.
ورأى أن اللجوء لتحريك الدولار الجمركي يشير إلى انهيار شامل للدولة وعجزها عن استرجاع مواردها، وأن هذا الرفع يأتي في وقت ينتظر فيه المواطنون صرف رواتبهم المتوقفة.
يعيش المواطنون حالياً على رواتب ضئيلة ومنقطعة، وفي حال صرفها، فإن تلك الرواتب لن تستطيع مواكبة الارتفاع الكبير المتوقع في الأسعار.
يمثل اللجوء إلى رفع سعر الدولار الجمركي ‘هروباً’ حكومياً يكشف عن أزمة عميقة في إدارة الموارد وعجز عن تطبيق القوانين، مما يجعل الأوضاع أزمة ليست اقتصادية بحتة، بل سياسية بنيوية، حيث تتداخل مصالح النخب مع الفوضى المالية ويترك أثر هذه الأزمة على المواطنين وحدهم.
تم نسخ الرابط
