إغلاق حكومي أمريكي جديد: أزمة تمويل ترتبط بملفات الهجرة والانقسام السياسي – بقلم شاشوف

إغلاق حكومي أمريكي جديد أزمة تمويل ترتبط بملفات الهجرة والانقسام


دخلت الولايات المتحدة في إغلاق جزئي للحكومة الفيدرالية بعد فشل الكونغرس في إقرار تمويل شامل. بدأ الإغلاق وسط توقعات بأنه سيكون قصيرًا، لكنه يبرز انقسامًا سياسيًا عميقًا حول سياسات الهجرة. رغم جهود مكثفة، لم يتمكن المشرعون من التوصل لاتفاق قبل الموعد النهائي، مما ترك الحكومة بدون تمويل. بالإضافة إلى ذلك، شهدت الأزمة احتجاجات ديمقراطية ضد سياسات إدارة ترامب. توصل الكونغرس إلى اتفاق لفصل تمويل وزارة الأمن الداخلي عن التمويل الحكومي الأوسع، مما يمنح المشرعين مزيدًا من الوقت للتفاوض، لكن شبح الإغلاقات المستقبلية يظل قائمًا.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

في الساعات الأولى من صباح اليوم السبت، دخلت الولايات المتحدة الأمريكية في حالة إغلاق جزئي للحكومة الفيدرالية، وذلك بعد أن فشل الكونغرس في التوصل إلى اتفاق شامل لتمويل المؤسسات الحكومية قبل انتهاء المهلة المحددة منتصف الليل. هذا التطور يعكس مرة أخرى هشاشة التوافق السياسي في واشنطن ويبرز الانقسام العميق حول قضايا حساسة، من أبرزها سياسات الهجرة وإنفاذ القانون خلال فترة ترامب.

بدأ الإغلاق رسمياً وسط توقعات غالبية بأنها ستكون حالة قصيرة، إلا أنها تحمل مؤشرات مقلقة على الاستقرار السياسي والاقتصادي، خاصةً مع تذكر الإغلاق الذي حدث في الخريف الماضي واستمر 43 يوماً وأدى إلى خسائر اقتصادية قُدرت بحوالي 11 مليار دولار حسب تقرير “شاشوف”.

كيف وصلت واشنطن إلى حافة الإغلاق؟

على الرغم من محاولات مكثفة في الساعات الأخيرة قبل الموعد النهائي، لم يتمكن الكونغرس من التوصل إلى اتفاق كامل يضمن استمرار تمويل مجموعة واسعة من العمليات الحكومية. وبعد تأخير استمر لساعات، نجح مجلس الشيوخ في تمرير حزمة إنفاق بأغلبية 71 صوتاً مقابل 29، بدعم من الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

ومع ذلك، ظل هذا التقدم شبه منقوص، حيث أكد مساعد قيادي في الحزب الجمهوري أن مجلس النواب لن يعقد جلسات فورية، ومن غير المتوقع مناقشة الإجراء قبل يوم الاثنين، مما ترك الحكومة بلا غطاء تمويلي فعلي خلال عطلة نهاية الأسبوع.

كما أن غياب مجلس النواب، الذي كان بعيداً طوال الأسبوع، كان العائق الرئيسي، فعلى الرغم من تصويت مجلس الشيوخ، لا يمكن لأي مشروع إنفاق أن يصبح نافذاً دون موافقة كلا المجلسين، ثم توقيع الرئيس ترامب عليه. هذا التعطيل، رغم أن ظاهره فني، أظهر ضعف التنسيق المؤسسي في أوقات الأزمات.

لم يكن الخلاف قاصراً على الأمور المالية، بل كان سياسياً وأخلاقياً بامتياز وفقاً لمتابعات شاشوف، فالأزمة الناشئة عن التمويل جاءت مدفوعةً بغضب واسع من الديمقراطيين بعد مقتل أمريكيين على يد عناصر فيدرالية تابعة لوكالات الهجرة في مدينة مينيابوليس في يناير الماضي.

واتهم الديمقراطيون إدارة ترامب بتطبيق سياسات هجرة متشددة، معتبرين أن وزارة الأمن الداخلي (DHS) ووكالاتها، وخاصة عناصر إنفاذ القانون، قد تجاوزت حدود القانون وهددت سلامة المواطنين. وكتب السيناتور الديمقراطي ديك دوربين أن الإدارة، بدلاً من التركيز على ملاحقة تجار المخدرات وتجار البشر، ‘تستهلك موارد ثمينة في استهداف المتظاهرين السلميين في شيكاغو ومينيابوليس’ حسب تحليل شاشوف، مضيفاً أن ‘هذه الإدارة تستمر في جعل الأمريكيين أقل أماناً’.

هدد الديمقراطيون في مجلس الشيوخ بتعطيل حزمة التمويل للضغط على ترامب لوقف أساليب وزارة الأمن الداخلي. وشملت مطالبهم إنهاء الدوريات المكثفة، وإجبار عناصر الهجرة على تركيب كاميرات على ستراتهم، ومنع تغطية الوجوه أثناء العمليات، والحصول على إذن قضائي بدلاً من مجرد الموافقة الداخلية.

من ناحية أخرى، أبدى الجمهوريون انفتاحاً جزئياً على بعض هذه الاقتراحات، لكن دون تقديم التزام واضح. وبموجب الاتفاق الذي تم التفاوض حوله بين البيت الأبيض وزعماء الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، تم فصل تمويل وزارة الأمن الداخلي عن حزمة التمويل الحكومية الأكبر، مما أتاح الموافقة على تمويل وكالات حيوية مثل وزارة الدفاع ووزارة العمل.

في المقابل، تم تمديد تمويل وزارة الأمن الداخلي لمدة أسبوعين فقط عبر إجراء مؤقت، مما يمنح المشرعين وقتاً إضافياً للتفاوض حول تغييرات جوهرية في سياسات الهجرة.

الاتفاق شمل أيضاً موافقة مبدئية على خمسة مشاريع قوانين تمويل معلقة، تضمن تمويل معظم الحكومة الفيدرالية حتى نهاية السنة المالية في سبتمبر 2026، في محاولة لاحتواء الأزمة ومنع تكرار سيناريو الإغلاق الطويل.

موقف ترامب.. رفض الإغلاق ومناورة سياسية

رغم تمسكه بخطاب صارم حول الهجرة، أعلن ترامب أنه لا يرغب في إغلاق الحكومة، ودخل في مفاوضات نادرة مع زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، الذي يعتبر خصماً سياسياً له. وحث ترامب أعضاء الحزبين على التصويت بـ ‘نعم’ في ما وصفه بـ ‘تصويت ثنائي الحزبية ضروري للغاية’، في محاولة لإظهار نفسه كرئيس براغماتي، بعيد عن الاستقطاب، خاصةً مع تزايد الضغط الشعبي.

وفور انتهاء التصويت، صرح شومر أن ‘الأمة تقترب من نقطة الانهيار. الشعب الأمريكي يطالب الكونغرس بالتحرك وفرض التغيير’. كان هذا التصريح تحذيراً سياسياً يعكس قلقاً حقيقياً من أن تتحول سياسات الهجرة، إذا استمرت بمثل هذا الشكل، إلى عامل تفجير داخلي يهدد الثقة بين المواطن والدولة.

شبح إغلاق الـ43 يوماً

يمثل الإغلاق الحالي عكس ما حدث في الخريف الماضي، عندما أدت الخلافات حول الرعاية الصحية إلى إغلاق قياسي دام 43 يوماً، وهو الأطول في تاريخ الولايات المتحدة، وتسبب في خسائر اقتصادية مباشرة وغير مباشرة قُدرت بحوالي 11 مليار دولار حسب تقارير شاشوف السابقة.

هذه المقارنة موجودة بقوة في أذهان المشرعين والأسواق، وتفسر السعي الدؤوب لتجنب سيناريو مماثل، حتى لو من خلال حلول مؤقتة وهشة. وهناك نتائج محتملة لهذه الأزمة، منها زيادة الاستقطاب الحزبي حول قضايا الهجرة، وتراجع ثقة الرأي العام في قدرة الكونغرس على إدارة الأزمات، وزيادة الضغط على إدارة ترامب لتعديل سياساتها الأمنية.

كذلك، فإن فصل تمويل الوزارات الحساسة يقوم بتعزيز سابقة كأداة ضغط سياسية، مما يؤثر سلباً على صورة الاستقرار التشريعي في النظام الأمريكي. وفي الجانب الاقتصادي، فإن الإغلاقات، مهما كانت قصيرة، تُحدث اضطراباً في الأسواق وتأخيراً في الخدمات. وأي تمديد غير متوقع قد يعيد شبح خسائر بمليارات الدولارات، بالإضافة إلى تأثير ذلك على سمعة الاقتصاد الأمريكي كبيئة مستقرة للاستثمار.

وهذا ينذر بتصاعد الغضب الشعبي، خصوصاً في المدن المتأثرة بسياسات الهجرة، وتوسع الفجوة بين الأجهزة الفيدرالية والمجتمعات المحلية. الإغلاق الحكومي الحالي والمؤقت يعكس أزمة سياسية بنيوية، تعكس تصادماً عميقاً بين مفهومي الأمن والحقوق، وبين منطق القوة ومنطق المساءلة. وما لم يتم معالجة أصول الخلاف حول سياسات الهجرة وإنفاذ القانون، ستظل الولايات المتحدة عرضة لإغلاقات متكررة، تنخر مؤسساتها، وتستنزف اقتصادها، وتعمق انقسامها الداخلي.


تم نسخ الرابط

Exit mobile version