يسعى البنك المركزي السوري لإصدار عملة جديدة من الليرة السورية كبديل للعملة القديمة، في محاولة لتعزيز السياسة النقدية وتهيئة السوق. وفقًا لما ذكره حاكم المصرف، ستحذف صفران من العملة القديمة لتصبح الفئات الجديدة أكثر بساطة. يأتي ذلك في سياق أزمة نقدية حيث فقدت الليرة 99% من قيمتها مقابل الدولار منذ 2011. يعتزم البنك المركزي مراقبة النقد المتداول والتعامل مع السيولة خارج النظام الرسمي. وفي سياق آخر، وافق مجلس الشيوخ الأمريكي على تعديل عقوبات قانون قيصر، مما يفتح مجالات للاستثمار في سوريا، لكن مع مخاطر تتعلق بالشفافية والمساءلة.
تقارير | شاشوف
يعمل البنك المركزي السوري على إصدار عملة جديدة من الليرة السورية كبديل للعملة الحالية، وليس لمجرد ضخ أوراق نقدية جديدة بجانب القديمة، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها دمشق.
وفي التصريحات الأخيرة التي حصل عليها شاشوف، أوضح حاكم مصرف سوريا المركزي أن العملة الجديدة ستتيح للدولة أداة للسياسة النقدية، لتغيير مخزون العملة السورية الذي يتراوح بين 38 إلى 39 مليار قطعة نقدية، والذي تراكم خلال 70 سنة واكتنفته مشاكل متعددة. وأضاف أن ‘حذف الأصفار’ سيساهم في تبسيط المعاملات، مما يوفر الراحة للمتعاملين في السوق.
يرى حاكم المركزي عبدالقادر الحصرية أن هناك فرقاً بين حذف أصفار العملة السورية وبين تجربة حذف الأصفار في إيران وفنزويلا، حيث أكد أن بلاده لديها سياسات جديدة تنفذها سلطات جديدة، في حين تواصل فنزويلا وإيران عمل السياسات والسلطات ذاتها.
ووفقاً لمتابعات شاشوف، ستحذف صفران من العملة، حيث ستساوي الـ10 آلاف ليرة قديمة 100 ليرة في العملة الجديدة، والـ100 ليرة قديمة ستصبح ليرة واحدة. وسيتضمن الإصدار الجديد 6 فئات نقدية، مع تجنب الرموز المعقدة، وفقاً للحصرية، في خطوة اعتبرها تعبيراً عن ‘هوية نقدية حديثة تعبّر عن السيادة الوطنية’.
فيما يتعلق بمراحل إصدار العملة الجديدة، ستبدأ بإصدارها، ثم السماح بتعايش العملتين القديمة والجديدة، قبل استبدال العملة القديمة نهائياً من خلال البنك المركزي فقط، وهي المرحلة المتوقعة أن تستمر لسنوات.
أزمة نقدية حادة واختراق للنظام المصرفي
تأتي هذه الخطوات المتمثلة في إصدار العملة الجديدة بعد أن فقدت الليرة السورية أكثر من 99% من قيمتها مقابل الدولار منذ عام 2011، وسط ارتفاع مستمر للأسعار يؤثر على القدرة الشرائية للمواطنين.
يتداول مبلغ كبير خارج النظام المصرفي الرسمي، مما يضعف قدرة الحكومة على مراقبة السيولة والنظام المالي. ووفقاً لتقارير شاشوف، يُقدر أن هناك حوالي 40 تريليون ليرة سورية خارج النظام المالي الرسمي، أي ما يعادل 3.6 ملايين دولار وفقاً لسعر صرف 11,000 ليرة للدولار.
هذا يفسر محاولة طباعة أوراق نقدية جديدة، إذ تسعى السلطة النقدية لتحسين رقابة الحكومة على النقد المتداول، لكن يمكن حتى إعادة الأموال عبر قنوات غير رسمية، مما يجعل تتبع التدفقات النقدية أمراً معقداً.
قد تدفع عملية استبدال العملة الأموال المهرّبة أو المدخرة في الخارج (خصوصاً في لبنان والعراق ودبي) إلى العودة للاستبدال، مما قد يزيد من السيولة في السوق وداخل الجهاز المصرفي، ولذلك قد يرتفع معدل التضخم ويزيد من المضاربة على الدولار، مما يؤدي إلى تدهور جديد لليرة السورية، وفقاً للخبير الاقتصادي والمصرفي إبراهيم قوشجي. والخطر الأكبر هو إعادة تهريب هذه الأموال الجديدة أو المستبدلة إذا لم تُحكم الرقابة المصرفية.
جاء الإعلان عن إصدار نقد جديد وحذف الأصفار في وقت يواجه فيه البلد الكثير من التحديات المالية، مما دفع التجار والصناعيين السوريين إلى الإسراع في التخلص من السيولة النقدية بسبب عدم اليقين بمستقبل العملة. وزاد تدهور الليرة بسبب الجمود السائد في الأسواق السورية الحالية، بالإضافة إلى استنزاف الليرة في حملات التبرع المدعومة من الحكومة.
لذا، يتوقع الخبراء الاقتصاديون في سوريا أن تشهد الليرة خسائر أكبر في قيمتها على المدى القريب. على الرغم من أن الليرة استعادت بعض قوتها إثر الانهيار الذي عاشته البلاد، إلا أن التحليلات تشير إلى أن قيمتها ستتراجع مرة أخرى بعد انتهاء المضاربات التي أوصلتها لأدنى مستوياتها.
تعتبر تكلفة إعادة الإعمار مرتفعة وتحتاج إلى موارد كبيرة، مما يشكل عبئاً على قدرات الدولة المحدودة، وهو ما يفسر مساعي جذب استثمارات أجنبية جديدة، خاصة من الخليج، وتقوية علاقات البنوك الدولية، خصوصاً بعد تحسن العلاقات مع دول الخليج.
رفع قانون قيصر
تزامنت تصريحات إصدار العملة الجديدة مع قرار رفع العقوبات الأمريكية المفروضة بموجب قانون قيصر، حيث أقر مجلس الشيوخ الأمريكي مؤخراً بإلغاء أو تعليق أجزاء كبيرة من تطبيق قانون قيصر، وأصدرت إدارات تراخيص تعديلات تسمح بإعادة فتح الباب للاستثمارات والتجارة مع مؤسسات سورية معينة، بشرط الالتزام بالتعليمات.
هذا التطور يفتح فرصة لإعادة إدماج سوريا في الاقتصاد الإقليمي والدولي، ولكنه يحمل مخاطر سياسية وإنسانية وقانونية إذا لم تُرافقه ضمانات ومساءلة وإجراءات إعادة إعمار شفافة.
قد يؤدي رفع قانون قيصر إلى تدفق استثمارات بطيئة ومحدودة، إذ أن تخفيف القيود سيسمح بدخول بنوك وشركات أجنبية، خاصة في قطاعات الطاقة والبناء، لكن مخاطر الامتثال والسمعة ستقلل من تدفق رؤوس الأموال الكبيرة على المدى القصير.
كما يُتوقع أن تؤدي هذه الخطوة إلى تحسن تدريجي في الوصول إلى رساميل واستيراد قطع غيار ضرورية، مما قد يخفف من التضخم وأزمة الخدمات.
يُنظر إلى رفع عقوبات قانون قيصر كاستجابة للتنازلات التي قدمتها الإدارة السورية للحصول على رفع العقوبات، وأي تنازل سيكون معتمداً على توازن القوى الداخلي والإقليمي والضغوط الدولية، وغالباً لن تكون تنازلات سوريا أكثر من شكلية وليست جوهرية، وفقاً لتحليلات شاشوف.
ستشمل بعض التغييرات السماح بدخول مراقبين دوليين، وتقديم التزامات أمنية ضد الجماعات المتطرفة. أما التنازلات الجوهرية المتصلة بالمساءلة عن جرائم الحرب أو التغيير الهيكلي لنظام السلطة، فتبدو بعيدة المنال، ولذلك فإن مخاطر التنازلات قد تتجلى في كونها رمزية فقط، تُستغل لتسويغ الاستثمارات وإعادة الإعمار دون معالجة جذور الانتهاكات.
من الناحية الاقتصادية، قد تحدث تغيرات في القطاعات المدنية الأساسية (استيراد سلع وإصلاح بنى تحتية) على مدى 12 إلى 36 شهراً، مع عودة تدريجية للمستثمرين الإقليميين، ولكن التعافي الحقيقي يحتاج إلى سياسات نقدية ومالية مستقرة ومشروعات تمويلية دولية منظمة.
يفتح قرار إلغاء عقوبات قانون قيصر باباً للحد من المعاناة الاقتصادية وإطلاق مشاريع إعادة إعمار، لكنه يحمل في طياته مخاطر الإفلات من المساءلة وتقوية قوى السلطة إذا لم تكن تلك الخطوات مشروطة بمطالب حقوقية وسياسية واضحة وقابلة للتحقق.
شروط الإصلاح الاقتصادي
تهدف الإصلاحات الجارية في سوريا بخصوص إعادة العملة (حذف الأصفار وطباعة الأوراق النقدية الجديدة وإزالة الرموز السياسية منها) بشكل معلن إلى تحقيق استقرار نقدي واستعادة ثقة المواطنين وتسهيل العمليات المالية اليومية.
لكن نجاح هذه المساعي يتطلب توافر عدة شروط، من أهمها تحفيز الاستثمارات، ورفع العقوبات بما يسمح بالتجارة الدولية والانخراط في النظام المالي العالمي، وتحسين البنى التحتية المالية والمصرفية، بجانبي القدرة على التواصل الجيد مع الجمهور لتجنب الالتباس.
إذا نجحت هذه الإجراءات بشكل منسق، فقد تشهد سوريا تحسناً بطيئاً في النمو، لكن خبراء الاقتصاد والأمم المتحدة يرون أن الطريق لا يزال طويلاً جداً ويحتاج لعدة عقود كاملة للتعافي الاقتصادي.
تم نسخ الرابط
